أثارت الحرب بين المخرج هانى فوزى، مخرج فيلم «أسرار عائلية»، ورئيس الرقابة على المصنفات الفنية أحمد عواض، جدلا كبيرا خلال الأيام الأخيرة، وتباينت الآراء، بين متعاطف مع مخرج الفيلم، ومؤيد لموقف الرقابة بمنع مشاهد الشذوذ الجنسى، وبين هذا وذاك ضاعت القضية، لنبقى فى تلك الجنازة الحارة رغم أن الميت «فيلم»! الجملة الأخيرة ليست تقليلا من شأن الفيلم أو مخرجه، فكثير من الأفلام عاشت مئات السنين، وشكلت وجدان الكثيرين، لكن القضية أصبحت أعمق وأهم من الدخول فى نزاع على 13 مشهدًا يرى رئيس النقابة حذفها ويمانع المخرج لضرورتها وحتميتها الدرامية.
القضية الأهم هى: هل يجوز أن يبقى جهاز الرقابة فى بلد قام بثورتين؟ الإجابة حتما ستكون «إلغاء الجهاز»، لذا فيجب أن تكون الحرب على الحرية بشكل عام، والتحرر من جهاز جثم على قلوب المصريين دهرا، آن أوان كسر ذلك المقص اللعين، الذى ظن أنه يهذب الأفلام، والحقيقة أنه يعذبها لا يهذبها، فالقيم الاجتماعية التى أنشئ من أجلها جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، تختلف من شخص لآخر، ومن شريحة عمرية لأخرى، لذا.. لا يجوز حكرها، على رقيب أيا كانت درجة إبداعه فهو فى النهاية «موظف»، يجلس فوق كرسيه فى مكتبه المكيف، ليتحكم فى إبداع المؤلفين والمخرجين.
قد يقول قائل إن البلد ليس فى الظرف المناسب للتخلص من جهاز الرقابة، وتلك حقيقة لا يجوز إغفالها، إذن يكون الحل بقاء الجهاز، بشرط أن يتم تطويره أو تغيير منظومة العمل فيه بشكل كامل، فمبدأ المنع، يجب أن يكون مرفوضا من الأساس، ويتم التعامل مع الأمر بحسب التصنيف العمرى للمشاهد.
فكرة تطوير جهاز الرقابة، تقدم بها البعض لعماد أبو غازى أول وزير ثقافة بعد الثورة، والذى كانت كل تصريحاته تفيد برأيه صراحة بأنه ضد وجود جهاز رقابة، لكن رحل الوزير وبقى الجهاز، ولم تتوقف ممارسات الرقباء، المشروع لم ينفذ رغم جلوس وزير الثقافة – حينذاك – عماد أبو غازى ورئيس المجلس الأعلى للثقافة عز الدين شكرى مع أكثر من شخص لأخذ مشورتهم بشأن إلغاء جهاز الرقابة فى ذلك التوقيت من عدمه، وكان أبو غازى ينوى فعليا إلغاءه لكن المشورة جاءت بأن الوقت غير مناسب، فتقدم له آخرون بمشروع يقضى بتغيير طريقة عمل الجهاز عن طريق التصنيف العمرى للمشاهد وهو المتبع به فى معظم دول العالم.
يبدو أن أبو غازى لم يتحمس للمشروع، وإلا كان بدأ العمل، به، والآن على وزير الثقافة الحالى محمد صابر عرب، الذى يتباهى خلسة وعلنا، بأنه أعاد لمصر زمن المهرجانات الكبيرة، أن يستفيد من هذا المشروع، وأن يقدم للثقافة شيئا، يحسبه له التاريخ، بدلا من أن يخرج من باب الوزارة كما دخلها أول يوم، بلا إنجازات، وتتوه الثقافة والإبداع فى كهف مظلم تسكنه أعشاش العنكبوت، الكهف هو عقل الرقيب، أما أعشاش العنكبوت فهى أفكاره أو أمراضه على السواء.
الكرة الآن فى ملعب وزير الثقافة محمد صابر عرب، سيحسب له إلغاء الرقابة أو على أقل تطويرها عن طريق غل يد المنع، ويطبق مشروع التطوير الذى يصنف الأفلام بحسب التصنيف العمرى، وأعتقد أن الوزير سيفعلها.. وإن فعلها دخل التاريخ.