وصفت وسائل الإعلام الصينية الرسمية تفاقم الأزمة الحالية في تايلاند ، وقيام رئيسة الوزراء التايلاندية ينغلوك شيناوترا بحل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة ، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية المناهضة للحكومة ، بأنه يعد درسا شديد الوضوح للبلدان العربية التى تطمح إلى الاستقرار والتى يجب عليها تغيير أنظمتها المنسوخة من الغرب وإطلاق اصلاحات حقيقية تتلاءم مع طبيعة الشعوب العربية. وقال المحلل السياسي لوكالة أنباء شينخوا الصينية الرسمية إن المخرج المحتمل للدول العربية المضطربة هو القيام بإصلاحات سياسية ، لكي تجد طريقا لتطوير نظام سياسي يتناسب مع خصائصها التنموية وظروفها الاجتماعية ، حيث لا يمكن إجراء هذه الإصلاحات إلا في بيئة اجتماعية مستقرة يمكن التوصل في ظلها إلى توافق ، حتى لا تسير هذه الدول في حلقة مفرغة على خلفية نظام الانتخابات السابق.
وأضاف أن النظام الديمقراطي الغربي الذي تبنت تأسيسه بعض الدول وسط ثقافة اجتماعية وتقاليد دينية مختلفة ، مختلف حيث لا يشتمل على عناصر الفصل بين السلطات وضبط النفس المتبادل فحسب ، بل يشتمل أيضا على روح التوافق ، والمؤسف أن بعض الدول نقلت هذا النظام دون تعديل ، لذا لا يوجد ، في كثير من الأحيان ، أي توافق في ظل الصراع الغالب بين الحزبين أو الأحزاب المختلفة حسب نظام الدولة.
وأشار إلى أنه منذ بداية الاضطراب الحالي في تايلاند الشهر الماضي ، تحولت المواجهات بين مؤيدي ومعارضي الحكومة إلى أعمال عنف ، وقتل ما لا يقل عن 3 أشخاص وأصيب 127 آخرون في اشتباكات بجامعة رامخامهاينغ بالعاصمة بانكوك ، فى وقت تسلط هذه التطورات الضوء على مسألة النظام الانتخابي ، إذ أن هناك عددا من الدول العربية ، بما فيها مصر وتونس ، واصلت النظام الانتخابي على النمط الغربي في السنوات الأخيرة الماضية دون تعديل ، وبالتالي ، وقعت فى حلقة مفرغة من الاضطرابات على نحو متكرر .
وقال إنه رغم اختلاف أسباب اندلاع التوترات ، إلا أنها ذات صلة إلى حد ما بالنظام الانتخابي ، سواء كان نظام الحزبين أو التعددية الحزبية ، حيث تعد التظاهرات في تايلاند هذه المرة خير نموذج يمكن الاستفادة منه لبعض الدول ، كما أنها تعطي درسا لبعض الدول العربية التي تعاني من الاضطرابات السياسية المستمرة ، فهناك ما يقول أن التوترات الجارية في تايلاند ترجع إلى وجود فجوة ضخمة بين الفقراء والأغنياء ، لكن عدم نضج النظام السياسي هو ما نجم عنه في الواقع وقوع الأزمة الحالية .
وأضاف أنه مثلما يحدث في تايلاند حاليا ، تمر مصر بمرحلة في غاية الصعوبة، إذ أطاحت تظاهرات شعبية معارضة دعمها الجيش بالرئيس المعزول محمد مرسي، والذي جاء للرئاسة عبر انتخابات قبل عام ، لكن عدم توصل جميع الأطراف إلى توافق حتى الآن ، أدى الى تجدد المظاهرات تقريبا كل يوم ، وفي تونس في أعقاب سقوط نظام بن علي ، اتسمت الأوضاع وعملية الانتقال السياسي بالاستقرار نسبيا في البداية ، حيث تقاسمت "حركة النهضة" الإسلامية المعتدلة وبعض الأحزاب العلمانية السلطة ، لكن الأوضاع إتجهت نحو التوتر في العام الجاري الذي يعد هاما جدا بالنسبة للعملية السياسية التونسية ، فعادت المظاهرات إلى الشوارع وسقطت تونس في وحل أزمة سياسية مرة أخرى .
من ناحية أخرى، لم تستطع ليبيا إيجاد مخرج مناسب لتحقيق التوافق والاستقرار، ناهيك عن الإصلاحات السياسية والاقتصادية ، فهناك خلافات وصراعات تدب يوميا بين القبائل والحكومة ، ولم يتم حتى الآن التوصل إلى مصالحة بين جميع الأطراف ، حيث تقوم الجماعات المسلحة ، بما فيها الخلايا الإرهابية ، بأعمال عنف مثل الاغتيالات وعمليات الاختطاف في جميع أرجاء البلد، الذي تمزق أوصاله الأوضاع المتوترة.
وأشار المحلل الصيني إلى أنه بالنسبة إلى تايلاند ، فمن "القمصان الحمراء" والقمصان الصفراء"، يمكن القول إن الانقسام لا يتجسد بين الفقراء والأغنياء ، فحسب ، لكن في المواجهة العنيفة بين الطبقتين الدنيا والوسطى ، وتماثل مظاهرات تايلاند ما جرى في بعض الدول العربية مثل مصر وتونس ، التي يمتلك فيها كل شخص صوتا واحدا.
وأضاف أنه عندما نتحدث عن النظام السياسي لا يمكن أن نفوت الانقسام بين الطبقتين الدنيا والوسطى ، فسياسات الاقتراع القائمة خلال السنوات الأخيرة أفضت بشكل عام إلى بروز مشكلة كبيرة تتمثل في أن القادة السياسيين يفوزون بمزيد من الأصوات من خلال تقديم مزيد من المزايا المالية للطبقة الدنيا من الشعب ، والتي تشكل أكبر مصدر في عملية الاقتراع ، مثل رفع الدخل أو تقديم المزايا العينية المباشرة ، ورغم أن هذه المسالك قد ترضي بعض الفقراء بشكل مؤقت ، إلا أنها لن ترفع مستوي معيشتهم علي نحو دائم.
وفي هذه الحالة ، لا يمكن أن تتطور الدولة إلا عن طريق تقاسم الفوائد مع الطبقة الوسطى ، التي من الطبيعي أن ترفض ذلك ، فرغم أن الرئيس المعزول محمد مرسي ، و"حركة النهضة" التونسية حظيا فى البداية بدعم طبقة معينة من الشعب من خلال خدمة مصالح هذه الطبقة ، الا أن هناك - من ناحية أخرى - عددا كبيرا جدا من الناس من الطبقات الأخرى لا يؤيدهما في ذلك ، ومن المؤكد أن تعارض هذه الطبقات السلطة ، في الوقت الذي تخفض فيه السلطة مزاياها لتخدم الطبقة الموالية لها ، وبالتالي تكون المصالحة بعيدة المنال.
وأوضح المحلل الصيني أن مشكلة النظام السياسي الذي يشمل نظام الحزبين أو التعددية الحزبية في أن الحكومة الواقعة في وسط الانقسامات الشديدة التي تحدث بين الأحزاب والطبقات الاجتماعية يجب عليها أن تختار موقفا لكسب الأصوات ، الأمر الذي يضعف دائما قوتها على حكم البلاد في ظل قيود الاقتراع والبرلمان ، ومن الصعب أن تحصل على ثقة واسعة من الشعب ، ناهيك عن حشد الدعم من الشعب ، نظرا لغياب التوافق المجتمعي في الأساس.
وأختتم تحليله بالقول إنه يصعب على هذه الحكومات ، ذات الصفة المعتدلة نسبيا ، القيام بإصلاح نظام التوزيع الانتخابي أو وتعديله على النحو الذي تقبله الغالبية ، وهو ما يؤدي إلى تقويض سلطتها وقدرتها على الحكم ويدخلها في حلقة مفرغة أمام سياسات الشارع أو التغيير الثوري ، لذا عليها تعديل أنظمتها البالية التى لا تعبر عن توافق شعوبها بأنظمة تتوافق وتتلاءم مع المصالح الشعبية وكافة طبقات المجتمع .