أوضاع صعبة تمر بها فلسطينالمحتلة، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، فالضفة لا تكاد تخلو من مظاهر الاحتجاجات؛ اعتراضًا على تردي الأوضاع فيها، فمن إضراب المعلمين إلى احتجاجات أمس على قانون الضمان الاجتماعي الذي أقره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والذي لا يلبي المطالب الشعبية، خاصة فئة القطاع الخاص. ومع تدهور الأوضاع الحياتية والمعيشية في الضفة، بدأ الحديث عن كونفيدرالية الضفة الغربية، أو ضمها إلى الكيان الصهيوني، يطفو على السطح، خاصة أن القضية الفلسطينية لم تعد القضية المركزية للعرب، بعد انصرافهم عنها وانشغالهم بملفات عربية أخرى، الأمر الذي يصب في صالح الاحتلال الإسرائيلي، ويعطيه زخمًا للمضي قدمًا في تنفيذ مشاريعه. كونفيدرالية الضفة الغربية بعد استنفاد كافة الحلول للتسوية السياسية بين القيادة الفلسطينية والكيان الصهيوني من أجل وقف الاستيطان وتطبيق مبدأ حل الدولتين، الذي تجلى مؤخرًا برفض تل أبيب للمبادرة الفرنسية، وبعد أن ضاق الأفق السياسي في فلسطين بالنسبة للقيادة العامة والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، بدأ الحديث عن خيار "كونفيدرالية الضفة الغربية مع الأردن" يتردد كثيرًا، وهو خيار قديم، لكن أعيد الترويج له من جديد للأسباب السابقة. وبالنسبة للكيان الصهيوني فإن هذا الخيار، حتى لو تم، لا يتضمن أي اعتراف بسيادة للفلسطينيين، فالخيار يقتصر على انسحاب الطرف الصهيوني من المناطق الفلسطينية الكثيفة سكانيًّا، وتركها لتخضع للسيادة الأردنية، الأمر الذي يعني ترك الفلسطينيين ليدبروا أمورهم مع الأردن. والمتبنون لهذا القرار يبررون تجديد هذا الطرح لانسداد أفق الدولة المستقلة، كما أنهم يزعمون أنها محاولة لإحراج الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي؛ لإيجاد مخرج لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة. ويرى مراقبون أن هناك مجموعة من العوامل سهلت من تمرير مثل هذا الطرح الكارثي، منها أن الشارع الفلسطيني فقد الأمل في إمكانية تحقق فكرة الدولة الفلسطينية؛ نظرًا لانسداد الأفق السياسي، بالإضافة لفقدان الثقة في القيادة الفلسطينية وفي إمكانية تحقيقها أي إنجاز ميداني على الأرض، ناهيك عن الوصول إلى حالة الإشباع من الحصار والقيود على الحركة المفروضة على الفلسطينيين، كما يمكن إضافة عامل آخر يتمثل في أن الفلسطيني ينظر إلى الأردن على أساس أنها بوابته إلى العالم الخارجي، وبالتالي فهو يرحب بكل ما من شأنه أن يسهل خروجه واتصاله بالعالم، الأمر الذي من شأنه أن يغيب خطورة الكونفيدرالية في الذهنية الفلسطينية التي تعاني من الحصار الاقتصادي والسياسي. إشكالية هذا الطرح مشكلة الطرح الفلسطيني أنه في حال حدوثه لا يملك البيئة السياسية لنموه؛ نظرًا لطبيعة النظامين، إذ إن النظام في الأردن ملكي، في حين أن النظام الفلسطيني المفترض هو جمهوري، ويخضع لتداول السلطة والانتخابات الديمقراطية: الرئاسية والنيابية، ما يعني أننا إزاء نظامين سياسيين مختلفين تمامًا. الإشكالية الأكبر والأخطر في الطرح الكونفيدرالي في أنه يأتي قبل إقامة الدولة الفلسطينية، الأمر الذي يعد مصادرة لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، وربما يؤدي إلى الإنهاء التام لفكرة الدولة الفلسطينية، بالإضافة إلى أن هذا الطرح يتعارض مع كل القرارات الدولية وقرارات الجامعة العربية، ويلغي حق العودة والتعويض نهائيًّا، فالكونفيدرالية ستعمل ببساطة على نقل ثقل الهاجس الديموغرافي من على كاهل العدو الصهيوني وتصديره إلى الأردن. الضفة الغربية والضم للكيان الصهيوني يبدو أن الكيان الصهيوني يحاول أن يضع الضفة الغربية بين خيارين لا ثالث لهما، فالكونفدرالية من أمامها والضم للكيان الصهيوني من خلفها، الأمر الذي تبينه مقالة المحلل الصهيوني سيفر بلوتسكر، تحت عنوان "الخيار الأردني.. الحل الوحيد الممكن للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي" في صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية في 28 إبريل الماضي. ويبدو أن ممارسات قوات الاحتلال في الضفة تسير في اتجاه ممارسة ضغط أكبر على الضفة الغربية، فالاقتحامات الإسرائيلية العسكرية للمناطق الخاضعة للسيادة الأمنية الفلسطينية مستمرة، بل ورفض الكيان الصهيوني رسميًّا إيقافها، وتتردد أنباء بأن ما يجري على الأرض لم يترك مجالًا لقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 كما تنادي السلطة الفلسطينية، ولا حتى دولة واحدة ثنائية القومية؛ لأن دولة الاحتلال سترفض هذا الحل؛ خوفًا من الهاجس الديموغرافي، ويعتقد أن الأمور تسير باتجاه ضم الكيان الصهيوني للمناطق المسماة "ج" بحسب اتفاق أوسلو، التي تشكل ما نسبته 60 % من الأرض الفلسطينيةالمحتلة، ويقطنها نحو ستين ألف فلسطيني، فتل أبيب تسعى لتمرير مشروع قانون في الكنيست لضم الضفة الغربية للكيان الصهيوني. وكشف قائد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية، شيلا إلدار، النقاب عن أن البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) سيمرر قريبًا مشروع قرار لضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، ونقلت صحيفة "معاريف" العبرية في عددها الصادر مطلع مايو الجاري، عن إلدار، الذي ينتمي إلى حزب "الليكود" الحاكم، قوله إنه حصل على تعهدات من وزراء ونواب الحزب ومن قادة حزب "البيت اليهودي"، بأن يتم سن قانون يشرع ضم الضفة الغربية، مشددًا على أن هذا المشروع "سيكون على رأس أولويات كتل اليمين البرلمانية"، ونوّهت الصحيفة بأن ما ورد على لسان إلدار لقي تأييدًا من نائب وزير الحرب الحاخام إيلي بن دهان، القيادي في "البيت اليهودي"، وأشارت الصحيفة إلى أن بن دهان قال في احتفال نظم في الخليل، الخميس الماضي: "ضم يهودا والسامرة (الاسم العبري الذي يطلق على الضفة الغربية) هو أمر الساعة. الظروف الإقليمية والدولية تسمح بذلك". ونوّهت الصحيفة بأن وزراء بارزين، مثل وزير التعليم نفتالي بنات، يقترحون ضم الضفة الغربية "بشكل متدرج"، منوّهة بأن بنات يقترح أن يتم في البداية ضم مناطق "ج". وأشارت الصحيفة إلى أن قادة مجلس المستوطنات مستعدون لتطبيق قرار الضم بالتدريج "على أن يتم أولًا ضم تجمع أدوميم، الذي يضم كل المستوطنات التي تحيط بالقدس، وعلى رأسها معاليه أدوميم، كبرى مستوطنات الضفة الغربية". ونقلت "معاريف" عن وزير التعليم الصهيوني قوله: "مناطق ج تضم 400 ألف يهودي و70 ألف عربي، وسنعرض على العرب إما الحصول على المواطنة الإسرائيلية أو حق الإقامة". ويرى مراقبون أن هناك خلطة قد تجمع بين الكونفيدرالية والضم، حيث سيضم الكيان الصهيوني المنطقة "ج" من الضفة الغربية، بينما يجري ضم المتبقي من الضفة الغربية إلى الأردن، سواء في سياق الكونفيدرالية أو في أي سياق آخر.