شراكات دولية.. خطة طموحة لتطوير جامعة المنصورة الأهلية    إنجاز جديد.. جامعة بنها تظهر بتصنيف QS في 4 تخصصات لعام 2026    الزراعة: إزالة 384 حالة تعدي على الأراضي الزراعية خلال إجازة عيد الفطر    استثناء الأنشطة السياحية من قرارات ترشيد الكهرباء    محافظ المنوفية يتفقد قصر ثقافة شبين الكوم ويوجه بسرعة تشغيله    غارات إسرائيلية مكثفة على الجنوب اللبناني وحصيلة الشهداء تتجاوز الألف    علاء الدين حافظ يكتب: طرح خليجي يستدعي «الأسئلة الغائبة»    مجلس حقوق الإنسان يدين القصف الإيراني على الخليج ويطالب بتعويضات    للمرة الرابعة عشرة.. فيفا يعلن إيقاف قيد جديد للزمالك    كيف تعاملت وسائل النقل مع موجة الطقس السيئ؟    هاربون من الإعدام.. تفاصيل مصرع 4 عناصر شديدة الخطورة    فرق التدخل السريع تكثف تواجدها الميداني في المحافظات لمواجهة تداعيات الطقس| صور    عميد طب قصر العيني يوجه برفع درجة الاستعداد ومراجعة إجراءات السلامة بالمنشآت    فينيسيوس: كنا بحاجة للانسجام قبل أنشيلوتي.. ونريد إعادة البرازيل للقمة    الأزهر يواصل حملة «وعي».. مدير شؤون القرآن بقطاع المعاهد يرد على شبهة اختفاء خُطَبِ النبي صلى الله عليه وسلم    سالي عبد السلام ترزق بمولودها الأول.. اختارت له هذا الاسم    الأردن يفتح باب استيراد العجل المبرد من مصر لتعزيز المعروض الغذائي    محافظة قنا تطلق مشروع تكويد الأشجار ضمن مبادرة 100 مليون شجرة    تنظيم الاتصالات يكشف إجراءات دعم المستخدمين.. خصومات لعائلات الشهداء ومزايا لذوى الإعاقة    جلسة خاصة فى الأهلى لحسم موقف المُعارين.. اعرف التفاصيل    الإدارية العليا: الأقدمية والكفاءة أساس الندب للوظائف القيادية    وزير الرى يتابع أعمال نموذج تطوير إدارة المياه في زمام ترعة الإسماعيلية    هل تتغير مواعيد المواصلات يوم السبت مع تعديل وقت إغلاق المحال؟    28 أبريل.. النطق بالحكم على متهمين بقتل سيدة وسرقتها فى الجيزة    إسعاف قنا: استقرار الأوضاع على الطرق الصحراوية والزراعية    ارتفاع صادرات مصر من السلع غير البترولية الربع الثالث من 2025    مهرجان العودة السينمائي يكرّم المخرج الراحل داوود عبد السيد    محمد صبحى يعلن تحضيرات لمسلسل جديد ويؤكد تمسكه بالمسرح    أستاذة اقتصاد: كشف غاز بجنوب كلابشة يعزز أمن الطاقة المصري    مصطفى كامل: خروج هاني شاكر من العناية المركزة وبدء مرحلة العلاج الطبيعي    فيلم برشامة يتصدر أفلام عيد الفطر ويحصد 84.8 مليون جنيه إيرادات    أحد أكبر هجمات الحرب.. روسيا تطلق 1000 مسيرة وأوكرانيا ترد بأعنف هجوم ليلي    حكاية محمد صلاح بين أساطير الدوري الإنجليزي التاريخيين . بالأرقام    شتاء 2026.. أفضل الأدعية المستحبة عند نزول المطر    مصر تُرسل نحو 1000 طن من المساعدات الإغاثية العاجلة إلى لبنان الشقيق    تكريم 26 من حفظة القرآن فى احتفالية كبرى بقرية الخمايسة بسوهاج.. صور    رئيس شل: أوروبا قد تواجه نقصا فى الوقود خلال أيام بسبب تداعيات أزمة الشرق الأوسط    نصائح لكبار السن والأطفال للوقاية من مضاعفات تقلبات الطقس    هيئة الدواء: كود ثنائى الأبعاد لكل عبوة دوائية يضمن تتبعها لحظيا داخل السوق    شوربة العدس مش الاختيار الوحيد.. أفضل الأكلات لمواجهة التقلبات الجوية    صراع سعودي مرتقب لضم محمد صلاح بعد رحيله عن ليفربول نهاية الموسم    الداخلية تكشف ملابسات واقعة تعدٍ على سيدة بكفر الشيخ    تفعيل غرف الأزمات بمحافظات التأمين الصحي الشامل لمتابعة تداعيات التقلبات الجوية    حكاية المصريين القدماء    بمشاركة دولية واسعة..أصيلة تطلق الدورة الربيعية لموسمها الثقافي الدولي ال47    السيسي يوجه بتوافر احتياطيات آمنة من النقد الأجنبي لتأمين الاحتياجات الاستراتيجية من السلع الأساسية    وساطة باكستانية تقود مقترحا أمريكيا من 15 نقطة لوقف المواجهة العسكرية مع إيران    شوبير يكشف موقف توروب من الاستمرار مع الأهلي    قمة الحسم.. الأهلي والزمالك يتنافسان على لقب دوري السوبر الممتاز للطائرة    مندوب السعودية في مجلس حقوق الإنسان: الاعتداءات الإيرانية انتهاك صريح للقانون الدولي    تشاهدون اليوم.. مباريات قوية فى تصفيات أمم أفريقيا 2027 وصدامات عنيفة بالدورى الجزائري    شمس ساطعة وطقس مستقر نسبيًا في أسيوط رغم تحذيرات عدم الاستقرار    حسن رداد يلتقي المدير العام لمنظمة العمل الدولية في جنيف    بالصور ..."حنظلة" الإيرانية تنشر وثائق سرية لرئيس الموساد السابق    مديريات التعليم تصدر تعليمات للمدارس للتعامل مع الطقس السيئ    التطبيق من اليوم، تفاصيل تصديق السيسي على تعديلات قانون الخدمة العسكرية    أسقف أوديسا والبلطيق يدعو المؤمنين للهدوء بعد وفاة البطريرك فيلايتار    صناديق الاستثمار الرياضي.. مصر تطلق ثورة جديدة لصناعة الأبطال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة توصيفية حُكْميَّة في المقامات القرآنية
نشر في الفجر يوم 05 - 06 - 2015

أن الشريعة جاءت بتحريم القراءة بالألحان كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وسيجيء من بعدي قوم يرجِّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنَّوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب من يعجبهم شأنهم».
ظهر في الآونة الأخيرة في الواقع العربي ما يُسمّى "المقامات القرآنية"، وقد تنافست بعض القنوات الفضائية والمعاهد والدور في سبل نشرها وتعليمها وإيجاد المسابقات والجوائز عليها، وأصبح بعض القُرَّاء يتفرغ لتعلّمها أو تعليمها، ويتفنّن في تطبيقها ونشر ثقافتها. وفي هذا المقال قراءة مختصرة لهذه المقامات وحكمها؛ في محاولة لإثراء الدراسات المعرفية التي كتبت حولها وتكلّمت عنها.
ويحسن في مقدم هذا المقال توصيف هذه المقامات والتعرّف على ماهيتها؛ حيث إنها في أصلها أنواع من الألحان التي يغني بها أهل الغناء والموسيقى، وقد تطورت شيئاً فشيئاً حتى اعتني بها ورُتّبت وحُصرت بأوزان معينة سُمِّيَت فيما بعد "مقامات"، وقد بلغت عند أهل هذا الفن ستة مقامات رئيسة (ينظر كتاب: مقامات الموسيقى العربية، صالح المهدي، وكتاب: البيان لحكم قراءة القرآن بالألحان، جمع أيمن رشدي سويد: [ص:9])، لكل واحد منها اسم ومعنى للقراءة فيه، وبيانها عندهم كالتالي:
مقام البيات: ويعنون به اللحن الذي يمتاز بالخشوع والرهبانية التي تجلب القلب وتجعله يتفكر في آيات الله ومعانيها.
مقام الرست: و"الرست" كلمة فارسية تعني الاستقامة، ويفضّل أهل المقامات هذا المقام عند تلاوة الآيات ذات الطابع القصصي أو التشريعي.
مقام النهاوند: ويمتاز عندهم بالعاطفة والحنان والرقة التي تبعث على الخشوع والتفكر، و"نهاوند" مدينة إيرانية نسب إليها هذا المقام.
مقام السيكا: اسم فارسي (سه گاه) بمعنى ثلاث مراحل، وهو من أقدم المقامات، وقد وسموه للذي يقرأ بالبطء والترسل.
مقام الصبا: الصبا كلمة فارسية واسم ريح لين وملائم. وقد تكون الكلمة المرادفة للصبا في العربية (النسيم)، وهو مقام جعلوه يمتاز بالروحانية الجياشة والعاطفة.
مقام الحجاز: وهو مقام من أصل عربي نُسب إلى بلاد الحجاز العربية، وعندهم أنه أكثر المقامات روحانية وخشوعاً في القرآن.
وبعضهم يضيف مقاماً سابعاً وهو مقام العجم، وهو يؤدي عندهم إلى إيجاد الاشتياق ورفع الشأن والنشاط عند المستمع، ويُستخدم في آيات تدل على عظمة الله وصفاته وأسمائه الحسنى والجنة، ومعجزات الأنبياء، والأدعية والحركة والجهاد. وبعض أهل المقامات لا يعترف بهذا المقام كمقام مستقل، ويدمجه في أحد المقامات الستة السابقة.
وقد اشتهرت أنظمة ومقامات أخرى موسيقية غير هذه درج بعضهم على تعلّمها والقراءة بها، وفي الوقت الحاضر انتشرت وتوسعت حتى أصبحت تُدْرس وتُدَرّس في معاهد موسيقية متخصصة، وتعطى عليها الشهادات والدورات -المعاهد والمراكز المتخصصة كثيرة، منها: المركز الوطني العالي للموسيقى في لبنان، والمعهد الرشيدي للموسيقى في تونس، والمعهد الوطني للموسيقى في عَمّان، والمعهد الوطني للموسيقى في نابلس وغيرها الكثير-.
هذه إشارة مدخلية حول هذا الفن بكلام أهل الفن أنفسهم، وحين نتأمل ماهية ما جاء فيه تتجلى لنا الحقائق التالية:
- الملاحظ أن أصل هذه المقامات ونشأتها واردٌ من أهل الغناء والفن؛ لأنه عندهم أداء يُضبط بطابع موسيقي يمتاز به صوت معين مرتبطاً بآلات اللهو والطرب؛ فهو إذن خارج من رحم الغناء وأهل الغناء ولا علاقة له أصلاً بالقرآن وأهل القرآن.
- أنه فن نشأ متأخراً، ويقال: إن القراءة بالألحان حدثت وانتشرت في أواخر العصر الأموي، حيث دخل الغناء الفارسي وتشايع بألحانه عند بعض المسلمين، ثم تسامى بألحانه إلى القرآن الكريم، فكان ذلك أول ظهوره (ينظر: المعجزة الكبرى القرآن، نزوله، كتابته، جمعه، إعجازه، وصوله، علومه، تفسيره، حكم الغناء به، لمحمد أبو زهرة، [441-442]، ط: دار الفكر العربي، 1418ه.)، قال الطرطوشي: "فأما أصحاب الألحان فإنما حدثوا في القرن الرابع منهم محمد بن سعيد صاحب الألحان" (الحوادث والبدع: [ص:85]).
- أن هذا الفن في أصله قراءة بالألحان، والألحان مفردها (لحْن)، يقال: لحَّن في قراءته: إذا طرَّب بها وغرَّد (ينظر: لسان العرب: [13/ 382]، ومختار الصحاح: [1/ 248])، جاء في لسان العرب: "اللَّحن: التطريب وترجيع الصوت، وتحسين القراءة والشعر والغناء" (لسان العرب: [13/183]).
- أن هذه المقامات في أصلها دخيلة على العرب وعلى اللغة العربية؛ فالملاحظ عليها أنها مقامات أعجمية إلا الأخير منها الذي هو المقام "الحجازي".
- أن هذه المقامات هي جمعٌ لألحان الناس في غنائهم، فهي علم لاحق بعد القرآن والقراءة به. ويمكن للقراء أن يقرؤوا بأحد المقامات وهم لم يعرفوا عنها شيئاً. كما يمكن أن ينوِّع القارئ بين عدة مقامات بحسب الآيات ومعانيها وهو لم يعرف عن المقامات شيئاً!
إذا تبيَّن كون هذه المقامات في أصلها قراءة بالألحان اخترعها أهل الغناء والموسيقى والفن، وأنها في الأصل دخيلة على اللغة العربية فهي فارسية المصدر، وأن القراءة بها للقرآن نشأت متأخراً فلم تكن معروفة عند الصحابة رضوان الله عليهم؛ فعلى هذا التصور يأتي الحكم الشرعي في الإقراء بها وتعليمها من خلال الأدلة التالية:
أولاً: أن الشريعة جاءت بتحريم القراءة بالألحان كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وسيجيء من بعدي قوم يرجِّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنَّوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب من يعجبهم شأنهم» (أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، حديث رقم: [7223])، وذكر ابن كثير أن في هذا الحديث الزجر عن هذه الألحان (ينظر: فضائل القرآن، ص: [195-196]).
وفي حديث آخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم تخوّف على أمته خصالاً، وذكر منها: "نشء يتخذون القرآن مزامير يقدمونه يغنيهم وإن كان أقلَّ منهم فقهاً" (أخرجه الإمام أحمد في مسنده، حديث رقم: [15462]، قال الشيخ حمود التويجري: "وقد وقع مِصداق هذه الأحاديث" كما في كتابه إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، [2/121]).
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن الألحان فقال: "كل شيء محدث فإنه لا يعجبني إلا أن يكون صوت الرجل لا يتكلفه" (مجموع الفتاوى لابن تيمية: [12/427]). وسئل أيضاً عن القرآن بالألحان فقال: "بدعة لا تُسمع" (طبقات الحنابلة: [1/57]).
وقد نصَّ على ذلك غيره من الأئمة، كمالك والشافعي، فذكرا أن قراءة القرآن بقصد التلحين الذي يشبه تلحين الغناء مكروهة مبتدعة لا تجوز (جامع المسائل: [4/355]).
وقال ابن رجب في قراءة القرآن بالألحان، بأصوات الغناء وأوزانه وإيقاعاته، على طريقة أصحاب الموسيقى: "أنكر ذلك أكثر العلماء، ومنهم من حكاه إجماعاً ولم يثبت فيه نزاعاً، منهم أبو عبيد وغيره من الأئمة" (نزهة الأسماع في مسألة السماع: [ص:58]).
وقال ابن الجوزي: "وأما ما أحدث بعدهم -يعني السلف- من تكلف القراءة على ألحان الغناء، فهذا يُنهى عنه عند جمهور العلماء؛ لأنه بدعة" (كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي: [3/ 304-305]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والسلف كانوا يحسنون القرآن بأصواتهم من غير أن يتكلّفوا أوزان الغناء مثل ما كان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يفعل" (جامع المسائل: [3/304]).
ثانياً: أن القراءة بهذه المقامات نشأت متأخراً ولم يعرفها سلفنا الصالح الذين هم أهل القرآن والإقراء والذين نزل عليهم القرآن، وهي قراءة متواترة عن كافة المشايخ جيلاً فجيلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيها تلحين ولا تطريب (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي: [7/54])، ولو كانت خيراً لسبقونا إليها، فأين هم مع عنايتهم بكتاب الله من هذا التلحين المقنن إن كان مشروعاً؟!
ثالثاً: أن كلام الله ينزَّه عن هذه الأوزان المخترعة والألحان الموزونة والمستمدة من علم الموسيقى؛ لما لكلمات الله من الجلالة والعظمة، والتقديس والتعظيم، فتصان وجوباً من أن تكون محلاً للتمرُّس على هذه الإيقاعات ومحلاً لتطبيق أوزان الموسيقى بتكرار الآيات مراتٍ ومراتٍ حتى تضبط على وزن أحد المقامات ثم يطبِّق عليها المتعلِّم أو التالي المقام الآخر وهكذا" (العجب ممن اشتهر في العالم الإسلامي بحسن قراءته أن يكون طريقه في التعلم وإتقان القراءة: الأغاني الماجنة! وقد اعترف بعضهم أنه كان يستمع للأغنية ذات المعازف حتى يتعلم طريقة القراءة! وقد انتشرت صورة لبعض كبار القراء وهو بجانب آلة الموسيقى المشهورة عندهم "البيانو"! بل وتشترط إذاعة عربية على كل مقرئ فيها أن يحمل شهادة من معهد موسيقي! وإلا حُرِم القراءة فيها!).
رابعاً: أن تتبُّع هذه المقامات وتعلّمها والانشغال بها صارف موغل من صوارف التدبر الذي هو ثمرة إنزال القرآن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولأن ذلك فيه تشبيه القرآن بالغناء، ولأن ذلك يورث أن يبقى قلب القارئ مصروفاً إلى وزن اللفظ بميزان الغناء لا يتدبره ولا يعقله، وأن يبقى المستمعون يصغون إليه لأجل الصوت الملحَّن كما يصغى إلى الغناء لا لأجل استماع القرآن وفهمه وتدبره والانتفاع به" (جامع المسائل: [3/305]).
وقال ابن رجب: "وفي الحقيقة هذه الألحان المبتدعة المطربة تُهيِّج الطباع وتلهي عن تدبُّر ما يحصل له الاستماع حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبّر معاني القرآن" (نزهة الأسماع في مسألة السماع: [ص:85]).
وقال الطرطوشي: "وهذا يمنع أن يُقرأ بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يُثمر صدَّ الخشوع ونقيض الخوف والوجل" (الحوادث والبدع؛ [ص:87]).
خامساً: أن الواقع دلَّ على أن التأثير يقع ممن لا علم له بهذه الألحان، فكم من قارئ يتأثر ويؤثر في الناس وهو لا يعلم شيئاً من مقامات الألحان كما أن التأثير لا يجوز إلا بسبب شرعي، واتخاذ أسباب محدثة لقصد التأثير هو من الممنوع في الشرع. وقد وفَّق الله تعالى كثيراً من القراء في العالم الإسلامي، وأبكوا الناس بقراءاتهم ولم يتعلموا مقاماً ولم يسمعوا أغنية، وبعض الذين فُتنوا بهذه المقامات يسمع القارئ المتقن ذا الصوت الشجي، والترتيل الجميل؛ فينسب قراءته لأحد المقامات ويوهم نفسه وغيره أن هذا القارئ ممّن يمشي على طريقته بالقراءة على حسب أغنية أو لحن معيَّن، وليس الأمر كذلك (ينظر فتوى رقم: [169799] في موقع الإسلام سؤال وجواب، ورسالة البدع العملية المتعلقة بالقرآن الكريم جمعاً ودراسة للعبد الكريم، [ص:346]).
وعليه؛ يتبيَّن أن تعلّم المقامات وتعليمها والتكلّف في مراعاة أوزانها؛ أمر يخالف ما جاء به الشرع من تحريم القراءة بالألحان، خاصة لحون أهل الفسق والغناء، ومن أمره بقراءة القرآن من غير تكلف قراءة هيّنة لينة غير متكلّفة، ومن أمره بالأخذ عن الصحابة الذين لم يعرفوا هذه المقامات وتلاميذهم الذين أقرؤا الناس وعلّموهم أزمنة عديدة قبل انتشار هذه المقامات ومعرفتها، ومن تحذيره لترك التدبر والانشغال عنه بأمور أخرى كما في قوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]؛ كل هذه الأمور وغيرها مما سبق ذكره تؤيّد ترك ذلك وعدم الانشغال به.
لكن هناك مسألة مهمة هنا وقد نبَّه إليها الإمام ابن القيم (في زاد المعاد: [1/ 482-493])، وبها تجتمع المسألة ويتحقق القول، وهي: أن التلحين والتغني على قسمين:
الأول: التلحين الفطري الطبيعي الذي اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلّف ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خُلّي وطبعه، واسترسلت طبيعته، جاءت بذلك التطريب والتلحين؛ فذلك جائز، وإن أعان طبيعتَه بفضلِ تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم: "لَو علمتُ أنّكَ تَسمَع لَحَبَّرْتُه لَكَ تحبِيراً" (أخرجه ابن حبان، كتاب إخباره عن مناقب الصحابة، حديث رقم: [7197]، وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار: [3/212]).
والحزين ومَن هاجه الطرب والحبُ والشوق لا يملك من نفسه دفعَ التحزين والتطريب في القراءة، لكن النفوسَ تقبلُه وتستحليه لموافقته الطبع، وعدم التكلف والتصنع فيه، فهو مطبوع لا متطبَّع، وكَلفٌ لا متكلَّف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه، وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامعُ، وهو المراد بقولهم: اقرؤا القرآن بلحون العرب (قال زكريا الأنصاري في الدقائق المحكمة شرح المقدمة الجزرية، [ص:36]: "والمراد بلحون العرب: القراءة بالطبع والسليقة كما جبلوا عليه من غير زيادة ولا نقص". وقال ملَّا علي قارئ في المنح الفكرية شرح المقدمة الجزرية، [ص:99]: "والمراد بألحان العرب: القراءة بالطبائع والأصوات السليقية").
الآخر: التلحين المتكلَّف الذي ليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصُل إلا بتكلُّف وتصنُّع وتمرُّن، كما يتعلم أصوات الغِناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزانٍ مخترعة لا تحصل إلا بالتعلّم والتكلّف، فهذه هي التي كرهها السلفُ، وعابوها، وذمّوها، ومنعوا القراءةَ بها، وأنكروا على من قرأ بها.
وبهذا التفصيل -بإذن الله- يزول الاشتباهُ، ويتبيّن الصوابُ من غيره، وكلُّ من له علم بأحوال السلف يعلم قطعاً أنهم بُرآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلّفة، والتي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها، ويُسوّغوها، ويعلم أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسِّنون أصواتَهم بالقرآن، ويقرؤونه بِشجىً تارة، وبِطَرب تارة، وبِشوْق تارة، وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد وندب إليه، وأخبر عن استماع اللّه لمن قرأ به، فقال: «ليس مِنَّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقرآنِ» (أخرجه البخاري برقم [7527])، وفيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلُّنا نفعله، والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته صلى الله عليه وسلم (زاد المعاد: [1/493]).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.