على قهوة بلدي في حي الحسين، اتجمع العشاق والمجاذيب، على صوت مليان شقا وألم بس الضحكة ما بتفرقوش، مابيهموش كرابيك وسياط، 18 سنة في المعتقلات، ويدوب والشمس بتغيب، نأخذ أولى رشفه مع أبو النجوم، ليحكي لنا كعادته عن حواديته ونوادره، ملقيًا ظهره للخلف، رافعًا رأسه لفوق، مغمض العينين. حوش قدم.. جنون العشق والصبا «حوش قدم» أغلى مكان عندي بعد مسقط رأسي، قضيت فيه أكثر من نصف عمري، بحس أني اتولدت من جديد، برجع عيل صغير، فيه بتسخبى وأتونس بالناس، أول مرة دخلت حوش قدم كنت مع سعد الموجي الذي استقبله الناس بحفاوة شديدة، ودخلنا باب "2″ وصعدنا سلم حلازوني لا يصلح لحياة أدمية، ووقتها تعرفت على الشيخ إمام وكانت أول مرة أشوفه. ليلتي الأولى مع «إمام» من ليالي العمر، لأني وقتها كنت عطشان مزيكا، وهو كان عطشان غنى، وسهرنا نغني لحد لما النهار شقشق، ووقتها قررت ترك شقة بولاق، واخترت حوش قدم مأوى لي. عشرتي مع "إمام" فيها نوادر كتير، فأنا لا يمكن أن أنسى شكله وهو راجع من امتحان الإذاعة وقالي أنه اترفض، وحكالي السبب: اللجنة كانت بتمتحن واحد في مقام موسيقي، ورئيس اللجنة قال حاجة غلط، طبعًا «إمام» مش هيسكت، وغلَط رئيس اللجنه وقاله "مين قالك كدا"، فقالوله اسكت يا عم الشيخ دا رئيس اللجنة اللي رد عليها وقاله: يا شيخ أمام أنت بتشرب حشيش، قالهم: أه، فقالوله: لما تحب تجيلنا بطل تشرب حشيش، قالهم مش هبطل أشرب. قصيدة فؤاد قاعود.. من أكتر القصائد اللي أثرت فيها قصيدة كتبها فؤاد قاعود في صباح الخير بتقول: لو غيتك شهرتك/ اعملها طبال/ صوت الكفوف على الدفوف يدوش لكن قتال/ والشهره مهرة حويطة تقلب المختال/ تأزح وترمح اللي راكبه/. عجبتني القصيدة جدًا، وكانت السبب أن ابتعدت عن أشعار الرومانسية والغرام، وبدأت ألتفت للشعر الحر، أيضًا اعجب بها الشيخ إمام ولحن أول قصيد شعر حر لقاعود بعنوان «البياع»، بعدها توطدت علاقتي بهمن هنا بدأت علاقتنا بصحيفة روزا اليوسف، وكانت تجربة مهمة ونقله نوعية بالنسبة لي. ينتبه «أبو النجوم» ويفتح عينه، فيرى الدائرة توسعت، يلمح رجل ستيني يرتدي جلبًا رمادي اللون، السمرة ترسم ملامحه، ظهره به شئيًا من الإنحاء للإمام، وينظر إلى الرجل ويتسم ويقول: تذكرني ب«أبا علي الشمروخ»، ويأخذ «نجم» رشفته الثانية من كوب الشاي، ويحدث نفسه: يا ترى يا أبو علي يا شمروخ لو كنت عايش كنت عملت أيه، عمري ما هنسى مقالبك اللي كنت بتعملها في الإنجليز، يا ترى لو كنت عايش دلوقتي معرفش هتكره مين ولا مين، دول بقوا كتير يا أبو علي، دا أنت اللي علمتنا إننا نقف قدام الظلم والجبروت ونقوله لا. محدش يقولي مين أبو علي الشمروخ دا، كل اللي أعرفه أن احنا طلعنا لقينا الكبار في قريتنا بيقولوه له "يا أبو علي"، كان بالنسبة لي حالة خاصة، كنت دايمًا بشوفه وهو ماسك الفاس والكرويك، كان دايماً يقولي أنت واد جدع، زمان في قريتنا الإنجليز كانوا بينهبوا البلد ويسرقوها حتى أساس المنازل، وكان لازم تهمة السرقة تقع ظلمًا على أحد الفلاحيين اللي شيخ الغفر يختاره، وفي مرة كانت قدامنا عربية الإنجليز وهي محملة البطانطين وباقي المسروقات، فروحت أسلم على أبو علي، قالي أنت لو واد جدع بصحيح روح أخرم كوتش العربية، فكرت وقلت أنا لو خرمتها هيجيبوا غيرها، وورحت جبت شراكن جاز ووولعت فيها، وللأسف اتهموا أبا علي، ونزل العمدة والغفر ضرب فيه لحد ما قلت لهم سيبوه، أنا اللي علمت كدا، رغم أنه كل وشه دم الإ إني شفت فيه إبتسامه رضا عجبية وحضنته وقعدت أعيط، إلا أن العمدة أصر أن يسجنه وبعد 3 شهور قالولي أبوك علي مات في السجن. ينتبه «نجم» لحالة الحزن التي سطت على المكان فجأة، فيحكي للحضور عن شخصية بسيطة كان بيحب يسمع منه غنى «الحاج عبده الدمرداش». الحاج عبده الدمرداش.. «خلخال خطر ع القدم كل المحاسن فيه/ الصايغ إسمه حسن صنع جميع مافيه/ وانا جاني جواب من البلد وسلام حبيبي فيه/ مكتوب بحرف القلم والدمع باين فيه».. الحاج عبده قهوجي من كفر الزاهري، فاتح القهوة عشان يلقي منها أغانيه وكان من سمعيته الشيخ محمد رفعت، الشيخ علي محمود، والست فتحية أحمد والشيخ زكريا، الحاج عبده مش كان بيعرف يقرأ ولا يكتب، لكنه فنان عظيم، مرة سألت الشيخ إمام، إيه رائيك في الحاج عبده، قالي: والله يا أبو النجوم الشعراء بيقولوا عليه الشعراء أنه شاعر كبير أوي، والموسيقين بيقولوا عليه اسطيى كبير في المزيكا، المحزن أن الحاج عبده مات في الغربة، البلد دي غريبة عشاقها بيموتوا في الغربة، محمد فريد، عبدالله النديم وغيرهم كتير ماتو في الغربة. أبو النجوم وحزب الله.. من حياته الخاصة لإسرار العالم السياسي ينتقل بنا إلى لبنان ويكشف تفاصيل لقائه السري مع حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني عام 2000: عندما علم نصر الله بزيارتي للبنان أرسل في طلبي وبعث بسيارة لتقلني، كان الأمر مربيًا بعض الشيء، لكن الحقيقة أن أحدًا لم يحترمني في حياتي مثلما احترمني أعوان نصر الله، فبعد اتخاذ الإجراءات الأمنية نقلوني في رحلة سرية. ما أن توقفت بنا السيارة حتى وجدت نفسي أمام بوابة كبيرة فتحت أمامي، لأجد في استقبالي نصر الله، لا أستطيع أن أصف حجم المشاعر التي غمرتني في تلك اللحظة التاريخية، خصوصا بعد أن فتح الرجل ذراعيه ليعانقني بحب لمدة دقيقتين، دون أن يلفظ أحدنا بكلمة. رافقته بعدها إلى طابق علوي في المقر، وسألته: لما لا تنشئ جريدة في مصر يا سيد نصر الله؟ ثم وجدتني استرسل في شرحي للفكرة التي أردتها مشروعا ناجحا لهذا القائد: هل أدلك على معلومة ربما قد لا تكون على علم بها؟ فرد عليّ: نعم أكيد؟ قلت: إن أشد المتحمسين لك في مصر هم الأقباط، فوجدته يرد بمنتهى الحماس: هذه هي مصر التي أعرفها. ثم قال نصر الله في شأن إنشاء الجريدة: قد أفعل ذات يوم. فقلت: يجب أن تنتهز فرصة وعد السلطات المصرية بالتكفل بحرية التعبير. فرد: لا أظنهم بهذا الغباء. وعلقت: إنهم فعلا أغبياء وأكثر مما تتصور..بعدها راح قائد حزب الله يستحضر معي حادثة استشهاد ابنه هادي قبل شهرين، فقال عندما جاءه الخبر تسلح بالصبر وطلب أن يصلى عليه ويدفن كبقية الشهداء. انتهى كوب الشاي مع الفاجومي، بعد أن خفت الأرجل في الطرقات واحتل النعاس وجوه السائرين ليلًا: لكن لا يمكن أن ننهي لقاءنا دون أن نذكر أخر وصية لسفير الفقراء قبل رحيله، آبان إقامته أخر أمسية شعرية له بالعاصمة الأردنية عمان «لا تصمتوا بعد الآن أمام الظالم والمستبد، ولا تقبلوا التنازل عن حقوقكم الأصيلة، وارفعوا صوتكم بلا خوف، فقد نزع الشباب كل أقنعة الكبار، ونحن نتعلم من هذا الجيل».