صلاحيات رئيس الجمهورية الدستورية.. خطوات استراتيجية خارج البرلمان    رئيس جامعة أسيوط يفتتح الندوة التثقيفية الثامنة للدفاع الشعبي بحضور قيادات مدنية وعسكرية    برلمانيون: التعديل الوزاري خطوة ضرورية لتسريع التنمية وتحسين معيشة المواطنين    تعزز الوعى المجتمعي| نائب رئيس جامعة الزقازيق يؤكد دعم الأنشطة الثقافية    المهندس خالد هاشم: المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من الجهود للنهوض بقطاع الصناعة    محافظ كفر الشيخ: تنفيذ 6 قرارات إزالة تعديات على مساحة 700م فى بلطيم    اتحاد المستثمرين يناقش مشكلات المناطق الصناعية في أسيوط    الجامعة الأمريكية تحتفل بتخرج 32 خبيرا من أول دبلومة من نوعها لقطاع البترول والغاز في مصر    إيران: سنهاجم المنشآت الأمريكية في المنطقة إذا تعرضنا لهجوم    انطلاق مباراة إنبي وبيراميدز بالدوري    ضبط مالك جيم شهير بحوزته مواد مخدرة خلال حملة أمنية بالغربية    رئيس قطاع المسرح يهنئ جيهان زكي لتوليها وزارة الثقافة    لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تكوين الصداقات؟ ما يجب أن يعرفه الآباء    «ليالي المسرح الحر» تعلن شروط وموعد إغلاق باب التقدم للمشاركة بالدورة ال21    مواقيت الصلاه اليوم الأربعاء 11فبراير 2026 فى المنيا    طب القاهرة: الدكتورة دعاء صلاح مديرا لمستشفى النساء والتوليد بقصر العيني    تراجع اليورو فى ختام التعاملات اليوم الأربعاء 11 فبراير 2026 بالبنوك المصرية    محافظ شمال سيناء ووكيل وزارة الصحة يتفقدان مستشفى العريش العام.. صور    محافظ سوهاج يتفقد معرض أهلاً رمضان وأعمال تطوير مدخل مدينة دار السلام    مهرجان الجونة السينمائي يعلن موعد انعقاد دورته التاسعة    اسعار الأسمنت اليوم الأربعاء 11فبراير 2026 فى المنيا    الأزهر يحسم الجدل حول والدي النبي صلى الله عليه وسلم: جميع آبائه وأمهاته ناجون ومحكوم بإيمانهم    السيطرة على حريق بعزبة المغربى فى المنوفية دون إصابات    خطة أمريكية جديدة لتسليم سلاح الفصائل الفلسطينية تتضمن الاحتفاظ ببعض الأسلحة مؤقتا    تعليم بني سويف أول الجمهورية في مسابقة التميز للأعمال الفنية واليدوية    روسينيور: محبط من تعادل تشيلسي مع ليدز    وزير الخارجية القطري يؤكد ضرورة تكاتف الجهود لتجنيب شعوب المنطقة تبعات التصعيد    "القومي للطفل" يعلن عن القائمة القصيرة لجائزة رواية اليافعين    وزارة الصحة تختتم تدريبا متخصصا بأسوان لتعزيز الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعى    شيماء سيف تثير الجدل بتصريحاتها عن الفن.. اعرف التفاصيل    اسعار اللحوم اليوم الأربعاء 11فبراير 2026 فى مجازر وأسواق المنيا    مقتل وإصابة 34 فى مجزرة كندا.. كيف علقت نيويورك تايمز على «الحادث الأسوأ»؟    حماس: إبعاد إسرائيل أسرى مقدسيين جزء من مخطط تهويد الضفة    رئيس الطائفة الإنجيلية يهنئ الحكومة الجديدة ويؤكد دعم جهود التنمية وتعزيز الكفاءة المؤسسية    محافظ الدقهلية يتفقد عيادة أجا للتأمين الصحي    تحرير 236 محضر مخالفات مخابز وأسواق بالمنوفية    السجن 3 سنوات لصاحب كافتريا بدهب لاتجاره في المخدرات    متحدث الأوقاف: تأهيل الأئمة قبل رمضان يواكب المستجدات العالمية ويعزز فقه الصيام    من العشوائية إلى التنظيم.. محافظة الجيزة تجهز سوقا حضاريا لبائعى شارع العريش    رئيس كولومبيا يروي تفاصيل نجاته من محاولة اغتيال    26 طالبا وطالبة من سوهاج يشاركون التصفيات النهائية لمسابقة القرآن الكريم    باستخدام الأوناش.. رفع 38 سيارة ودراجة نارية متهالكة    غزل المحلة يجدد تعاقد محمود صلاح 3 مواسم    أمير قطر والرئيس الأمريكى يبحثان تطورات الأوضاع الراهنة فى المنطقة    غدا.. انطلاق المؤتمر العلمي السنوي الثامن لمركز تدريب طب الأسنان بالمنصورة    النائب حازم توفيق يعلن إطلاق نسخة من «دولة التلاوة» بالقليوبية لرعاية المواهب القرآنية    فاروق جعفر يمنح الزمالك روشتة تخطى المرحلة الصعبة ورسالة للناشئين    جرعة مخدرات زائدة وراء العثور على جثة عاطل بالهرم    بدء تنفيذ حملة "واعي وغالي" داخل المدارس لتوفير بيئة رقمية آمنة للأطفال    لقاء مصري خالص بين نور الشربيني وأمنية عرفي بنهائي ويندي سيتي للإسكواش    الزمالك يتطلع لمواصلة صحوته في الدوري على حساب سموحة    شيخ الأزهر يهنئ الحكومة الجديدة ويدعو لها بالتوفيق    أحمد مالك عن تكرار تقديمه للأعمال الشعبية: مش حابب أحصر نفسي في نوع واحد والشعبي قماشة كبيرة    اليوم.. الأهلي في اختبار صعب أمام الإسماعيلي بحثا عن عودة الانتصارات    «عقول عالمية- صحة مستقبلية» بالملتقى الدولي الأول للتغذية بجامعة المنصورة    طقس اليوم الأربعاء.. انخفاض قوي في درجات الحرارة وعودة الأجواء الشتوية    أميرة أبو المجد: دار الشروق نشرت مؤلفات عن الأدب المصري القديم    كومو يفوز على نابولي بركلات الترجيح ويتأهل لنصف نهائي كأس إيطاليا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إذا سألت فاسأل الله
نشر في الفجر يوم 09 - 02 - 2016


الحمد لله رب العالمين..
إخوة الإيمان، أتباع خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم، رجال خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله:
ليس لدى المسلم في إيمانه بدينه شك ولا ريبة، وما يعتري شعوره تجاه أسس دينه لبس ولا اضطراب، لا يقبل من عاش الإسلام أن يتلطخ بضراء الجاهلية، ولا يقبل من نشأ على هذا الدين أن يوصف بدين غيره، ولا أن ينسب لملة غيره، لِمَ؟!
ذلك لأنه الدين الحق وهو الهدى والنور وهو النهج الواضح الذي لا يخالطه غموض الديانات الأخرى ولا طلاسم المناهج الضالة في الحياة، وما دام الأمر كذلك فلا بد لهذا الشعور من البناء، ولا بد لهذا الاعتزاز من الإحياء، وحياة ميسورة السبيل وسهلة المسلك، حياته تكون بالإيمان والإيمان يبنى في النفس بأسس ووسائل ميسورة، على رأسها وأساسها التدبر للقرآن والنظر في سنة وسيرة خير ولد عدنان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
فما أحوج النفوس إلى بناء اليقين والتصديق بما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ما أحوج الأمة إلى أن تعود إلى ربها عودًا صادقًا، لتجد النجاة عنده، والنصر منه، والعزة في دينه.

ما أشد الحاجة لذلك في أيامنا هذه والأمة تمر بمرحلة كيد ومكر، وعداء وغدر، وتخطيط وحبائل، أمة تصبح على ألم وتمسي على أمل، أمة تنهشها كلاب الأعداء، وتنغرس في جسدها أنياب الأصدقاء، وتتغافل عنها أنظار الأحباء.
أمة معها القوة ولكنها تتكاسل عن استخدامها، ومعها الناصر والمعز سبحانه ولكنها تسيء فلا ترجع إليه ولا تنطرح بين يديه، ومعها البرهان ولكنها تتغافل عنه وتنشغل بغيره، ولديها المنهج الكامل للنجاة والنصر والعزة ولكنها مكنت عدوها من قيادها وصعب عليها الرجوع لأصولها فتاهت وضاعت وضعفت واستُذِلت.

عباد الله:

من هذا المنطلق فإن الحديث عن البناء ومراجعة الذات ومحاسبة النفس وتصحيح المسار أمر لا بد منه وبخاصة في المرحلة الحالية من حياتنا وحياة أمتنا، ولهذا فلا بد من الحديث عن علاقتنا بالله ربنا، لا بد من الحديث عن مدى صدقنا في التجائنا إلى الله تعالى، إنها وقفة متصلة بوقفة سابقة مع خبر نبوي كريم، كم نحن بحاجة لتذكره في مثل واقعنا اليوم، فهو وصية المحب لأحبابه والصاحب لأصحابه، وصية من نبي الهدى صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما وللأمة كلها.

فعن عبدالله بن عباس رضي اللّه عنهما قال: كنتُ خَلْفَ النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: «يا غُلامُ! إني أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احفظ الله يَحْفَظْكَ، احفظ الله تَجِدْهُ تُجاهَكَ، إذا سألت فاسأل الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ؛ وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ على أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (رواه الترمذي؛ [2516]، وقال: حديث حسن صحيح).

عباد الله:
إن هذا الحديث من أعظم الحكم والوصايا التي وصى النبي صلى الله عليه وسلم بها أمته، إنه حديث جليل عظيم المقدار، فما أسعد من تدبره وتفهمه وعمل به، وما أشقى من أعرض عنه ولم يعمل به، تحدثنا عن حفظ الله للعبد وعن الثقة بالله تعالى وأنه لن يصيب الإنسان إلا ما كتبه الله تعالى، وأن البشرية جمعاء لا تستطيع الضر ولا تقدر على النفع إلا إذا شاء الله تعالى ذلك وقدره، واليوم نتناول جانبًا آخر جاء في هذه الوصية النبوية الخالدة.

لقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم في الحديث: «إذا سألت فاسأل الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ» فحول هذا المقال الكريم نقف اليوم وحوله نتحدث: «إذا سألت فاسأل الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ».

إننا بحاجة لإدراك هذه الحقيقة الإيمانية، بحاجة لتحقيق هذا المطلب النبوي الكريم؛ سؤال من بيده تصريف الأمور وتحقيق الطلب، سؤال القادر العظيم والمدبر الحكيم، سؤال من أمره بين الكاف والنون، سؤال الله تعالى. تدبرت في هذا الخبر النبوي فتذكرت قول ذلك الشاعر الحكيم وهو يضع النصيحة موضعها فيقول:
لا تَسْأَلَنَّ بَنِي آَدَمَ حَاجَةً *** وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لا تُغْلَقُ
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ *** وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ

عبد الله:
«إذا سألت فاسأل الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ».
لقد تضمنت هذه الجملة: أنه يجب على العبد أن يسأل الله وحده ولا يسأل غيره وأن يستعين به وحده ولا يستعين بغيره، وسؤال الله دون أحد من خلقه هو المتعين والواجب؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل والمسكنة والحاجة والافتقار من السائل، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع الضر ونيل المطلوب وجلب النفع ودفع المكروه، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده، وأما المخلوق فهو مسكين ضعيف شحيح.

وقد أوضح الله تعالى لنا ذلك غاية الإيضاح، فقال سبحانه مبينًا ومرشدًا لجميع الأمة: {ذَٰلِكُمُ اللهُ رَ‌بُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ‌ . إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ‌ونَ بِشِرْ‌كِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ‌ . يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَ‌اءُ إِلَى اللهِ ۖ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر من الآيات:13-15].

يقول التابعي الجليل طاووس رحمه الله لعطاء بن أبي رباح رحمه الله: "إياك أن تطلب حوائجك ممن أغلق دونك بابه وجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ووعدك أن يجيبك سبحانه وتعالى".

إن الدعاء هو العبادة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، والسؤال والطلب دعاء فنسأل الله تعالى من فضله وكرمه، فهو القائل: {وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء من الآية:32].

في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل الآخِر فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْألُني فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِر لَهُ؟» (صحيح البخاري: [6321]). وفي رواية لمسلم: «يَنزِلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى إلى السَّماءِ الدُّنْيا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ أنا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذي يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذي يَسألُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ لَهُ، فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ حتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ» (صحيح مسلم: [758]).

فضل الله تعالى واسع وكرمه عميم، ومنته على عباده ظاهرة فله الحمد وله المنة سبحانه وتعالى. فلقد امتن علينا بسهام لا تخطئ وبسلاح لا ينثني، وبسيف لا ينثلم متى ما أحسنا استعماله، سلاح عظيم غفل عنه المؤمنون، لن يهلك معه أحد بأذن الله، إنه الدعاء، الالتجاء إلى رب الأرض والسماء: {وَقَالَ رَ‌بُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر من الآية:60]، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِ‌يبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة من الآية:186].

يقول ابن كثير عليه رحمة الله: كان بقي بن مخلد أحد الصالحين الأخيار عابدًا قانتًا خاشعًا، أتته امرأة صالحة فقالت: يا بقي إن ابني أسره الأعداء في أرض الأندلس وليس لي من مُعين بعد الله إلا ابني هذا، فاسأل الله أن يرد عليَّ ابني وأن يطلقه من أسره. قالت ذلك بقلب صادق موقن خاضع لله تعالى.
فقام بقيٌّ رحمه الله وتوضأ ورفع يديه إلى الحيي الكريم الذي يستحي أن يرد يدي عبده صفرا خائبتين سبحانه وبحمده، دعا الله عز وجل أن يفك أسر ابنها، وأن يجمع شملها بابنها، وأن يفك قيده.
وبعد أيام وإذ بابنها يأتي من أرض الأندلس، فتسأله أمه: ما الذي حدث؟ قال في يوم كذا في ساعة كذا -وهي ساعة دعاء بقيٍّ- سقط قيدي من رجلي فأعادوه فسقط، فألحموه فسقط، فذعروا ودهشوا وخافوا وقالوا: أطلقوه، قالت: فعلمت أن ذلك بدعاء صالح من عبد صالح. {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ‌ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل من الآية:62].

ها هو صلة ابن أشيم رحمه الله كان في غزوة فمات فرسه، فتلفت يمينًا وشمالًا، ثم قال: اللهم لا تجعل لمخلوق عليَّ منَّة؛ فإني استحي من سؤال غيرك. وعلم الله صدقه في سرائه وضرائه فأحيى الله عز وجل له فرسه، فركبه حتى إذا وصل أهله قال لغلامه: فك السرج فإن الفرس عارية، فنزع السرج فسقط الفرس ميتًا.

وليس ذلك بعجب، فمن توكل على الله ومن التجأ إلى الله أجاب دعائه وحفظه ولو كادته السماوات والأرض جعل الله له من ذلك فرجًا ومخرجًا.
يَا مَن أجبتَ دُعاء نوحٍ فانتصر *** وحملته في فلككَ المشحونِ
يَا من أحال النّار حول خليلهِ *** رَوحًا وريحانًا بقولكَ كُوني
يَا من أمرتَ الحوتَ يلفظ يونسَ *** وسترته بشُجيرة اليقطينِ
يا ربّ إنّا مثلُهُ في كُربَة *** فارحم عبَادًا كلّهم ذا النونِ

لنتدبر عباد الله هذه الآيات الكريمة: {قُلِ الْحَمْدُ لِلهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ آللهُ خَيْرٌ‌ أَمَّا يُشْرِ‌كُونَ . أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْ‌ضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَ‌هَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمَّن جَعَلَ الْأَرْ‌ضَ قَرَ‌ارً‌ا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارً‌ا وَجَعَلَ لَهَا رَ‌وَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَ‌يْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُ‌هُمْ لَا يَعْلَمُونَ . أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ‌ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْ‌ضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُ‌ونَ . أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ‌ وَالْبَحْرِ‌ وَمَن يُرْ‌سِلُ الرِّ‌يَاحَ بُشْرً‌ا بَيْنَ يَدَيْ رَ‌حْمَتِهِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللهِ ۚ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِ‌كُونَ . أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْ‌زُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْ‌ضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْ‌هَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:59-64].
عباد الله:
بارك الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله..
عباد الرحمن:
ربنا سبحانه وتعالى الذي بيده خزائن السماوات والأرض، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء أحق من يسأل ويطلب منه قضاء الحوائج، ففي الحديث القدسي: «يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيتُ كل إنسانٍ مسألتَه ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البحرَ» (صحيح مسلم: [2577]).

قال بعض السلف: "إني لأستحي من الله أن أسأله الدنيا وهو مالكها، فكيف أسأل من لا يملكها؟!".
وكان بعض السلف يتواصون في طلب الحوائج إلا من الله. فعلى المؤمن أن يطيل الوقوف أمام باب الله عز وجل فهو حري له أن يفتح:
يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ *** أَنْتَ المُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا *** يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالمَفْزَعُ
يَا مَنْ خَزَائِنُ رِزْقِهِ فِي قَوْلِ (كُنْ) *** امْنُنْ فَإِنَّ الخَيْرَ عِنْدَكَ أَجْمَعُ
مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ *** فَبِالاِفْتِقَارِ إِلَيْكَ فَقْرِي أَدْفَعُ
مَا لِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حِيلَةٌ *** فَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ
وَمَنِ الَّذِي أَدْعُو وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ *** إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيرِكَ يُمْنَعُ
حَاشَا لِفَضْلِكَ أَنْ يُقَنِّطَ عَاصِيًا *** الْفَضْلُ أَجْزَلُ وَالمَوَاهِبُ أَوْسَعُ
بِالذُّلِّ قَدْ وَافَيْتُ بَابَكَ عَالِمًا *** أَنَّ التَّذَلُّلَ عِنْدَ بَابِكَ يَنْفَعُ
وَجَعَلْتُ مُعْتَمَدِي عَلَيْكَ تَوَكُّلاً *** وَبَسَطْتُ كَفِّي سَائِلاً أَتَضَرَّعُ
اجْعَلْ لَنَا مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا *** وَالْطُفْ بِنَا يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمَرْجِعُ


إخوة الإيمان:
إن الحق الذي يبنيه الإيمان في القلب هو أن على المسلم أن يترك الأبواب الموصدة ويلجأ إلى الباب المفتوح، يلجأ إلى باب رب العالمين:
لا تخضعنَّ لمخلوقٍ على طمعٍ *** فإنَّ ذلك نقصٌ منك في الدِّينِ
لن يقدرَ العبدُ أن يعطيَك خَرْدلةً *** إلا بإذنِ الذي سوَّاك مِن طينِ
فلا تصاحبْ غنيًّا تستعزُّ به *** وكن عفيفًا وعظِّمْ حُرمةَ الدِّينِ
واسترزقِ اللهَ ممَّا في خزائنِه *** فإنَّ رزقَك بينَ الكافِ والنُّونِ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.