قال المستشار عادل ماجد نائب رئيس محكمة النقض أن أحداث العنف والهجوم على دور العدالة والمنشآت القضائية التي وقعت مؤخرا، تمثل أعمالا إجرامية يلتزم الحاكم بمنعها ومحاسبة المسئولين عن ارتكابها، وذلك طبقا لمبدأ المسئولية عن الحماية الذي تبلور حديثا في فقه القانون الدولي وأرست أحكامه الشريعة الإسلامية.. مشددا على أن القضاء المصري هو قضاء مستقل، وأن القضاة يقفون على الحياد ولا يميلون إلى حاكم أو تيار سياسي، وأن العبث بمقدرات السلطة القضائية يقوض دعائم سيادة القانون التي تقوم عليها دولته.
و اشار خلال كلمته في المحاضرة العامة التي نظمتها كلية القانون بجامعة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية، وتحدث خلالها حول دور القضاء المصري في ترسيخ سيادة القانون وتطبيق آليات العدالة الانتقالية بعد ثورة 25 يناير، بحضور أعضاء هيئة التدريس بالجامعة وممثلي نقابة المحامين المسلمين الأمريكية وعدد من القضاة الفيدراليين وقضاة الولايات ومجموعة من طلاب الدراسات العليا المصريين.
وقال المستشار ماجد إن أحد أسباب حالة عدم الاستقرار التي تشهدها مصر حاليا، هو قصور التشريعات الجنائية بحالتها الراهنة عن التصدي للجرائم الممنهجة التي وقعت على الثوار إبان أحداث ثورة 25 يناير، وعدم مواجهة تجاوزات الماضي بطريقة جذرية وإصلاح المؤسسات المتورطة فيها.
وأوضح المستشار ماجد أن النظام القضائي في مصر قد أوكل كافة شئون القضاء والقضاة لمجلسهم الأعلى، بما يدعم استقلالهم، مشيرا إلى أنه يتميز عن النظام القضائي الأمريكي الذي يتم فيه تعيين القضاة الفيدراليين عن طريق السلطة التشريعية وقضاة الولايات عن طريق المحافظين.. لافتا إلى أن ما يميز النظام القضائي الأمريكي عن نظيره المصري هو وضع حدود فاصلة واضحة المعالم بين سلطات الدولة بما يمنع تغول سلطة على أعمال سلطة أخرى.
وأكد المستشار ماجد في كلمته أن القاضي يجب أن يقف دائما على الحياد لا يميل إلى حاكم أو تيار سياسي.. مشددا على أن أعمدة القضاء هم رجالاته "فإذا وهنت الأعمدة سقط البناء، وإذا سقط بناء القضاء انهارت دعائم سيادة القانون وتعرت حقوق المواطنين من الحماية".
وفي تعقيبه على ما أثير من تساؤلات حول علاقة القضاء بتطبيق مفهوم العدالة الانتقالية، أوضح المستشار عادل ماجد نائب رئيس محكمة النقض، أن مفهوم العدالة الانتقالية يهدف إلى بناء دولة القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية وهي أهداف أساسية لثورة 25 يناير وانه لا يمكن تحقيق تلك الأهداف إلا من خلال قضاء محايد ومستقل.. لافتا إلى أن أهداف العدالة الانتقالية تتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن أسمى أهداف العدالة الانتقالية هي التسامح والعفو لبلوغ المصالحة الوطنية وهي أسمى أهداف العدالة الانتقالية.
وأضاف أن المراحل الانتقالية التي تشهد فيها المجتمعات الانتقال من النظم الاستبدادية إلى النظم الديمقراطية، تتسم عادة بحالة من عدم الاستقرار نتيجة الصراعات الايدلوجية حول المفاهيم الأساسية التي تحكم نظام الدولة، وان سرعة وتيرة الأحداث لم تمكن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة من تحقيق التوافق على تلك القيم الأساسية التي ترسخ دعائم دولة القانون.
وأشار إلى أن الإنسان المصري قد نجح على مصر العصور في بناء حضارة عريقة كانت العدالة أحد أعمدتها الرئيسة، وإن ذات الإنسان المصري قادر على الزود عن دعائم هذه الحضارة، بدون الاستقواء بأي جهة خارجية، إذ أنه يعلم تماما أن العبث بمقدرات القضاء يقوض دعائم سيادة القانون التي تقوم عليها دولته.
وأضاف أن أهداف العدالة الانتقالية تتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، فالشريعة الإسلامية قد أرست منذ ما يربو على الأربعة عشر قرنا، مبادئ مكافحة الإفلات من العقاب و جبر أضرار الضحايا قبل أن تتضح معالمها وتتبلور في فقه القانون الدولي المعاصر.. كما أرست أيضا دعائم العفو والمصالحة على نحو يسمح بإزالة جذور الخلاف بين أطياف المجتمع، وبالتالي فمن الهام الاستناد إلى القيم النبيلة التي أرستها الشريعة الإسلامية الغراء في مجال التسامح والعفو وصولا للمصالحة الوطنية.
وردا على تساؤلات الحضور حول أسباب تزايد العنف في الشارع المصري والهجوم على المنشآت القضائية في ظل نظام يعلن احترامه أحكام الشريعة الإسلامية، أجاب بأن الشريعة الإسلامية تنبذ العنف وتدعو إلى التسامح ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينسب لها ما شهده الشارع المصري من أحداث عنف أو هجوم على المنشآت القضائية، إذ أنها أعمال إجرامية يلتزم الحاكم بمنعها ومحاسبة المسئولين عنها، طبقاً لمبدأ المسئولية عن الحماية الذي تبلور حديثاً في فقه القانون الدولي وأرست أحكامه الشريعة الإسلامية.