خلال فبراير 1968 قامت في مصر أول حركة احتجاجية طلابية ضد جمال عبد الناصر, فعقب النكسة وخلال 9 و10 يونيو 1967، وبعد تنحي الزعيم الملهم، الذي لا يمكن تبرئته من مسؤولية الهزيمة, وبينما لم يكن الشعب قد أدرك بعد أبعادها الحقيقية, هبوا دفاعا عن الرجل وعن حلمهم المتمثل فيه فاستجاب لهم وعاد للسلطة عاقدا العزم على الإصلاح وتحرير الأرض, وعقدت محاكمات لبعض قادة الطيران وصدرت أحكام هزلية لم ترض العمال ولا الطلبة. كانت الصدمة للرجل العظيم أن من حكم لأجلهم هبوا ضده, الطلبة والعمال، فعمال حلوان الذين أوجد الرجل مصانعهم وشغلهم ووهبهم وأولادهم المستقبل والأمل ثاروا ضده, وجيل الثورة الأول الذي لم يتلوث بما مرت به مصر قبلها خرج محتجاً على صانعه. ورغم صدمة الرجل فإنه استوعب الموقف ورفض إراقة الدماء وأصدر بيان 30 مارس, محاولاً استيعاب القوى الحاضنة لنظام حكمه وأساسه, بل وأساس المجتمع كله, بل ووقود الجيش الذي كان يخوض على الجبهة أشرف وأشرس المعارك. رحل جمال، وأتى من بعده, و قدم معسول الوعود عن الديمقراطية بينما كانت أنياب أمنه تفرم من يعارضه, فثار الطلاب ضده وضد تدليسه مرات عدة 1971, 1972, 1977, لكن السياسي المخضرم أزرق الناب الذي نجح في خداع بيجن وكارتر كما يدعون، فشل في احتواء غضبة الطلبة والعمال, ولم يستخدم إلا أداتين, الأداة الأمنية المباشرة في الضرب والسحل والحبس وقطع الأرزاق, والأداة السياسية غير المباشرة من خلال إطلاق التيار الإسلامي ليواجه اليسار. العمال والطلبة الذين يحمل أولهم الواقع المر بكل ما فيه على أكتافه, والطلبة الذين يحملون المستقبل على أكتافهم, فهم محط اهتمام الدولة وأجهزتها, أوهكذا يفترض, هم أعز ما تملك تلك الدولة, بل وأي دولة. لكن مصرنا الحبيبة, أو من الأوقع أن نقول من حكموا مصرنا الحبيبة لم يعيروا طلابها ولا عمالها أي اهتمام منذ 40 عاماً على الأقل, وتعاملوا معهم على أنهم العبء والثقل، فالقطاع العام الذي أفشلوه عمدا وحطموه كان في أيديهم مجرد سبوبة لتحقيق المليارات من بيعه وتشريد عماله, أما الطلاب الشباب مستقبل الأمة وجنودها فقهروهم وحطموا قلوبهم واستذلوهم بالتعليم السيئ وانعدام التوظيف وإلغاء التثقيف الحقيقي, فسلموهم للضياع ولتيارات الإسلام السياسي المتطرف. هؤلاء الشباب الذين تم تفريغ عقولهم, ويلقونه في أتون المعارك كلما اشتعلت, يرفضون منحه فرصة كأبناء الكبار, يتركون الشاب البائس واقفاً في الصحراء فريسة سهلة للقناصة والعبوات الناسفة, يتركونه يتحمل نتائج فشل سياساتهم في دمج شريحة من المجتمع فيه على مدى 30 عاماً, من التهميش والتعالي والتخوين والاحتقار, لتتحرك تلك الشريحة للانتقام فلا تجد أمامها إلا الشاب البائس لتقتص منه. يستكثرون عليه النقل بطائرة لقضاء إجازاته فتفترسه ذئاب الشر الرابضة على الطرق، وإن أنهى فترة تجنيده سالما، وطالب الدولة بوظيفة استكثرها رجالها عليه, فالوظائف محجوزة لأبنائهم، كل ما لنا هو الفتات فقط, نحترق لندفئهم وقت اللزوم, أما أن نطالب بنصيب مشروع في بلادنا فهذه وقاحة غير مقبولة من وجهة نظرهم (لنتذكر مأساة عبد الحميد شتا) شبابنا وشبابهم, عمالنا ورأسماليوهم, تلك هي المعادلة، هؤلاء السادة يتمتعون بالمرونة الكافية ليضموا إلى زمرتهم كل من ينجح في اقتحامها عنوة, شريطة أن يقر بقانونهم ويقبل بقواعد لعبتهم.