(1) في ليلة من شتاء فبراير، ارتجف فيها قلب الشاب العشريني "يناير".. ولاح بتفكيره شاردًا.. ذهب إلى عمله بخطى متثاقلة يداهمه إحساسًا بأن الليلة ليست كمثيلاتها.. حاول طمأنة نفسه وقطع أوصال توجساته بغمغمة كلمات إيمانية حتى وصل إلى عمله في "بنزينة 25".. تبادل التحيات مع زملائه الذين فارقوه وانصرفوا لانقضاء مدة عملهم، إلا "عبدالناصر" الكهل الذي يساعده على كسر صمت المنطقة الخرساء.. "يناير" دائم الاطلاع، اعتاد القراءة منذ الصغر.. خلُص من تعليمه بكلية الخدمة الاجتماعية منذ أشهر، وعِمل في البنزينة الوحيدة في مدينته الصامتة التي يلف السكون جنبات أرجائها.. ويكسو الظلام نواصِ طرقاتها، ويزداد حفيف أشجارها في الليل.. ولا عين مسؤولة تلقي السلام عليها.. مع دقات الثانية عشر منتصف الليل، يلبس "يناير" العفريتة ليبدأ عمله.. تفوت الساعات على البنزينة دون أن تمر عليها سيارة واحدة.. الأمر الذي يتح ل"عبدالناصر" العجوز النوم لساعات أثناء العمل.. ويمنح "يناير" ممارسة طقوسه المعتادة بحرية.. يضبط هاتفه على مشغل الموسيقى يشدو بمجموعة اختارها، أثناء مطالعته الجرائد جالسًا يحتسي الشاي على مكتب صغير داخل غرفة آخر المحطة. "تيييت تييييت".. كلاكسات متتابعة لسيارة تقف في الخارج، تقطع مطالعة الشاب للجرائد.. ليخرج إليها.. وبمجرد شدّه خرطوم البنزين حتى نادته فتاة تطل برأسها من شباك السيارة ولا أحد معها.. تقول بنبرة شاحبة: "عايزة أمون العربية وممكن بعد أذنك أشحن تليفوني لإجراء مكالمة مهمة".. رد "يناير" بالإيجاب وذهب معها إلى المكتب، ووضعت الشاحن في هاتفها وراحت تجري مكالمتها.. لم يمنع إرهاق الفتاة من إبراز جمالها.. أو طمس بياض بشرتها، انسدال شعرها، لمعان عيناها السودتان، جسدها الممشوق الجاذب.. ولم يخفِ رونق وأناقة فستانها الأحمر.. سرعان ما تخطفك وتسرح عيناك في جمالها.. وضع "يناير" هاتف الفتاة على شاحن الكهرباء.. وقبل أن يأخذ الهاتف جرعة كهربائية كافية حتى يتم تشغيله أزعجه صوت كلاكسات سيارة بالخارج.. هرع في عجب يحادث نفسه "سيارتان في البنزينة في هذا الوقت المتأخر!".. أمسك "يناير" مسدس البنزين ليملأ "تانك العربية".. دون أن ينظر للجالسين في السيارة.. إلا أن ثمة أمر غريب أربك أهل السيارة بمجرد خروج الفتاة من المكتب، زادتهم سكرًا على سكرهم.. أفقدتهم صوابهم.. أعمى سحرها بصيرتهم.. ساد السكون للحظات.. وألقى أهل السيارة وهم أربعة رجال بينهم شخص بدا ل"يناير" أنه الأهم، على الفتاة نظرات غانية، وهمهموا بكلمات شهوانية.. ثم نزلوا من السيارة وترجل إلى الفتاة الشخص الأهم الشخص الأهم -يناديه مرافقوه ب"الباشا".. أفسح مرافقوه الطريق إليه وعظموه بكلمات تؤكد رئاسته لهم.. تمسمر "يناير" يترقب.. وقبل أن تصل الفتاة إلى سيارتها أوقفها "الباشا" وبدا عليه حالة السُكر التام.. حادثها محاولًا التحرش بها وتقبيلها.. فُزعت الفتاة وصرخت في وجهه "ابتعد عنيّ يا مجنون"، راحت تبعده عنها، تلقيه لكمات لم تنل منه أو تشعره بالألم لرقتها وهوان جسدها، حتى فاجأها بغتة بصفعها على وجهها بلا هوادة.. ولم يكتفِ.. سرحت يداها تتحسس مداها وتضاريس جسدها.. أطلقت صرخات أيقظت الغارقين في سباتهم من أهل المدينة.. ونفضت عروق الشّهامة والرجولة في "يناير".. انطلق نحوها مسرعًا لإنقاذها، لكنه لم يستطع.. حاصروه مرافقو الباشا.. ذو الأجساد الضخمة والعضلات المشدودة، يرتدون ملابس سوداء وأحذية حديدية، أشهروا أسلحة نارية في وجه يناير، وحذروه "لو اقتربت سنفجر مخك، ابتعد عنها وكن في حالك"، قال بصوت عالٍ "هذا حالي.. ابتعدوا عني، لن أت...."، قاطعه أحدهم قبل أن يُكمل: "كلمة ثانية ولن يكن لك عمرًا بعد الآن". أطلقت الفتاة صرخات متتالية، جعلت مسام "يناير" تتعرق رغم برودة الجو.. وتسارعت نبضات قلبه، وحَادَثَ نفسه: "ماذا أفعل.. لن أتركها.. عبدالناصر نائم وإن استيقظ فهو يخاف من ظله".. تذكر أن صرخات استنجاد الفتاة أيقظت البعض، راح يفكر بشكلِ آخر، تقهقر خطوتين للخلف ووشوش نفسه: "الذئب لن يستطع أن يأكل الخرفان إن اجتمعوا".. فكّر وضغط ضغطة واحدة على زر هاتفه ليرسل رسالة إلى خمسة من زملائه نصها "انجدني.. عصابة تقتلني وتغتصب فتاة".. 25 ثانية منحها "يناير" لنفسه، إما أن يلتف أهل المدينة حوله فيفتكون بهؤلاء الذئاب، أو أن يموت وحده دفاعًا عن الشرف. لمح رفيقه الكهل عبدالناصر مستيقظًا ومختبئًا بأبعد ركن للبنزينة، مكتفيًا بالمشاهدة.. ومع دقات الثانية 25 قال لنفسه "كُتب عليّ الجهاد وحدي" فلا أمل أن يستيقظ أحد.. ردد الشهادة واندفع في نفس الثانية، إلا أن أجسادًا كالبهائم تحجب ضوء الشمس، صدته، ولكموه ضربة واحدة موجعة كادوا أن يفتكوا به، لكن في تلك اللحظة انفجر المكان بعدد كبير من الشباب يأتون في مجموعات حاملين شعلات نار وعصي، هاتفين "يناير".. في ثانية تحولت أدوات القوة من ثلاث رجال إلى يناير وأهله.. فُزع "الباشا" الذي يغتصب الفتاة وانقض مِن عليها، وتقهقر للخلف مسرعًا إلى سياراته، هاربين قبل أن يصل إليهم الشباب.. انتصرت المجموعة.. ونجح يناير في خطته.. وعمّت السعادة بين الشباب.. أهلكوا الظلم وردوا العدوان ودافعوا عن الشرف بإنقاذ تلك الجميلة البهية التي توسطتهم وراحت تشكرهم بشده، وقبل أن تغادر اقتربت من يناير وهمست في أذنه: "لن أنس لك هذا المشهد.. أنت عظيم".. طبعت قُبلة خفيفة على جبينه قبل أن يتلاشى وميضها، وراح السكون يمارس طقوسه المعتادة بجدول خيوط الضوء لصباح جديد.. (2) تنفس الصباح.. وطلت الشمس تنثر نورها على البسيطة.. ورسم الخيال لأهل المدينة مستقبلًا يهيمون وراءه حالمين بعالم جميل مليء بالمسرات والأفراح، وحينما يتسرب اليأس إلى نفوسهم يجدد الهواء النقي همتهم ويستعيد بطولتهم، ليبعثوا بأحلامهم تلامس السحاب.. إلا أنه في ضحى اليوم الثاني من الليلة الموعودة، وقعت المدينة فريسة للأشباح التي لا تميز، وللقيود الثقيلة الباردة التي تحكم بسلطان قاهر.. وتسطو بجبروت على الموجودات.. توًا اقتحمت المدينة سيارتان مدججتان بالأسلحة الميري، وأتت إلى البنزينة، نزل البعض من السيارة.. وخطوا خطوات معدودة، يطئون بأقدامهم الأرض بارتياح.. الفت أهل المدينة حول السيارتين مرعبين، لم ينطق أحد بكلمة، لا من السكان أو زوارهم "ثُقال الدم".. دخلوا إلى منزل "يناير" وانهالوا عليه ضربًا، وعقدوا عصبة على عينيه واصحبوه إلى السيارة، وسط فريق من أهل المدينة لا يقدر أن يمنع أو ينطق كما كان بالأمس، باتوا في سباتهم من جديد. استقرت السيارة التي تصطحب "يناير" في جهة تابعة للميري، وقبُع فيها معصوب العينين، ضربوه ضربًا مبرحًا حتى نزف دمًا وألقى مغميًّا عليه.. وبمجرد ما أفاق، وجد نفسه موثوقًا بالحديد مصلوبًا على الحائط، أهلكوه ضربًا وعذابًا من جديد.. مرت ساعات سود مملوءة بالأسى القاتل والألم الثقيل حتى سمع خطوات قدم تقترب إليه، وقهقهات عاهرة، ودخان سجائر منفوخ في وجهه، وسرعان ما تم نزع العصبة عن عينيه، حتى وجد "الباشا".. ذلك الذي في الأمس كان يتحرش بالفتاة الجميلة.. اقترب "الباشا" منه وأسكرته نشوة الانتقام.. وصاح في وجهه: "البت هتشرف دلوقتي وهوريك اللى عمرك ما شوفته".. ضرب برجله الأرض، فوجد "يناير" الفتاة التي حاول اغتصابها "الباشا" في الليلة الموعودة، تدخل الحجرة.. في هذه الحجرة وتحت حذاء الباشا الأفق العالي وضيع.. والطائر مكسور الجناحين.. والمستقبل أسير.. والصوت صامت.. والخيال عاجز.. والحياة عدم.. والوجود مجهول.. والرأس منحنية.. والحق باطل.. والباطل حق.. والرحمة صرير.. وفي منظر يشيب من هوله الإنسانية.. أمر الباشا رجاله بنزع ملابس الفتاة قطعة قطعة لتكون عارية تمامًا.. وتفحص جسدها العاري بنظرات متأنية غانية، وراح يبعث في جسدها.. وهو يقول ل"يناير": "أسرك وأَسَرْتَها.. لا يمكن لأحد أن يمنعني أن أفعل ما أشاء.. أيها الصرصار البائس.. لكن يجب عليك أن تشكرني الآن.. لأنني سأجعلك تشاهد فيلمًا جنسيًا على الطبيعة فأضاجعها الآن أمامك ثم مرات ومرات بل ومن يريد من الجنود فالمرأة لهم كما يشاءون".. انهار "يناير" من هول المشهد وأطلق صرخة عالية محشرجة وكأنه يحترق بالداخل.. "اتركوها يا أنجاس يا ملاعين" ظل يصرخ لاعنًا، وقبل أن يقع مغميًا عليه.. رفع رأسه إلى السماء وردد:
أيها الواقفون على حافة المذبحة.. أشهروا الأسلحة.. سقط الموت وانفرط القلب كالمسبحة..