بأسعار رمزية.. "فنون تطبيقية" حلوان تنظم معرضا خيريا لدعم الطلاب والعاملين    "حقوق حلوان" تنظم دورة تدريبية حول قضايا محكمة الأسرة    سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم الأحد 30 نوفمبر 2025    طن الحديد بكام النهارده ؟....اسعار الحديد اليوم الأحد 30 نوفمبر 2025 فى المنيا    عدد من يعيشون بمفردهم بمنزل خاص في كوريا الجنوبية يتجاوز 8 ملايين    اليوم.. طقس معتدل نهارا مائل للبرودة ليلا والعظمي بالقاهرة 23 درجة    اليوم.. استئناف مرتضى منصور على تغريمه في سب مخرج شهير    هل ينهي صيامه؟.. سجل مميز ل محمد صلاح أمام وست هام قبل مواجهة اليوم    اسعار الذهب اليوم الأحد 30نوفمبر 2025 فى محلات الصاغه بالمنيا    انكماش النشاط الصناعي في الصين للشهر الثامن على التوالي في نوفمبر    نوح شناب: المخرج رفض يطلعني على سيناريو الموسم الأخير لStranger Things خوفا مني    أسعار الأسماك والخضراوات والدواجن اليوم 30 نوفمبر    وول ستريت جورنال: ترامب هدد مادورو باستخدام القوة إذا رفض التنحي    وزير الإعلام السوري يعلق على هجوم بيت جن ويتحدث عن خطأ إسرائيل في الحسابات    حركة القطارات| 45 دقيقة تأخيرًا بين قليوب والزقازيق والمنصورة.. الأحد 30 نوفمبر 2025    رئيس البرلمان العربي يدعو المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته تجاه الشعب الفلسطيني    توخوا الحذر.. شبورة كثيفة على الطرق من الساعة 2 إلى 9 صباحًا    بعد حكم الإدارية العليا بإلغاء نتائج الانتخابات، 30 مرشحا يتنافسون على 3 مقاعد ببندر أسيوط    ترامب: صلاحيات الرئيس الأمريكي تسمح بفرض قيود على الأفغان    عاجل: تصعيد الهجمات البحرية والجوية: زوارق أوكرانية واستهداف مسيرات روسية    دعاء الفجر | اللهم افتح لنا أبواب رحمتك واغفر لنا ذنوبنا    كشف ملابسات مقطع فيديو لشخص أجنبي يتهم شخصًا بالنصب    «الصحة» تحسم الجدل: لا صحة لتلوث المياه المعدنية بالفضلات    سكرتير عام الجيزة: «الكيوت» بديل «التوكتوك» بسعر 200 ألف جنيه توفر أمانًا وربحية أكبر    لياو يقود ميلان للفوز على لاتسيو في الدوري الإيطالي    أيتن عامر تكشف معاناتها بعد الانفصال في «صاحبة السعادة»    مي فاروق توجة رسالة رومانسية لزوجها: الأمان أعلى منزلة من الحب    500 عريس وعروس.. حفل زفاف جماعي تاريخي في المخا اليمنية    وزير التعليم العالي يُكرِّم نائب رئيس جامعة المنصورة    لضمان جودة الخدمات الصحية.. خطة لتلافي القصور في مراكز الرعاية بوسط سيناء    متحدث الصحة: لا يوجد في مصر حمى نزفية ولا أي فيروس مجهول    الإدارية العليا تبطل انتخابات دائرة طامية وسنورس وسنهور بالفيوم    إبطال انتخابات مجلس النواب في 5 دوائر بالمنيا    تعرف على الدوائر الملغاة فى أسيوط    ثأر فيليبي لويس.. فلامنجو يهزم بالميراس وينفرد بعرش كوبا ليبرتادوريس في البرازيل    الزمالك: عبد الرؤوف صاحب شخصية قوية.. ومعاقبة لاعب أخطأ دون إعلان التفاصيل    شاهد تحديا من نوع خاص بين على لطفى ومحمد بسام فى منتخب مصر    مرشح دائرة المنتزه صاحب واقعة فتح الصناديق" أحمد فتحي" يخوض انتخابات الإعادة بحكم من الإدارية العليا    الناقد أحمد سعد الدين ينتقد تجسيد منى زكي: كيف يظهرون كوكب الشرق بسيجارة؟    عرض مسلسل ميدتيرم بطولة ياسمينا العبد على on و watch it يوم 7 ديسمبر المقبل    رويترز: المسؤولون الأمريكيون فوجئوا بإعلان ترامب إغلاق المجال الجوى الفنزويلى    برنامج دولة التلاوة.. وماذا بعد؟    منافس بيراميدز المحتمل.. فلامنجو بطلا لكأس ليبرتادوريس    الرئيس السيسى فى خطاب لأبومازن: الشعب الفلسطينى البطل لا يزال مرابطا على أرضه متمسكا بحقوقه ومتشحا برداء البطولة.. موقف مصر ثابت وداعم للقضية الفلسطينية.. وأدعو المجتمع الدولى إلى إعادة بناء ما دمرته حرب غزة    الصحة النفسية وإدمان مواقع التواصل الاجتماعي: خطر خفي يهدد توازن الإنسان    بعد تصريحات متحدث الصحة.. كيفية الحماية من الأمراض التنفسية؟    د.حماد عبدالله يكتب: عايز الناس " يحترموني " !!    إيران تعلن انضمامها إلى هيئتين في منظمة "اليونيدو" الأممية    الإدارية العليا تلغي انتخابات الدائرة التاسعة بكوم حمادة ومركز بدر بالبحيرة    كونسيساو بعد اكتساح الشباب: الاتحاد عاد.. وقادرون على حصد لقب الكأس    انتشال جثمان قبطان بحري سقط من سفينة أثناء إبحارها من بورسعيد إلى دمياط    ريال مدريد يحدد مارك جويهي بديلاً مثالياً بعد صرف النظر عن كوناتي    لأول مرة.. عمرو أديب يجرب السيارة "الكيوت" على الهواء: "الجن الجديد"    فوائد الحلبة، تعزز هرمون الذكورة وتنظيم سكر الدم وتزيد من إدرار الحليب    «بيت الزكاة والصدقات» يعلن الانتهاء من تسليم مساعدات الدُّفْعة الأولى من شاحنات الى غزة    الاتحاد والشباب يلتقيان اليوم في ربع نهائي كأس الملك.. كل التفاصيل والبث المباشر ⚡    إطلاق النسخة ال32 من المسابقة العالمية للقرآن الكريم| الاثنين المقبل    تعرف على مواقيت الصلاة اليوم السبت 29-11-2025 في محافظة قنا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إذا سألت فاسأل الله
نشر في الفجر يوم 09 - 02 - 2016


الحمد لله رب العالمين..
إخوة الإيمان، أتباع خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم، رجال خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله:
ليس لدى المسلم في إيمانه بدينه شك ولا ريبة، وما يعتري شعوره تجاه أسس دينه لبس ولا اضطراب، لا يقبل من عاش الإسلام أن يتلطخ بضراء الجاهلية، ولا يقبل من نشأ على هذا الدين أن يوصف بدين غيره، ولا أن ينسب لملة غيره، لِمَ؟!
ذلك لأنه الدين الحق وهو الهدى والنور وهو النهج الواضح الذي لا يخالطه غموض الديانات الأخرى ولا طلاسم المناهج الضالة في الحياة، وما دام الأمر كذلك فلا بد لهذا الشعور من البناء، ولا بد لهذا الاعتزاز من الإحياء، وحياة ميسورة السبيل وسهلة المسلك، حياته تكون بالإيمان والإيمان يبنى في النفس بأسس ووسائل ميسورة، على رأسها وأساسها التدبر للقرآن والنظر في سنة وسيرة خير ولد عدنان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
فما أحوج النفوس إلى بناء اليقين والتصديق بما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ما أحوج الأمة إلى أن تعود إلى ربها عودًا صادقًا، لتجد النجاة عنده، والنصر منه، والعزة في دينه.

ما أشد الحاجة لذلك في أيامنا هذه والأمة تمر بمرحلة كيد ومكر، وعداء وغدر، وتخطيط وحبائل، أمة تصبح على ألم وتمسي على أمل، أمة تنهشها كلاب الأعداء، وتنغرس في جسدها أنياب الأصدقاء، وتتغافل عنها أنظار الأحباء.
أمة معها القوة ولكنها تتكاسل عن استخدامها، ومعها الناصر والمعز سبحانه ولكنها تسيء فلا ترجع إليه ولا تنطرح بين يديه، ومعها البرهان ولكنها تتغافل عنه وتنشغل بغيره، ولديها المنهج الكامل للنجاة والنصر والعزة ولكنها مكنت عدوها من قيادها وصعب عليها الرجوع لأصولها فتاهت وضاعت وضعفت واستُذِلت.

عباد الله:

من هذا المنطلق فإن الحديث عن البناء ومراجعة الذات ومحاسبة النفس وتصحيح المسار أمر لا بد منه وبخاصة في المرحلة الحالية من حياتنا وحياة أمتنا، ولهذا فلا بد من الحديث عن علاقتنا بالله ربنا، لا بد من الحديث عن مدى صدقنا في التجائنا إلى الله تعالى، إنها وقفة متصلة بوقفة سابقة مع خبر نبوي كريم، كم نحن بحاجة لتذكره في مثل واقعنا اليوم، فهو وصية المحب لأحبابه والصاحب لأصحابه، وصية من نبي الهدى صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما وللأمة كلها.

فعن عبدالله بن عباس رضي اللّه عنهما قال: كنتُ خَلْفَ النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: «يا غُلامُ! إني أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احفظ الله يَحْفَظْكَ، احفظ الله تَجِدْهُ تُجاهَكَ، إذا سألت فاسأل الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ؛ وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ على أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (رواه الترمذي؛ [2516]، وقال: حديث حسن صحيح).

عباد الله:
إن هذا الحديث من أعظم الحكم والوصايا التي وصى النبي صلى الله عليه وسلم بها أمته، إنه حديث جليل عظيم المقدار، فما أسعد من تدبره وتفهمه وعمل به، وما أشقى من أعرض عنه ولم يعمل به، تحدثنا عن حفظ الله للعبد وعن الثقة بالله تعالى وأنه لن يصيب الإنسان إلا ما كتبه الله تعالى، وأن البشرية جمعاء لا تستطيع الضر ولا تقدر على النفع إلا إذا شاء الله تعالى ذلك وقدره، واليوم نتناول جانبًا آخر جاء في هذه الوصية النبوية الخالدة.

لقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم في الحديث: «إذا سألت فاسأل الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ» فحول هذا المقال الكريم نقف اليوم وحوله نتحدث: «إذا سألت فاسأل الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ».

إننا بحاجة لإدراك هذه الحقيقة الإيمانية، بحاجة لتحقيق هذا المطلب النبوي الكريم؛ سؤال من بيده تصريف الأمور وتحقيق الطلب، سؤال القادر العظيم والمدبر الحكيم، سؤال من أمره بين الكاف والنون، سؤال الله تعالى. تدبرت في هذا الخبر النبوي فتذكرت قول ذلك الشاعر الحكيم وهو يضع النصيحة موضعها فيقول:
لا تَسْأَلَنَّ بَنِي آَدَمَ حَاجَةً *** وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لا تُغْلَقُ
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ *** وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ

عبد الله:
«إذا سألت فاسأل الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ».
لقد تضمنت هذه الجملة: أنه يجب على العبد أن يسأل الله وحده ولا يسأل غيره وأن يستعين به وحده ولا يستعين بغيره، وسؤال الله دون أحد من خلقه هو المتعين والواجب؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل والمسكنة والحاجة والافتقار من السائل، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع الضر ونيل المطلوب وجلب النفع ودفع المكروه، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده، وأما المخلوق فهو مسكين ضعيف شحيح.

وقد أوضح الله تعالى لنا ذلك غاية الإيضاح، فقال سبحانه مبينًا ومرشدًا لجميع الأمة: {ذَٰلِكُمُ اللهُ رَ‌بُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ‌ . إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ‌ونَ بِشِرْ‌كِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ‌ . يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَ‌اءُ إِلَى اللهِ ۖ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر من الآيات:13-15].

يقول التابعي الجليل طاووس رحمه الله لعطاء بن أبي رباح رحمه الله: "إياك أن تطلب حوائجك ممن أغلق دونك بابه وجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ووعدك أن يجيبك سبحانه وتعالى".

إن الدعاء هو العبادة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، والسؤال والطلب دعاء فنسأل الله تعالى من فضله وكرمه، فهو القائل: {وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء من الآية:32].

في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل الآخِر فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْألُني فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِر لَهُ؟» (صحيح البخاري: [6321]). وفي رواية لمسلم: «يَنزِلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى إلى السَّماءِ الدُّنْيا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ أنا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذي يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذي يَسألُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ لَهُ، فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ حتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ» (صحيح مسلم: [758]).

فضل الله تعالى واسع وكرمه عميم، ومنته على عباده ظاهرة فله الحمد وله المنة سبحانه وتعالى. فلقد امتن علينا بسهام لا تخطئ وبسلاح لا ينثني، وبسيف لا ينثلم متى ما أحسنا استعماله، سلاح عظيم غفل عنه المؤمنون، لن يهلك معه أحد بأذن الله، إنه الدعاء، الالتجاء إلى رب الأرض والسماء: {وَقَالَ رَ‌بُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر من الآية:60]، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِ‌يبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة من الآية:186].

يقول ابن كثير عليه رحمة الله: كان بقي بن مخلد أحد الصالحين الأخيار عابدًا قانتًا خاشعًا، أتته امرأة صالحة فقالت: يا بقي إن ابني أسره الأعداء في أرض الأندلس وليس لي من مُعين بعد الله إلا ابني هذا، فاسأل الله أن يرد عليَّ ابني وأن يطلقه من أسره. قالت ذلك بقلب صادق موقن خاضع لله تعالى.
فقام بقيٌّ رحمه الله وتوضأ ورفع يديه إلى الحيي الكريم الذي يستحي أن يرد يدي عبده صفرا خائبتين سبحانه وبحمده، دعا الله عز وجل أن يفك أسر ابنها، وأن يجمع شملها بابنها، وأن يفك قيده.
وبعد أيام وإذ بابنها يأتي من أرض الأندلس، فتسأله أمه: ما الذي حدث؟ قال في يوم كذا في ساعة كذا -وهي ساعة دعاء بقيٍّ- سقط قيدي من رجلي فأعادوه فسقط، فألحموه فسقط، فذعروا ودهشوا وخافوا وقالوا: أطلقوه، قالت: فعلمت أن ذلك بدعاء صالح من عبد صالح. {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ‌ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل من الآية:62].

ها هو صلة ابن أشيم رحمه الله كان في غزوة فمات فرسه، فتلفت يمينًا وشمالًا، ثم قال: اللهم لا تجعل لمخلوق عليَّ منَّة؛ فإني استحي من سؤال غيرك. وعلم الله صدقه في سرائه وضرائه فأحيى الله عز وجل له فرسه، فركبه حتى إذا وصل أهله قال لغلامه: فك السرج فإن الفرس عارية، فنزع السرج فسقط الفرس ميتًا.

وليس ذلك بعجب، فمن توكل على الله ومن التجأ إلى الله أجاب دعائه وحفظه ولو كادته السماوات والأرض جعل الله له من ذلك فرجًا ومخرجًا.
يَا مَن أجبتَ دُعاء نوحٍ فانتصر *** وحملته في فلككَ المشحونِ
يَا من أحال النّار حول خليلهِ *** رَوحًا وريحانًا بقولكَ كُوني
يَا من أمرتَ الحوتَ يلفظ يونسَ *** وسترته بشُجيرة اليقطينِ
يا ربّ إنّا مثلُهُ في كُربَة *** فارحم عبَادًا كلّهم ذا النونِ

لنتدبر عباد الله هذه الآيات الكريمة: {قُلِ الْحَمْدُ لِلهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ آللهُ خَيْرٌ‌ أَمَّا يُشْرِ‌كُونَ . أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْ‌ضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَ‌هَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمَّن جَعَلَ الْأَرْ‌ضَ قَرَ‌ارً‌ا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارً‌ا وَجَعَلَ لَهَا رَ‌وَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَ‌يْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُ‌هُمْ لَا يَعْلَمُونَ . أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ‌ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْ‌ضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُ‌ونَ . أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ‌ وَالْبَحْرِ‌ وَمَن يُرْ‌سِلُ الرِّ‌يَاحَ بُشْرً‌ا بَيْنَ يَدَيْ رَ‌حْمَتِهِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللهِ ۚ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِ‌كُونَ . أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْ‌زُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْ‌ضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْ‌هَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:59-64].
عباد الله:
بارك الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله..
عباد الرحمن:
ربنا سبحانه وتعالى الذي بيده خزائن السماوات والأرض، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء أحق من يسأل ويطلب منه قضاء الحوائج، ففي الحديث القدسي: «يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيتُ كل إنسانٍ مسألتَه ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البحرَ» (صحيح مسلم: [2577]).

قال بعض السلف: "إني لأستحي من الله أن أسأله الدنيا وهو مالكها، فكيف أسأل من لا يملكها؟!".
وكان بعض السلف يتواصون في طلب الحوائج إلا من الله. فعلى المؤمن أن يطيل الوقوف أمام باب الله عز وجل فهو حري له أن يفتح:
يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ *** أَنْتَ المُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا *** يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالمَفْزَعُ
يَا مَنْ خَزَائِنُ رِزْقِهِ فِي قَوْلِ (كُنْ) *** امْنُنْ فَإِنَّ الخَيْرَ عِنْدَكَ أَجْمَعُ
مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ *** فَبِالاِفْتِقَارِ إِلَيْكَ فَقْرِي أَدْفَعُ
مَا لِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حِيلَةٌ *** فَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ
وَمَنِ الَّذِي أَدْعُو وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ *** إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيرِكَ يُمْنَعُ
حَاشَا لِفَضْلِكَ أَنْ يُقَنِّطَ عَاصِيًا *** الْفَضْلُ أَجْزَلُ وَالمَوَاهِبُ أَوْسَعُ
بِالذُّلِّ قَدْ وَافَيْتُ بَابَكَ عَالِمًا *** أَنَّ التَّذَلُّلَ عِنْدَ بَابِكَ يَنْفَعُ
وَجَعَلْتُ مُعْتَمَدِي عَلَيْكَ تَوَكُّلاً *** وَبَسَطْتُ كَفِّي سَائِلاً أَتَضَرَّعُ
اجْعَلْ لَنَا مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا *** وَالْطُفْ بِنَا يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمَرْجِعُ


إخوة الإيمان:
إن الحق الذي يبنيه الإيمان في القلب هو أن على المسلم أن يترك الأبواب الموصدة ويلجأ إلى الباب المفتوح، يلجأ إلى باب رب العالمين:
لا تخضعنَّ لمخلوقٍ على طمعٍ *** فإنَّ ذلك نقصٌ منك في الدِّينِ
لن يقدرَ العبدُ أن يعطيَك خَرْدلةً *** إلا بإذنِ الذي سوَّاك مِن طينِ
فلا تصاحبْ غنيًّا تستعزُّ به *** وكن عفيفًا وعظِّمْ حُرمةَ الدِّينِ
واسترزقِ اللهَ ممَّا في خزائنِه *** فإنَّ رزقَك بينَ الكافِ والنُّونِ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.