أصبح من المعروف أن ظاهرة أطفال الشوارع، تعتبر من أكثر الأزمات خطورةً بمصر، بل أن الأعداد تتضاعف بشكل جنوني، لتتجاوز 3 مليون طفل، بلا مأوي، ولكن كل التخوفات التي كانت درستها وحذرت منها آلاف الأبحاث منذ عشرات السنين، من انفجار تلك القنبلة الموقوتة في وجه المجتمع، وتحولها للعنف المنظم، حدثت بالفعل بعد اندلاع ثورة 25 يناير، وأصبح المجتمع يواجه استخدام جديد لأطفال الشوارع وتوظيفه في العنف السياسي. والدليل على ذلك، الأعداد الكبيرة المقبوض عليها من الأطفال بعد الثورة، وفقًا لإحصائيات الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث وحقوق الإنسان في الفترة من يناير 2012 وحتي الآن، حيث وصل القبض «العشوائي» في محافظة القاهرة إلي 4376 طفلاً، وفي محافظة الإسكندرية وصل عدد الأطفال المقبوض عليهم ل3723 طفلاً، ليصبح عدد الأطفال الذين قبض عليهم وتعرضوا للاحتجاز في تلك المدة حوالي 8 آلاف طفل. حاولت "البديل" مع الخبراء والمحللين النفسيين والاجتماعيين، قراءة الظاهرة في ضوء تلك المستجدات الحديثة وكشف مدي خطورتها. حيث قالت الدكتورة فادية أبو شهبه- أستاذ القانون الجنائي ورئيس قسم بحوث المعاملة الجنائية بالمركز القومي للبحوث، أن ظاهرة أطفال الشوارع وصلت لدرجة من الخطورة التي أصبح معها ضرورة التدخل من أجل التصدي لها، وأهم هذه المخاطر، هي الاستغلال الجنسي للأطفال، سواء بنات في الدعارة والذكور في البغاء، بالإضافة إلى استخدامهم في ترويج المخدرات بالمدارس والجامعات والمناطق العشوائية، أما عن الاستغلال التجاري، وفيه يتم سرقة أعضاء الأطفال سواء كلي أو قرنية، نظرًا لاعتبارهم صيد سهل، لا يحصل على مقابل مادي أو لغياب المسئول عنه في حالة موته. وأضافت "أبو شهبه"، أنه بعد الثورة، أصبح هناك استخدام أخر للأطفال في السرقة بالإكراه، وتنفيذ أعمال البلطجة والشغب في الأماكن التي تندلع بها المظاهرات والاعتصامات، ومن ثم تحولت تركيبة أطفال الشوارع، من مجرد أطفال عابثين متفرقين، إلى تكوين تشكيلات عصابية تقوم بالسلب والنهب في وضح النهار، فضلًا عن استخدامهم للأسلحة. أما عن أسباب تفاقم الظاهرة، قالت "أبو شهبه"، طالما نفس الظروف الإقتصادية السيئة موجودة، فلن تختفي الظاهرة، بل تولد جيل ثاني وثالث من أطفال الشوارع، من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتضخم حجم العشوائيات، فضلًا عن سوء التربية والقسوة في المعاملة وغياب الوعي لدي الكثير من الأسر ومن ثم تصبح قنابل موقوته طاردة للأطفال، الذين لا يلقوا ملاذا لهم سوي الشارع. وطالبت "أبو شهبه"، بضرورة تطوير مؤسسات الايواء وزيادة أعدادها حتى تغطي جميع أنحاء الجمهورية، فضلًا عن ضرورة أن يكون الإيواء كاملًا، وليس مجرد ساعات معينة من اليوم، لأن ذلك يدفع الفتيات والذكور، للجوء للشارع وممارسة الجنس معا، مخلفين جيلًا أخرَ بالشارع، مع ضرورة تأهيل المسئولين في هذه الدور نفسيًا واجتماعيا حتي يكونوا قادرين علي التعامل بشكل ايجابي وعلمي مع هذه التركيبات النفسية المعقدة لأطفال الشوارع ، وإلا ستظل هذه الدور بما تعانيه من فساد وإهمال، مجرد مفرخه لا تتوقف عن دفع الأطفال لمزيد من الانحراف واللجوء للشارع. بينما يري الدكتور جمال فرويز – استشاري الطب النفسي، أن أطفال الشوارع هم شخصيات "سيكوباتية" مضطربة، تعاني من عدم الاكتراث واللامبالاة، لا تتوقف عن تكرار الأخطاء، تتجه للعنف والسرقة والمخدرات والانحرافات الجنسية، ومن ثم هذه الشخصيات السلبية تمثل خطورة كبيرة على الأمن القومي المصري. وأضاف "فرويز"، أن ظاهرة أطفال الشوارع، انفجرت بكل وضوح وقت الثورة، وشاهد الجميع هؤلاء البلطجية المخربين، الذين حرقوا المجمع العلمي، مشيرًا إلى إن هذه الشخصيات التي لا تتمتع بأي ولاء أو انتماء للدولة، وكان من الطبيعي أن تستخدم هذا العنف دون أن تشعر بالذنب. كما أضاف "فرويز" أن العلم يؤكد أن الشخصيات السيكوباتية، لا يمكن أن تتغير، ولكن يمكن تعديل بعض سلوكياتها لتصبح أكثر قبولًا من المجتمع، ومن ثم يمكن تطبيق نفس التجربة الانجليزية على أطفال الشوارع، حيث أرسلت انجلترا كل المنحرفين والخارجين عن القانون إلى أستراليا لكي يبدأوا حياة جديدة، ويبتعدوا عن بيئتهم الإجرامية. واستطرد "فرويز"، مؤكدًا أن وزارة الدفاع والجيش هي الجهة الوحيدة القادرة للسيطرة على تلك الأجيال من أطفال الشوارع، وتقوم بإرسالهم إلى توشكى، وتقوم بتمليكهم أراضي جديدة، وتدفعهم للعمل والاستصلاح، ومن ثم يسترد هؤلاء المنحرفين الثقة بأنفسهم مرة أخري، ويزرع بهم الانتماء والإحساس بأهمية هذه الدولة ورعايتها لهم، فبدلًا من أن يكونوا منبوذين، يصبحون منتجين فاعلين، قادرين علي تحقيق دخل وتكوين أسرة جديدة. ويري "فرويز" أن الخطورة التي تواجه الدولة بعد الثورة من أطفال الشوارع، هي استغلال الأطفال السياسي، سواء من الشعب أو الإخوان، فالإخوان خلقوا أجيالًا جديدة من أطفال كارهة للحياة، جعلوهم يرتدون الأكفان، ليكون الموت هو الحل عند اختلافهم مع الأخر، فضلًا عن بث مشاعر الكراهية والعداء لجيشهم الوطني، لينشأ جيلًا بلا انتماء ولا هوية لبلده، وبالتالي كان من الطبيعي استغلالهم في التفجيرات أو العنف في المظاهرات كدروع تواجه الشرطة. ويؤكد علي ضرورة إخراج الأطفال من المعادلة السياسية، وعدم الزج بالأطفال من كلا الطرفين في معارك أيديولوجية، ليس لهم مصلحة بها، وتربيتهم على الكراهية للمجتمع. وتتفق معه "مها مأمون"، مؤسس الحملة الشعبية لإنقاذ الأطفال، في أنه نتج عن هذا الاستغلال السياسي للأطفال اعتقال العشرات من الأطفال القصّر، ومن ثم تسعي الحملة للضغط على المسئولين ومتخذي القرار بشان تفعيل قانون حقوق الطفل رقم 126 لسنة 2008 وتنفيذ سبل الرعاية الحقيقية لهم. قالت "مأمون" أن أطفال الشوارع ضحية كل الظروف السلبية، والخلل الموجود في البنيان المجتمعي من فقر وجهل وأمية، مشيرة إلى أن الظاهرة لم تنفجر عواقبها بعد في وجه المجتمع، فهؤلاء الأطفال الذين يصدروا عنفهم لبعض الآن، سيتحولون فيما بعد إلى عصابات محترفة، تمارس الجريمة المنظمة، مؤكدة أن التعامل الأمني مع أطفال الشوارع وإلقائهم في دور الرعاية الاجتماعية، ليس حلًا للمشكلة، بل يزيدها تعقيدًا. حيث أوضحت "مأمون": لا نريد أن نخلق "توربيني" جديد قاتل سفاح، بعد أن كان طفل شارع خجول، ينتهك من الجميع، ويمارس العنف ضده من المجتمع والأفراد، مؤكدة أن دور الرعاية تحولت إلي أماكن للجريمة، نظرًا لإهمالها وفساد القائمين على إدارتها، ومن ثم هي تخلق مجرمين وليس أسوياء. وطالبت بضرورة تفعيل لجان الحماية التابعة للمحافظة ويتم تزويدها بمجموعات من المتخصصين المؤهلين نفسيًا وقانونيًا، ليكونوا قادرين على التدخل السريع في إنقاذ الأطفال عند تعرض للعنف الأسري، أو العنف المدرسي، الذي يدفع للتسرب من التعليم، ومن ثم تلعب هذه اللجان أدوار هامة في القضاء على جذور المشكلات التي تكون سببًا رئيس في تضخم ظاهرة أطفال الشوارع. أخبار مصر- البديل