لم أكن أتصور أن مشاهدة هذين الفيلمين والكتابة عنهما ستكون بهذه الصعوبة، ليس هناك أقسى من أن تكتب عن الذين فقدتهم، وفقدان الحسينى أبوضيف تحديدا ليس كأى فقدان لشخص تحبه. لم يكن الحسينى، بالنسبة لى، مجرد زميل أو صديق من بعيد. بالرغم من صغر سنه كان قدوة وشعلة طاقة وأمل تبث الحياة فيمن حوله.
عندما جاءته الرصاصة الغادرة ليلة الخامس من ديسمبر 2012 واخترقت رأسه الصعيدى الصلب، كنت أقف بجواره فوق الجزيرة الوسطى بميدان الميرغنى، بعد يوم عصيب أذكر تفاصيله جيدا، منذ المؤتمر الذى عقده وزير العدل الإخوانى أحمد مكى وهدد فيه المعارضة بالرضوخ والسكوت وإلا فإن البقاء سيكون للأقوى، وحتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالى الذى اختطف فيه الحسينى من وسطنا وراح، بجسده القوى وروحه المقاومة، يواجه الموت وحده فى غيبوبة استمرت أسبوعا كاملا.
لطالما تجنبت الكتابة أو الحديث عن هذا اليوم، لأن ثأر الحسينى لم يأت بعد، وثأر الحسينى فى تصورى ليس الانتقام ممن قتلوه، فمن المؤكد أن روحه قد سامحتهم. ثأر الحسينى الحقيقى سيأتى فى اليوم الذى تتحقق فيه كل أهداف الثورة المغدورة من ديمقراطية وعدالة اجتماعية وحرية وانتقال مصر من مصاف الدول المتخلفة إلى مصاف الدول المتقدمة.
لطالما تجنبت ذكر الحسينى، لكن الفيلمين اللذين شاهدتهما هذا الأسبوع، ولم يكن ممكنا ألا أشاهدهما، فتحا الجراح المغلقة وحررا المشاعر المعتقلة.
هناك العديد من مشاريع الأفلام التى تتناول شخص الحسينى أبوضيف، بعضها لايزال فى مرحلة الإعداد، واثنان تم الانتهاء منهما وعرضا الأسبوع الماضى فى عروض خاصة.
الفيلمان ينتميان للنوع الوثائقى – التسجيلي- حتى لا يعتقد أحد أنهما روائيان. الأول يحمل اسم «الحسينى أبو ضيف» سيناريو وإخراج على عفيفى، حسب العناوين المكتوبة على نسخة الفيلم نفسه، وإخراج أحمد القلش حسب الأفيش ومواد الدعاية المكتوبة، ولهذا قصة طريفة سوف أرويها فى السطور القادمة. الفيلم الثانى بعنوان «ضيف ع الدنيا» إخراج وسيناريو أسماء حسنين، وهو نتاج ورشة عمل لتعلم مبادئ الكتابة والإخراج السينمائى نظمتها لجنة التثقيف المركزية بالحزب الديمقراطى الاجتماعى تحت إشراف المخرجة الشابة نيفين شلبى.
1
الحسينى أبو ضيف
«الحسينى أبو ضيف» من إنتاج هيئة قصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة ، ولكنه نتاج عمل تطوعى لبعض أصدقاء ومحبى الحسينى وعلى رأسهم على عفيفى الذى كتب الفيلم وأغانيه وأجرى الحوارات وقام بجمع المادة، وهو ما حدا بالمخرج أحمد القلش إلى كتابة اسم عفيفى على العناوين كمخرج للفيلم تقديرا لجهده، ولكن عفيفى من ناحية أخرى لم يوافق وأصر على كتابة اسم القلش على مواد الدعاية والنسخ الجديدة من الفيلم..إنكار للذات يليق باسم الحسينى وأصدقائه وأخلاقياته الرفيعة فى العمل العام لصالح الوطن قبل أى شيء آخر.
يضم فيلم «الحسينى أبو ضيف» ثلاث أغان، اثنتان منها فى بدايته ونهايته وأخرى تتوسط الفيلم كتبها عفيفى وقام بتلحينها وغنائها أحمد الحجار الذى تبرع بجهده وفنه من أجل اسم الحسينى مثل بقية العاملين فيه.
ويعتمد الفيلم على ثلاثة مصادر أساسية فى مادته المصورة والمسموعة: صور فوتوغرافية ومقاطع فيديو متفرقة قديمة وحديثة يظهر فيها الحسينى أو لبعض الأحداث السياسية المهمة، من مظاهرات حركة «كفاية» قبل الثورة وحتى احتفالات عصابة الإخوان بقيادة وزير إعلامهم متولى صلاح عبد المقصود بالجرائم التى ارتكبوها فى أحداث «قصر الاتحادية» وادعائهم بأن الحسينى ينتمى لهم.
المصدر الثانى مواد فيلمية قام بتصويرها فريق العمل أو أصدقاؤهم لجنازة الحسينى وقريته «طما» فى محافظة سوهاج ومقبرته، بجانب بعض صور من صفحات جرائد ومواقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك» خاصة الحساب الشخصى للحسينى.
المصدر الثالث حوارات وتصريحات مع معارف وأصدقاء الحسينى وشهود حياته وموته وبعض القانونيين والأطباء المتخصصين.
يبدأ فيلم «الحسينى» فى طما بمشاهد لشوارع القرية، وتصريحات لشقيق الحسينى سالم أبوضيف وأحد أساتذته بالمدرسة، قبل أن ينتقل إلى حوارات لأصدقائه فى القاهرة مثل مارى دانيال، أخت شهيد ماسبيرو مينا دانيال، والتى كانت تربطها علاقة إنسانية رائعة مع الحسينى، وأيضا بعض زملائه فى صحيفة «الفجر»، من بينهم محمود عبد القادر الذى كان بصحبتنا لحظة اغتيال الحسينى وآخرون.
يتنوع الحديث عن الحسينى ما بين الكلام عن طفولته ومراهقته واهتمامه المبكر بالسياسة والثقافة وعمله الصحفى، وما بين نشاطه السياسى البارز منذ انضمامه لحركة «كفاية» المعارضة لنظام مبارك ومشاركته فى معظم فعاليات الثورة فى عهود مبارك والمجلس العسكرى ثم الإخوان، وأيضا لعلاقته بزملائه وقيامه بمساندة كل من تعرض لظلم أو عسف أو عنف من قبل الأنظمة الثلاثة.
الجزء الأخير من الفيلم أشبه بالتحقيق فى واقعة اغتيال الحسينى، منذ صباح الخامس من ديسمبر وحتى إصابته بطلق نارى فى رأسه وهو يقوم بتصوير الاشتباكات بين ميليشيات الإخوان والمعارضين لهم. ويتنوع الحديث هنا بين شهود العيان والمحامى الذى تولى قضيته ورئيس مصلحة الطب الشرعى السابق. وهو تحقيق لا يضيف شيئا مجهولا فيما يتعلق بوقائع الاغتيال وملابساته، ولكنه يبرز أكثر من نقطة وسؤال. يؤكد الفيلم على الطابع العمدى لاغتيال الحسينى وموته برصاصة حية عن بعد قادمة من معسكر الإخوان، كما يؤكد الإهمال الطبى والقانونى اللذين تعرض لهما بعد إصابته وبعد موته.
الفيلم ينفى بما لا يدع مجالا للشك مزاعم الإخوان السفيهة والوقحة بأن الحسينى كان ينتمى لهم أو أنه قتل بنيران صديقة من معسكر المعارضين للإخوان. ومن خلال عقد مقارنة بين هتافات الحسينى ضد الإخوان فى المظاهرات المعارضة لهم وتحقيقاته فى «الفجر» التى كشفت بعض فسادهم، وبين تصريحات متولى عبد المقصود بأن الحسينى إخوانى مع التأكيد بجزء من خطبة للرئيس السابق جمال عبد الناصر بأن الإخوان محترفو «تضليل وتجارة بالدين»، يتخذ الفيلم موقفا حادا ومحددا بتوجيه أصابع الاتهام إلى ميليشيات الإخوان.
يبين الفيلم بالصور ومقاطع الفيديو الأسلحة النارية التى كان يحملها أتباع الإخوان وإطلاق النار العشوائى على المتظاهرين، وفى الوقت نفسه يؤكد على لسان بعض ضيوفه معلومات من نوعية وجود معلومات عند سلطات الأمن بتحرك عدد كبير من المسلحين من رافعى الرايات السوداء من مرسى مطروح باتجاه الاتحادية صباح الخامس من ديسمبر.
ومن التحقيق البوليسى الذى يتبعه الفيلم فى بعض مشاهده ينتقل الفيلم إلى الحديث عن الحسينى وصفاته الشخصية وانتماءاته السياسية على لسان من عرفوه، داعما كلامهم، بقدر الإمكان، بصور ومقاطع فيديو لعل أشهرها وأكثرها تأثيرا زيارته مع بعض الناشطين لبيت مينا دانيال فى شهر رمضان 2012 للإفطار مع أسرته، وذلك المشهد البديع للحسينى وهو يصلى فى غرفة مينا وعلى الحائط الخارجى للغرفة جرافيتى يحمل صورة مينا مبتسما.
2
ضيف على الدنيا
من النظرة الأولى يمكن أن تتبين أن فيلم «ضيف ع الدنيا» من صنع هواة، ولكنه مثل «الحسينى أبوضيف» يعوض ضعفه بقوة حياة الشخصية التى يدور عنها.
الاعتماد على الصور الفوتوغرافية أكثر هنا، وبدلا من الأغانى هناك قصيدة شعر يفتتح ويختتم بها الفيلم، وبدلا من الموسيقى المصنوعة خصيصا للفيلم يعتمد على موسيقى ميلودرامية معروفة، وهو لا يذهب بعيدا إلى قرية الحسينى ولكنه يعتمد أيضا على كلمات أصدقائه ومعارفه، ويظهر هنا عدد كبير من الذين ظهروا فى الفيلم الأول. وبعضهم يقول الكلام نفسه تقريبا. بالطبع يمكن فهم ذلك التشابه والتكرار، فمن الطبيعى أن يسعى من يريد كتابة مقال، أو يصنع فيلمًا، عن شخص ما أن يذهب لأقاربه وأصدقائه المعروفين، وهى ملحوظة أعتقد أنها ستتكرر فى الأفلام القادمة عن الحسينى.
الشىء نفسه ينطبق على المواد الأرشيفية التى يظهر فيها الحسينى أو تتعلق به، فبجانب كونها قليلة فإن صناع الأفلام لا يملكون سوى الاعتماد عليها مرارا وتكرارا.
«ضيف ع الدنيا» قد يكون بدائيا ولكنه ممتلئ بالعواطف النابعة من قلوب صناعه والمتحدثين فيه..ربما بحكم أن المخرجة امرأة، وكذلك المونتيرة نيفين شلبى التى تطوعت بعمل المونتاج تحية منها للحسينى وذكراه. وهو يركز على ذكريات الأصدقاء، أكثر مما يركز على التحقيق فى وقائع الاغتيال وأقوال الأطباء والقانونيين، ويحمل الفيلم بعضا من الأقوال الجميلة عن الحسينى مثل قول الشيخ محمد نصر بأن الحسينى كان أشبه بلوح زجاجى شفاف بلا شوائب، وأن من لم يتعامل مع الحسينى لم يعرف معنى الإنسانية، أو قول الزميلة مريم جبل أن الحسينى من النادرين الذين يجمعون بين التدين والتحضر، أو قول الزميل سيد المليجى عن الحسينى «جسده لم يعد يتسع أحلامه، لذلك غادره».
يصعب أن نرصد كل ما قيل عن الحسينى ممن عرفوه وعاشروه، وأى كلام سيظل عاجزا عن إيفائه حقه، وأسوأ شىء أن تؤخذ هذه الكلمات على أنها مديح مدفوع بالعواطف لصديق ميت، أو أنها من باب «اذكروا محاسن موتاكم». فى هذه الحالة فالسكوت قد يكون أفضل. الكلمات كثيرة ولكنها بليت من كثرة استعمالها!
لقد كتبت عن عشرات، بل مئات، الأفلام من قبل، ولكن الكتابة هذه المرة مختلفة، لأننى لا أستطيع أن أحكم على الفيلمين نقديا. صحيح أن الملاحظات كثيرة ولكننى أتنازل عن قلم الناقد هنا وأكتب فقط من موقع الصديق ورفيق الدرب الذى فقد رفيقا كنا فى أمس الحاجة إليه فى هذه الأيام الصعبة، والأيام القادمة الأكثر صعوبة!
العزاء الوحيد هو أن الأفلام والكلمات والأشياء تؤكد كلها أن الحسينى، رغم موته، لا يزال حيا، وسيظل، أكثر منا نحن الأحياء.