لم تكن مصادفة أن تخرج التظاهرات التى قال عنها الداعون إليها ومنظموها إنها احتجاجا على إعادة ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، وعودة جزيرتى صنافير وتيران إلى السيادة السعودية، محض صدفة لا من حيث التوقيت ولا المكان ولا الهدف الحقيقى وراءها، وإنما هو ميعاد تم الاتفاق عليه، أو إن شئت قل اختياره، من جانب أطراف داخلية خدمة لأهداف خارجية، فهو ميعاد خير من ألف صدفة. وبداية لا ننكر على بعض الذين شاركوا فى تلك التظاهرات غيرتهم ووطنيتهم وحبهم لتراب بلدهم، وهو الدافع الذى جعلهم يشاركون فى الجدل الذى دار حول تبعية الجزيرتين على مواقع التواصل الاجتماعى، غير أنهم لم يرفعوا شعارات هى بالأساس شعارات جماعات الإرهاب والتضليل التى تخدم قوى الشر العالمية، وهو الأمر الذى دفع الكثيرين منهم للانسحاب من التظاهرات أو التراجع عن صفوفها الأولى، حينما تحولت الى شعارات ضد الدولة المصرية وجيشها وشرطتها. وبنظرة سريعة للعوامل الثلاثة سالفة الذكر والمتعلقة بالتظاهرات من حيث التوقيت والمكان والهدف، فإن هناك دلائل واضحة سبقت تلك التظاهرات تدل على أنها عمل منظم من جانب قوى أرادت أن تصطاد فى الماء العكر وتحرج القيادة السياسية داخليا، فى مقدمتها جماعة الإخوان التى شاركت فى الدعوة للتظاهرات مستغلة حماس المواطنين. فكما سبق وأن استغلت حميتهم لدينهم فى التعبئة ضد الأنظمة السياسية السابقة وقفزت لهذا السبب على السلطة، فإنها أرادت استغلال حميتهم لوطنهم وأرض بلدهم للخروج على القيادة السياسية الحالية، التى تكن لها الجماعة كل حقد دفين نظرا لأنها وقفت بجانب الإرادة الشعبية، وأنهت فترة حكم الإخوان التى كانت بمثابة النقطة السوداء فى التاريخ المصرى. وعودة إلى التوقيت، فقد تم تنظيمها يوم الجمعة الماضى الموافق 15 أبريل الجارى، وقد سبقته بأيام قليلة تحركات فى الكونجرس الأمريكى قادتها مساعد وزير الخارجية الأمريكى والسفيرة الأمريكية السابقة فى مصر آن باترسون، للحيلولة دون استصدار قرار من الكونجرس باعتبار جماعة الإخوان إرهابية. وهو ما حدث بالفعل، لتكشف "باترسون" مجددا عن طبيعة العلاقة التى تربط الولاياتالمتحدةالأمريكية بجماعة الإخوان، وقد أشرنا إلى ذلك فى مقالات سابقة. ويوضح ذلك لقاء "باترسون" مرشد الجماعة محمد بديع وقت أن كانت جاثمة على صدور أبناء بلادى مغتصبة السلطة، وهو اللقاء الذى دارت حوله تساؤلات عدة فى ذلك الوقت، حول حقيقة الدور الأمريكى فى أحداث يناير من العام 2011، وكيف ساعدت أمريكا الإخوان على قلب نظام الحكم فى الدولة، هذا بجانب تورط أمريكا فى قضية تمويل المنظمات المدنية فى مصر، وهي القضية التى أثارت ردود أفعال غاضبة من الإدارة الأمريكية. وبعد امتناع الكونجرس عن التصويت باعتبار الإخوان جماعة إرهابية، أرادت الجماعة أن تعيد بعضا من الفضل لأمريكا، التى مازالت إدارتها غير صافية النية تجاه مصر أو قيادتها السياسية، فما زالت ترى الإدارة الأمريكية فى مصر أمرا مستعصيا على التغيير الذى أرادته ووضعت له خطته عام 2005، وصرحت بها علانية وزيرة الخارجية آنذاك كونداليزا رايس، فخرجت التظاهرات لتعيد نفس سيناريو أحداث يناير 2011، حينما استغلت جماعة الإرهاب والتضليل حماس الشباب وغضبهم بسبب البطالة، وقفزت على حركتهم ونسبتها فى النهاية لنفسها، وهو ذات الأسلوب الذى اتبعته مستغلة حماس بعض الشباب لصالح بلده، والذين سبقوا الجماعة فى الدعوة للتظاهرات ضد إعادة ترسيم الحدود المصرية - السعودية. فكانت تظاهرات الإخوان ردا لبعض الجميل الذى قدمته الإدارة الأمريكية للإخوان لتكون فى حقيقتها تظاهرات أمريكية، وهو ما بدا واضحا فى بيانات الإدارة الأمريكية الصادرة بعد التظاهرات، والتى أوضحت أنها تتابع التظاهرات، غير أنها لم تصرح بهدفها الدفين فى أنها كانت تريدها أوسع انتشارا وأقوى أثرا لتحقيق هدفها الخبيث الذى سخرت له جنودا هم أنصار الشيطان. أما العامل الآخر، فهو اختيار المكان أمام نقابة الصحفيين المصريين، فقد كان لاختياره أسباب قوية، منها أنها المكان الذى يتردد عليه الصحفيون، خاصة أن فعاليات الاحتفال باليوبيل الماسى مستمرة، وقد تم فتح النقابة فى يوم الجمعة المفترض فيه أنه إجازة رسمية حفاظا على الأعضاء وحماية لهم من أى آثار سلبية يتعرضون لها أثناء متابعاتهم الميدانية، وهو الأمر الذى خفف من التواجد الأمنى أمامها، فضلا عن العلاقة بين جهاز الشرطة والصحفيين، والتى يريد البعض إظهارها بالمظهر الحسن، وهو الأمر الذى يفسر وجود التظاهرات أمامها، عكس أى مكان آخر كالميادين التى استطاعت قوات الشرطة التعامل معها بإيجابية. ومن أمام نقابة الصحفيين المصرية تحولت التظاهرة، من كونها ضد إعادة ترسيم الحدود المصرية – السعودية إلى أن أصبحت ضد الجيش والشرطة وتطالب بإسقاط النظام، وهى الشعارات الأساسية التى تتسم بها جماعة الإرهاب والتضليل. أما العامل الثالث والأخير وهو الهدف، فلم يكن الهدف على الإطلاق إبداء الغضب الشعبى من اتفاقية إعادة ترسيم الحدود بين مصر والسعودية وعودة جزيرتى صنافير وتيران إلى سيادة المملكة، نظرا لأن شحنة الغضب فرغتها فئات شبابية على مواقع التواصل الاجتماعى، ولم يكن من بينها الدعوة إلى تظاهرات فى الشوارع حتى خرجت دعوة جماعة الإخوان وبعض الحركات المطالبة بالتغيير ليتحول الأمر فى حقيقته إلى تظاهرات لخدمة قوى الشر الخارجية، وفى مقدمتها أمريكا وأعوانها فى الداخل من أفراد وجماعات وتنظيمات، ليكون الهدف منها استغلال حادث ليس بجديد على الرأى العام، وليس من صنع القيادة السياسية الحالية، وإنما هو عمل قديم بدأته أنظمة سياسية سابقة. ومع ذلك، لم تشهد الشوارع تظاهرات لهذا السبب، وهو ما يوضح إلى أى مدى تحاول الكتائب الإلكترونية وغير الإلكترونية لجماعة الإرهاب والتضليل استغلال الأحداث لتأليب الرأى العام ضد الدولة وقيادتها، وهو ذات المسار الذى تسير عليه الجماعة وكل ما على شاكلتها حتى الآن بهدف إحراج القيادة السياسية فى الداخل حتى يأتى التغيير من الداخل، وهو ما تراهن عليه قوى الشر العالمية. التظاهرات التى خرجت الجمعة إذن هى تظاهرات أمريكية ضد بلادى مصر، اختارت مقر نقابة الصحفيين حتى تحرج النظام، وحتى تؤجج الصراعات بين سلطات الدولة، حتى يكون الهدف الأعظم وهو إحداث الوقيعة بين الشعب وقيادته السياسية، وهو ذات الأسلوب الذى اتبعته قوى الإرهاب حينما أرادت أن تشيع الفوضى وتقضى على هيبة الدولة وتنشر الرعب فى البلاد وبين العباد، حتى يثور العباد ضد النظام ويتحقق الهدف المنشود. غير أن بلادى مازالت وستظل عصية على قوى الشر فى الداخل والخارج، بقوة وإيمان أبنائها المخلصين، الذين لا يدافعون عن نظام سياسى، وإنما يدافعون عن دعائم وأركان الدولة المصرية ويرفضون أى مساس بتهديدها، بعد أن آمنوا بأن الدولة ليست هو الفرد الذى يحكم. ---------- بشير العدل [email protected]