لم تكن نتيجة التصويت بخروج بريطانيا من الإتحاد الأوربي انشقاقاً عن القارة الأوربية، وذلك لأنه تاريخياً وجغرافياً لم تكن المملكة المتحدة بمراحل تكونها التاريخية من مملكة إنجلترا مروراً بالإمبراطورية البريطانية، ونهاية بالمملكة المتحدة جزء من أوربا، سواء في العصور الوسطى أو العصور الحديثة منذ انتهاء الحروب النابليونية، والتي سطت بريطانيا بنفوذها الاقتصادي والسياسي والعسكري على أوربا وعلى معظم أنحاء العالم، وصولاً إلى القرن العشرين بحربيه العالميتين الأولى والثانية، اللتان حاولت فيهما ألمانيا أن تناطح بريطانيا في النفوذ السياسي داخل أوربا وفي أنحاء العالم، ثم الحرب الباردة التي كانت لندن فيها بمثابة المنظم الأميركي لقرارات العواصم الأوربية المتشرذمة، حتى وإن احتسبت على الكتلة الغربية وهو ما جعل مقولة السياسي الأميركي المخضرم، هنري كيسنجر، عندما كان يُسأل عن رأي أوربا تجاه قضية معينة فتكون إجابته الساخرة: "مع من نتحدث باستثناء الإنجليز عندما نريد أن نخاطب أوربا؟"، وهو ما كان يشف عن فائدة التعاون الأميركي-البريطاني إبان هذه الحقبة في صياغة موقف دول أوربا المنتمية إلى الكتلة الغربية، ومن ثم كان التداخل البريطاني في الأطر الأوربية الجامعة مثل الاتحاد الأوربي كان بدافع هذا الأمر مع الحفاظ على وضعية خاصة من جانب لندن تحول دون ذوبان السياسات البريطانية في بوتقة التكامل الاتحادي ومن ثم التأثير أيضاً لصالح واشنطن، التي علقت مؤخراً صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية في أعقاب نتيجة الاستفتاء البريطاني بأن "الولاياتالمتحدة خسرت حصانها الرابح في أوربا". هذه الخسارة تعني لواشنطن أن نسبة التوافق على سياساتها أوربياً أصبحت أقل مما مضى ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، فالتوافق الأوربي الكامل مع السياسات الأميركية يمكن اعتبار أن ذروته تمثلت في حرب الخليج الثانية وإتباع العواصم الأوربية لما أرادته الولاياتالمتحدة، وبعد ذلك انحدر منحنى التوافق إلى أن وصل لمرحلة المعارضة الأوربية لقرار واشنطن بغزو العراق عام 2003، والذي لم تجد فيه حليفاً سوى لندن بمعزل عن القرار الأوربي شبه الموحد المضاد لغزو العراق. وبعد تغير الإدارة الأميركية منذ 2008، وما صحبه من توسع نفوذ ألمانيا في الاتحاد الأوربي بدافع من قوتها الاقتصادية، أصبح هناك بالنسبة لبرلين مهمة البحث عن دور سياسي يجسد اتساع نفوذها في الاتحاد الأوربي والتحكم أحياناً في قراراته وقوانينه بل وإمكانية فرض الرؤية الألمانية تجاه بعض القضايا -مثل أزمة ديون اليونان وقوانين التقشف وأزمة اللاجئين- على باقي دول الاتحاد، وهو ما كان الدافع الرئيسي لتذمر البريطانيين وصولاً إلى نتيجة الاستفتاء الأخير. وعلى الصعيد نفسه، فإن ترجمة الاستفتاء الأخير وتداعياته على مستوى تغير معادلة السيادة والنفوذ بين دول الاتحاد الأوربي، وأيضاً على مستوى أوربا كلها والمجال الحيوي لدولها، وقوة نفوذهم السياسي الخارجي وعلاقة ذلك بالسياسات الدولية، ملامحها الأولى وراثة ألمانيا -دون حروب- للنفوذ البريطاني على أوربا؛ فبعد الفصل الحاد المتمثل في نتيجة الاستفتاء الأخير بين بريطانيا وأوربا، يبقى التخلص من النفوذ البريطاني السلبي أو الإيجابي –الذي كان مرهون بعلاقة لندن مع واشنطن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية- أمر بديهي وتحصيل حاصل لصالح الدولة المستعدة وهي ألمانيا، دون أن يعني ذلك تراجع لبريطانيا على صعيد السياسة الدولية؛ فالأخيرة ما زالت لديها من عناصر القوة ما يوفر لها بقاء نفوذ على الصعيد السابق، فيما تكتسب ألمانيا وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية نفوذاً على أوربا ومحيطها الحيوي جنوب المتوسط، مع الأخذ في الاعتبار أنها ليست ضمن الدول ذات القوة العسكرية الكبيرة مثل بريطانيا وفرنسا، أو تملك ما يمتلكوا من صلاحيات داخل مجلس الأمن، وكذلك ليس لديها أطر مماثلة للأطر التي تملكها باريسولندن مثل دول الكومنولث والدول الفرانكوفونية، وبالتالي هذا الأمر مرده الأساسي بعد القوة الاقتصادية والبشرية لألمانيا، هو هيمنتها على الاتحاد الأوربي، وبالتالي ليس من المستغرب أن ينتج عن هذا -خاصة بعد انسحاب بريطانيا- توسع للنفوذ الألماني خارج القارة الأوربية. هذا النفوذ الألماني من الممكن رصد أسبابه الأولية على مستوى السياسات الدولية كالتالي: أولاً نفوذ ألمانيا كعمود فقري للاتحاد الأوربي، ثانياً قبول الولاياتالمتحدة بمنطق جيوستراتيجي بوجود وسط متزن وهادئ سياسياً بينها وبين روسيا ومحيطها الحيوي في أوربا، وثالثاً قبول أطراف دولية وخاصة من دول الشرق الأوسط لألمانيا كوسيط/مفاوض/لاعب خارجي محايد قدر الإمكان يستطيع لعب دور سياسي متوازن ومقبول، على عكس الدور البريطاني الذي كان يحسب بالبديهة على أنه ممثل للسياسات الأميركية، وبالتالي وجود سهولة ويسر أكثر في العلاقات الأوربية-الإيرانية أو الأوربية-الروسية عبر البوابة الألمانية، على عكس ما كان يحدث إبان تصدر لندن للقرار الأوربي الخارجي بسحبها لتوجهاتها السياسية على باقي الدول الأوربية. وطبقاً للسابق، فإنه ليس من المستغرب خلال السنوات الخمس الأخيرة أن نجد ألمانيا تلعب دوراً عسكرياً في جنوب المتوسط، وخاصة في أماكن مثل سوريا؛ فعلى سبيل المثال نجد أن تسليح وتدريب جزء معتبر من القوات الكردية سواء من "البشمرجة" أو "واي بي جى" ضد داعش وخاصة في معارك كوباني قبل نحو عامين كان ألمانياً وحظى بعدم اعتراض معظم القوى الإقليمية إن لم تقبله علناً، هذا بالإضافة إلى ما يسرب خلال العامين الأخيرين عن تواجد قوات خاصة ألمانية داعمة للجسم الكردي بشكل عام في سوريا، وأخر هذه التسريبات كان قبل حوالي شهرين عن أمر مماثل للسابق بتعاون بين برلينوواشنطن، ولكن الأهم في هذه الفترة كان تكثيف ألمانيا لتواجدها العسكري جنوب المتوسط، سواء كان على منوال الأمثلة السابقة، أو بالتعاون العسكري وصفقاته مع دول إقليمية وازنة مثل مصر وإسرائيل، اللذان سعوا خلف صفقات الأسلحة الألمانية وعلى رأسها الغواصات، أو تأطير تواجد عسكري ألماني عبر الاتحاد الأوربي أو الناتو، سواء في مالي أو ليبيا أو بتشكيل قوة بحرية ألمانية لمواجهة الهجرة الغير شرعية، وغني عن الذكر أن السابق كله يحدث لأول مرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأيضاً يحدث برضا دولي وإقليمي ينبع من كون ألمانيا طرف مقبول من معظم الأطراف الدولية والإقليمية، بالإضافة لأن برلين وعبر أُطر مثل الاتحاد الأوربي والناتو تسعى لأن تنتزع لنفسها موطئ قدم سياسي في المنطقة التي يعاد تشكيلها في السنوات الأخيرة، وذلك عبر سد فراغ نتج عن سياسات عدم التورط الأميركي في المنطقة، بالإضافة إلى حالة السيولة التي تنتابها؛ ولهذا كان من المنطقي أن يكون للنفوذ الألماني –وإن كان عبر الاتحاد الأوربي- بأنواعه الاقتصادي والسياسي والعسكري دوراً معتبراً في المنطقة. وبربط السابق مع تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، نرى أن ألمانيا سنحت لها فرصة استراتيجية كبيرة لم تتوافر لها منذ الحرب العالمية الثانية وربما منذ الحرب العالمية الأولى، تتمثل في تعزيز نفوذها في أوربا وكذلك جنوب المتوسط، وذلك بدافع من ظروف موضوعية وذاتية وفرت هذا الأمر، وأخرها الخروج البريطاني وتداعياته المستقبلية المحتمل أن تكون عوامل قضم في قوة بريطانيا التاريخية، سواء على صعيد التداعيات الاقتصادية والاجتماعية، أو حتى بارتفاع احتمالية أن تطالب اسكتلندا بالانفصال عن المملكة المتحدة والانضمام للاتحاد الأوربي، وهو ما يعني بشكل مبسط ومُخل أن ما لم تحققه ألمانيا في الحربين العالميتين قد استطاعت، وبعد مئة عام أن تحققه عبر القوة الاقتصادية والسياسية، ودون أن تضر لأن تدخل في صراع مع القوى المنافسة التقليدية، بل في حقيقة الأمر أن هذه القوى التقليدية مثل بريطانيا تعاني الأن من خلل –ربما مراجعة في وجهة نظر الشريحة السياسية المهيمنة في بريطانيا حالياً- في القبول بالمتغيرات الاستراتيجية داخل أوربا والاتحاد الأوربي ومردودات ذلك على صعيد السياسة الدولية، والتي هي ترجمة لمدى توسع نفوذ ألمانيا الاقتصادي والبشري والسياسي داخل وخارج أوربا.