مغامرة صحفية ل"الفجر" تكشف غيابًا تامًا للأطباء عن الحملات أطلق وزير الصحة د.أحمد عماد، الأحد الماضى، الحملة القومية للتطعيم ضد مرض شلل الأطفال، لمدة 3 أيام، وحسب بيان للوزارة، فقد استهدفت الأخيرة تطعيم حوالى 16.5 مليون طفل، من عمر يوم وحتى 5 سنوات، بتكلفة بلغت 84 مليون جنيه. وأشار البيان إلى أن الوزارة تنفق نحو 1.2 مليار جنيه سنويا، على التطعيمات. قامت «الفجر» بمغامرة صحفية استهدفت التعرف عن قرب على ما يجرى، وذلك عن طريق التطوع بالعمل مع الأطباء والممرضات، فى تطعيم الأطفال. 1- بداية التطوع: فى مكتب صحة الجيزة، سألنا الموظف المسئول عن إجراءات استقبال المتطوعين، عن مدى إمكانية الانضمام لفريق الأطباء والممرضات، وكانت المفاجأة فى عدم وجود ما يمنع، ودون أى استفسارات، طلب كتابة رقم الهاتف على صورة ضوئية من بطاقة الرقم القومى، ثم قام بتسجيل أسمائنا «ثنائية» فى كشف ضم أسماء أخرى. إحدى بطاقات الرقم القومى كانت منتهية منذ 5 سنوات، ولم يكن ذلك عائقا، فالموظف لم يدقق فى بياناتنا من الأصل، ودون أسماءنا بلا مبالاة تثير العجب. باستكمال الحديث، تبين أنه سيخبرنا بالإضافة لطريقة تدوين بيانات الأطفال فى الكشوف، كيف نتعامل مع الجرعات حتى لا نتسبب فى إتلافها. قال إن كل زجاجة طُعم، عليها دائرة، عبارة عن مونيتور، يُظهر 4 درجات لونية، توضح ما إذا كان الطعم سليما أم فاسدا، أم أنه فى طريقه للتلف. 2- مراحل تلف جرعة التطعيم: وأضاف: الزجاجة تمر بأربعةمراحل، الأولى عندما تكون الدائرة بيضاء، وتعنى أن الطعم سليم، والثانية عندما يكون على وشك انتهاء صلاحيته، يظهر اللون رمادى فاتح، والمرحلة الثالثة عندما يكون «موف» أو رمادى غامق، ويعنى أن الطعم تالف، ويصل لتلك المرحلة عندما يكون خارج علبة الثلج. ثم فاجأنا قائلا: «كده كده الطعم بيجيلنا بايظ فى الغالب». وحول طريقة التخلص من الطعم التالف، فاجأنا مرة أخرى: «طعموا منه عادى، مفيش مشكلة، هو شغال متقلقوش، المفروض يكون جايلنا أبيض، بس طريقة التخزين بتخليه رمادى». ثم قام بإخراج إحدى الزجاجات لنراها بشكل أوضح، وقال إنه يستخدمها للتدريب، منذ 20 يومًا، ولم يتغير لون الدائرة الرمادية!. أثناء ذلك دخلت طبيبة وبعد التعرف سريعا علينا، طلبت من الموظف أن يشطب اسمها من المشاركات فى الحملة، لعدم رغبتها فى ذلك. 3- بداية العمل: يوم الأحد 11 فبراير، فى الثامنة صباحًا، ذهبنا لمكان تجمع المتطوعين، بمكتب الصحة فى شارع 6 أكتوبر، بالمنيب، كان الزحام شديدا وغياب التنظيم علامة بارزة، وكان أغلب المتواجدات من طالبات مدرسة التمريض، بالإضافة لعدد قليل من المشرفات، ولا يوجد متطوعون غيرنا. بدأ اليوم بتوزيع طالبات التمريض على مجموعات، كل مجموعة ممرضتين ومشرفة، ولفت انتباهنا عدم وجود أطباء. يتراوح عمر الطالبة بين 14 و16 عاما، وتم توزيع التطعيم على كل مجموعة، عبارة عن «كولمن» بداخله زجاجات التطعيم، و4 عبوات صغيرة من جيلاتين الثلج. حمل كل منا دفتر تدوين بيانات، تقتصر خاناته على عدد الأطفال وأعمارهم، وعناوين الشوارع والمنطقة السكنية، مع عدم وجود خانات لكتابة أسماء الأطفال، أو أرقام المنازل. انصرفنا إلى مناطق التوزيع، لتبدأ المفاجآت فى التدفق، واحدة تلو أخرى. 4- من منزل لآخر قالت وزارة الصحة فى بيانها، إن التطعيم من منزل إلى آخر، بهدف الوصول إلى جميع المستهدفين، لكن ما حدث أننا كنا نجلس على ناصية الشارع، أو منتصفه، ونكتفى بالتنويه عن الحملة من خلال «ميكروفون»، لم يكن ما حدث سوى الروتين المتبع فى جميع الحملات المشابهة. كانت الأمهات يأتين إلينا بأطفالهن وليس العكس، من تسمع منهن تأتى مهرولة، وتخبر الأخريات، ودون ذلك لم ينلن حظهن من تطعيم أطفالهن، رغم أن التحرك من منزل لآخر كما قال البيان ميسورا، لكن المتبع تم، ونفذت المجموعات توجيهات المشرفات الخبيرات بمثل تلك الحملات نصا. يقوم المشرف قبل الانصراف بوضع ملصق على كل منازل الشارع، بما يشير أن ساكنيه الأطفال نالهم نصيب، كما تملأ بيانات الدفتر بما يشير إلى تمام المهمة على أكمل وجه. تقوم طالبة التمريض، بتطعيم الطفل نقطتين فى فمه، وتكفى الزجاجة ل 18 مرة، لكن مراجعة ما تم تدوينه، بعدد المستهلك من الطعم يشير بسهولة إلى أن الزجاجة تم استخدامها 24 مرة !. ولا يعنى والحال كذلك، التأكد من ابتلاع الطفل للطعم من عدمه، سوى العبث. يمنع تطعيم الطفل حال ارتفاع درحة حرارته، أو لأنه يتعاطى أدوية للحساسية، إلا أن جملة «مافيش مانع من تطعيمه» كانت تجرى دون رابط على لسان كل الممرضات، إذا علمن من أى أم بأن طفلها يعانى من ارتفاع درجة الحرارة أو يعالج من أى أمراض. «ما فيش مانع» تم تطبيقها على طفلة «منغولية»، رغم التنبيه علينا بأن الطفل «المنغولى» يتم تطعيمه بالوحدة الصحية فقط. 5- الجلوس على النواصي: أثناء جلوسنا فى انتظار أمهات يحملن أطفالهن، جاءت سيدة تطلب إعطاءها زجاجة التطعيم، ألقت عليها نظرة فاحصة، ثم قالت بصيغة الأمر: «من فضلك افتحى إزازة جديدة، للطفل القادم»، ثم أضافت: أنا مشرفة فى وزارة الصحة، وذهبت دون أن ندرى أين الخطأ، وأين الصواب. لم يتم الالتزام أيضًا بالعمر المستهدف بالتطعيم، فهو حسب البيان، من عمر يوم حتى 5 سنوات. «طالبة تمريض» قامت بتطعيم طفل جاء به والده مازحا: طعموا الواد ده»، وبسؤاله عن عمره، قال: 7 سنوات. طفل آخر تشككت المشرفة فى عمره، فقالت والدته: 5 سنوات، لكن المشرفة رفضت تطعيمه بدعوى أنه تخطى عمر التطعيم. 6- الروتين القاتل: فجأة اكتشفت المجموعة اختفاء إحدى زجاجات التطعيم، ما أصاب الجميع بارتباك شديد: «دى عهدة»، وعلى الأرض صفت جميع الزجاجات لعدها، والتأكد من العهدة. استمرت عملية العد 15 دقيقة، خارج الثلج، تحت عين الشمس، ما يعنى التلف المؤكد للمحتمل سلامته.. «المهم العهدة» درجات تحت الصفر، يحتاجها الطعم ليظل صالحا للاستعمال. 29 زجاجة وجدتها المشرفة، فى حين أن العهدة 30، فقالت بتوتر: «دى مصيبة، بس أنا كنت عارفة أنها هتعمل كده»، فى إشارة إلى المسئولة عن تسليم الجرعات، لبسنا فى الحيطة. بعد لحظات، قالت: سنترك «الفوارغ» فى مكتب الصحة، ولن نسلمها للمسئولة يداً بيد، وعندما سألناها عن سبب عدم تسليمنا العدد الصحيح، قالت: بتأمن نفسها، لديها عجز وترغب فى استكماله». ماجدة عبدالعاطى، مسئول تطعيمات سابقة، قالت إن مصر تقوم باستيراد لقاحات شلل الأطفال من فرنسا والهند، داخل صناديق مظبوطة ب«مونيتور»، يوضح درجات الحرارة، وما إذا كانت الشحنة صالحة أم أصابها التلف. وأضافت ل«الفجر»، أن اللقاح بعد وصوله إلى مصر، يتم حفظه فى الرقابة الدوائية، لفحص العينات، وتحليل أثرها وفترة الصلاحية، ثم تخرج الطعوم من الرقابة الدوائية لهيئة المصل واللقاح، ومنها يتم توزيعه على الوحدات الصحية، التى تقوم بحفظه فى وحدات التبريد (فريزر). 7- طرق الحفظ: مسئول التطعيمات فى إحدى المحافظات - أصر على عدم ذكر اسمه- أشار إلى أن اللقاح يحفظ فى حامل تبريد «كولمن»، خلال حملات التطعيم، بداخل «الكولمان» قوالب تبريد «جيل»، موضحا أن أقل سعة تخزينية لأصغر حامل تبريد، يحوى 4 قوالب تبريد، وعن سبب الاستعانة بالقوالب الجيل، وليس الثلج، قال: قوالب الجيل تحتاج وقتا أطوال من الثلج حتى تصل لدرجة الذوبان، ولا تترك أثرا، أما الثلج فيتحول عند ذوبانه إلى ماء. «بعض ما تسلمته مجموعتنا من زجاجات، كان محفوظا فى كولمان، وسط أكياس ثلج عادية». 8- موانع التطعيم: وعن التطعيم فى حالة ارتفاع درجة الحرارة أو المرض، قال: موانع التطعيم، 4 حالات، هي: «طفل مصاب بأحد أمراض المناعة، والثانية يتعاطى كورتيزون لفترة أكثر من ثلاثة أسابيع متواصلة، والحالة الثالثة أن يكون الطفل مريضا باللوكيميا، والرابعة إذا كان التطعيم ممنوعا بأمر الطبيب المعالج»، وأوضح أنه فى حالة ارتفاع درجة الحرارة، يجب تأجيل التطعيم، وأيضًا فى حالة وجود إسهال، لأنهما أعراض إصابة الطفل بميكروب يتطلب تأجيل التطعيم. ياسر عطايا، مدير الطب الوقائى بمحافظة القليوبية، أوضح أن مهمة المتطوعين كتابية، فهم يقومون بالتسجيل فقط.وأضاف أن الإدارات الصحية، مهمتها الإشراف على حملات شلل الأطفال، وفى كل مكتب صحة مشرفين عموميين، ورئيسين، ويشترط أن يكونا أطباء، ومهمتهما متابعة سير العمل بجميع القوافل التى تجول الشوارع، وهناك مشرفين «لصقاء» ومهمتهم مرافقة القوافل أثناء عملها، ولا يشترط أن يكونوا أطباء، لكن يجب أن يكونوا عاملين بالقطاع الطبى. وقال إن المتبع أن يلاصق كل مجموعة تقوم بالتطعيم، مشرف، وممرضتين، أو ممرضة ومتطوعة، على أن يتابع سير العمل مشرف الإدارة. وأكد أن كل زجاجة تطعيم تكفى 20 طفلًا، إذا كانت الممرضة على مستوى عال من التدريب، لكن متوسط جرعات الزجاجة الواحدة، تكفى 17 أو 18 طفلا. عندما سألناه عن احتمال قيام إحدى الممرضات بتطعيم عدد أكبر مما ذكره، رفض الاحتمال قائلا: المفترض أن احتمال الخطأ صفر، لأنه يتعلق بأرواح بنى آدميين.