انطلقت الدعوة الوهابية من قاعدة أن كل ما هو خارج إطارها كفر محض؛ لتوجد لنفسها مبررات الدعوة والانتشار العنيف، ويوضح هذا المسار التاريخي بأن "الوهابية قامت على أساس أن كل ما هو موجود منذ وفاة "شيخ الإسلام ابن تيميه" حتى ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج نطاق التوحيد وخارج نطاق العقيدة الصحيحة. وتؤمن الوهابية بأن العقيدة الصحيحة التي جاء بها ابن تيمية انتهت بعد وفاته، وعاش المسلمون ستة قرون في جهل وضياع إلى أن ظهر محمد بن عبد الوهاب وأحيا هذه الدعوة، وكأنما هو الإحياء الإسلامي الثاني أو انبعاث الإسلام الثاني على يديه؛ ولذلك النصوص التي كتبها ابن عبد الوهاب سواء في رسائله العقائدية أو في رسائله إلى الجوار أو حتى إلى الأبعدين كانت دائما تنطوي على تكفير الآخر وتبرز له كيف يكون على صواب وحق ويجب أن يصحح عقيدته. فقد قامت الوهابية على ثلاثة أضلع، هي "تكفير المجتمعات، والهجرة منها بمعنى أن ينفصل المؤمنون بالعقيدة الوهابية عن غير المؤمنين بها، وأن يشكلوا دار هجرة خاصة بهم، أي مجتمع مضاد كما يقال، بحيث إن هذا المجتمع المضاد يتأهب ويتهيأ لمرحلة يكون قادرا فيها على الجهاد، والضلع الثالث هو إعلان الجهاد على هذا المجتمع". وتثبت الوقائع التاريخية أن الوهابية لا تنتشر بصورة سلمية، بل بإجبار المجتمعات وإرغامها على اعتناق الوهابية، بمعنى أنها دعوة لا تنتشر إلا بحد السيف. «البديل» رصدت آراء علماء الأزهر حول الخلفية الدينية والأيديولوجية لهذه الحركات، والتي أبرزت أمامنا المذهب الوهابي بصفته المرجعية الأساسية التاريخية والمحركة لانبعاث هذا الحراك الدموي باسم الإسلام ابتداء من ما يعرف بتنظيم "القاعدة". يقول الدكتور عماد حجاج – مفتش أول دعوة بمديرية أوقاف الجيزة، إن الإمام الغزالي قال: «يضيع الدين بين فئتين: فئة متشددة وهي تكفر كل شيء وتحرمه على الخلق، وفئة المتساهلة التي تفتي بأن كل شيء حلال ويجوز والإسلام بريء من هذا وذاك». الدين الإسلامي هو الوسطية وقد نهى الدين عن التطرف. وأضاف «حجاج» أن الإسلام حارب التشدد منذ هدى الله الإنسان إليه؛ حتى التشدد في الصدقة مرفوض، لافتا إلى أن المتشددين يفرضون النقاب على المرأة باعتباره فرضا من الله، رغم اتفاق الأئمة الأربعة أن النقاب ليس فرض، لكنهم يصرون على تشددهم غير المبرر. وحول أسباب هذا التشدد، قال «حجاج» الأموال التي ضخها رجال الخليج لدى الكثيرين ممن نصبوا أنفسهم مشايخ للإسلام ويفتون ويتحدثون باسم الله، تسببت أسهمت في محاولتهم فرض ما يرون. أما عن سبل التصدي لتلك الحركة وهؤلاء المتشددين، فقال «حجاج» الحل هو الردع القانوني والقبض على كل من يرتدى عمامة الأزهر دون أن ينتمي لهذه المؤسسة، وإطلاق قناة فضائية وسطية تتحدث باسم الأزهر، وتستضيف علمائه ورجاله لتتيح التعريف بالدين الوسطي الحنيف، وتغلق الباب أمام كل من يدعو إلى نشر الفكر الوهابي في مصر، بالإضافة إلى ضرورة سيطرة وزارة الأوقاف على جميع الزوايا والمساجد في القرى والنجوع من القاهرة إلى أسوان، بدلا من سيطرة بعض الجهلاء على هذه الزوايا واعتلائهم المنابر عنوة، مثلما فعل "محمد حسين يعقوب" بالمخالفة لقرار الوزارة. وترى الدكتورة آمنة نصير – أستاذ العقيدة والفلسفة والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، إن الفكر السلفى جاء إلينا مغلفا بثقافة شبه الجزيرة العربية وبكل تراثها الفقهى والفكرى المتشدد المتوارث عن محمد بن عبد الوهاب؛ ذلك الفكر الذي انطفأ فى الجزيرة العربية وباتت مصر هي أرض الاستبدال لإحيائه، وتنفق عليه المليارات، وأصبحت الفضائيات الدينية تبث هذا الفكر ليل نهار، مما أوجد حالة من الانبهار لدى المجتمع المصري. وأوضحت «نصير» أن تراجع دور الأزهر ساعد على انتشار الفكر الوهابي، الذي بهر به الفقراء، مشيرة إلى أن الاستمرار في غياب الخطاب الوسطي يقودنا إلى التطرف والتكفير، وظهور الكثير من الجماعات التكفيرية التي تنزع الولاء إلى الوطن، وتنشر فكرة الجهاد بصورة تصب في مصلحة الإرهاب. وأضافت أن إنشاء المعاهد الأزهرية بشكل أوسع يساهم في عودة دور الأزهر إلى ما كان عليه، ويقدم الإسلام الوسطي الذي يأمرنا بتقبل الآخر ونبذ العنف واحترام الديانات وأهلها؛ فهذه المعاهد دورها بمثابة "المُحارب" للأفكار التكفيرية التي لا علاقة لها بالدين. أما الدكتور محمد عبد الحميد – أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، فقال إن غياب الخطاب الديني ساهم في انتشار الجماعات المتطرفة، فتلك الجماعات بدأت بالصوفية وانتهت بالتكفير، وانتشر الفكر الوهابي بين عموم الشعب، فاقتنع البعض بالفكر السلفي ثم الجهادي وهو ما أدى إلى الإرهاب الذي تشهده مصر خلال هذه المرحلة؛ فظهرت جماعات التكفير والهجرة والجهاد الإسلامي وتنظيم القاعدة لردع معتنقي الصوفية الذين يرون منهجهم مليء بالبدع وبعيد عن منهج أهل السنة والجماعة. وشدد على أن الفكر لا يحارب إلا بفكر مثله، لا بالحرب أو بالسلاح؛ فالإسلام هو الالتزام بمنهج النبي وسنته والقرآن.