إشكاليات الفوضى الأمريكية: الإدارة الأمريكية تُسميها الفوضى الخلاقة, حيث يتم زرعها (أى زرع الفوضى) فى دول أخرى, من أجل تسهيل تحريف مسارات الإستقرار والتقدم لهذه الدول. إنها "فوضى خلاقة" بالنسبة لمصالح الولاياتالمتحدة وحلفائها, بينما هى "فوضى هدامة" للدول والكيانات التى تنشأ فيها. من ناحية أخرى, العلم يقول أنه إذا نشأت الفوضى داخل أى كيان (دولة أو مؤسسة ..الخ) بفعل نظام خارجى, أو عملاء داخليين لهذا النظام, فإنها حتما "فوضى هدامة". لقد تمكنت الفوضى الأمريكية/الغربية بالضربة القاضية (أو تكاد) من كيانات عربية شقيقة (فى العراق و سوريا و ليبيا ... الخ), وهى الآن تستميت فى محاولة التمكن من الكيان الأكبر مصر, ولو بالنقط. ذلك يفسر سر التركيز الأمريكى- الغربى على التدخل فى إدارة اللحظة الثورية المصرية الراهنة, والتى يتجه فيها المصريون الى التخلص من الورم السرطانى, الذى صار يستخدم الدين فى تهديد الإستقرار والسلام فى مصر, بعد أن مارس سرقة الثورة بإسم الدين, بينما الدين منه براء. فالنتخيل, فى اللحظة الراهنة, لو أن الإدارة الأمريكية, بدلا من الإرسال المحموم لرسائلها و لمبعوثيها ومبعوثى حلفاءها الى مصر للقاء مرسى وأقرانه, تلتزم بموقف محايد معلنة فيه أن فى مصر ثورة, وأن الثورة تطور نفسها بالنهج الذى يراه المصريون أنفسهم, الأمر الذى يُعد شأنا وطنيا داخليا ليس للولايات المتحدة أن تتدخل فيه. لو أن هذا النهج كان من لون الإدارة الأمريكية لكان من المستبعد أن يستولى الإخوان على الثورة, وأن يحاولوا الإستمرار فى حكم البلاد بالقوة الفيزيائية (أى بالعضلات والسلاح) برغم تمرد ملايين المصريين عليهم (فى 30 يونيو الماضى), ولكان العالم (وليس فقط بلدا بعينه) أكثر إستقرارا. المواجهة الوطنية للفوضى على مدار الساعة: وطالما أن الحرج الذى يعيشه المصريون الآن قد نتج (ولو جزئيا) من التعضيد الأمريكى/ الغربى (أى التعضيض العولمى) لقوى داخلية خارجة على القانون, فضلا عن خروجها على الثورة, فإن المواجهة تستدعى تعبئة وطنية (على مدار الساعة), وعدم الإكتفاء بتفويض الجيش, أو الشرطة, أو قيادة الدولة. الأهداف التعبوية: 1) منع تحول البلاد الى فوضى مزمنة (أى مستمرة), من خلال العنف الإرهابى, والذى يتذرع – حاليا – بالدين. 2) تأهيل الجهات الأمنية الوطنية للتخلص من الخوف أو الحرج فى التعامل مع الحركات غير السلمية التى جرى ويجرى زرعها بواسطة الإخوان, أو بواسطة المتاجرين بالدين, والمغيبين بإسم الدين. 3) التحرك الإعلامى (السياسى/الثقافى) المكثف, داخليا وخارجيا, لمنع سوء فهم (أو سوء إستغلال) متطلبات وحركيات الحفاظ على الأمن الوطنى العام. مداخل للتعبئة الوطنية المساندة للأمن الوطنى العام: أولا – تشكيل ثلاث كيانات (أو أوعية ذهنية Think tanks) من الخبراء (من المفكرين والأكاديميين الإستراتيجيين), على النحو التالى: أ) كيان يختص بالمواجهة الأمنية. ب) كيان يختص بالمواجهة الإعلامية الداخلية. ت) كيان يختص بالتعامل مع الإعلام الأجنبى والكيانات الدبلوماسية الأجنبية. ثانيا – التعامل اليومى, للكيانات السابق ذكرها, مع أوضاع وحركات الأمن القومى, بالتشارك مع المسؤلين الرسميين , وتحت مظلة الرئاسة (على غرار ما سيلى فى النقاط التالية). ثالثا – التوصل الى (وتصحيح) التوجهات والنداءات العامة, بما يناسب الأهداف التعبوية. مثلا: التحول من النداء بعدم ممارسة العنف ضد التظاهرات السلمية (الأمر الذى لانعانى منه حاليا) .., الى المطالبة الصريحة بالتصدى الفعّال للتظاهرات غير السلمية. هنا يجدر الإنتباه الى أن النداء الناعم, من جانب بعض الشخصيات أو الكيانات المحلية, ب "عدم ممارسة العنف ضد التظاهرات السلمية", هو تحصيل حاصل للأوضاع العادية, حيث البلاد لاتقاسى حاليا من ممارسة للعنف ضد تظاهرات سلمية (كما كان عليه الحال زمن مرسى وحكومة الإخوان), وبالتالى لاتوجد حاجة ملحة له. ذلك بينما, فى المقابل, توجد حاجة ملحة جدا للنداء بالتصدى الفورى لتظاهرات (أو إعتصامات) تحمل السلاح, وتمارس العنف الإرهابى. بمعنى آخر, الظرف الوطنى الجارى يحتاج الى الإمتناع عن الحرج السياسى تجاه الضغط الأمريكى, أو الحرج الناتج عند بعض الجمعيات الأهلية ممن قد تكون معتمدة (أو قد إعتمدت) ولو جزئيا على دعم أمريكى ما. رابعا – تشكيل حوائط صد ومنصات توجيه, فكرية وتطبيقية, فيما يتعلق بالتصدى للإرهاب الجارى: من أمثلة الكيانات التى يمكن أن تتشارك فى صنع وتطبيق حوائط الصد ومنصات التطبيق, كيانات على غرار: - المجلس القومى للمرأة. - كفاية والجمعية الوطنية للتغيير وتمرد. - الكيانات ذات الصلة بالرأى العام المتعلق بالقرار القومى, مثل نقابات ونوادى الصحفيين والمحامين والقضاة والعمال, والفلاحين, فضلا عن قوى الأحزاب السياسية, ومراكز الدراسات الإستراتيجية. - الأزهر والكنائس. خامسا – إعتبار أن ليس هناك قيادة سياسية فردية لهذه المواجهة (أى لمواجهة الإرهاب), سواء بواسطة الرئيس, أو رئيس الوزراء, أو أى وزير. ذلك أن القيادة تكون "جماعية" بواسطة الكيانات الرئيسية الثلاث المذكورة أعلاه, وتتكامل تحت مظلة المسؤلين الرسميين, وبالتشارك مع الكيانات الفرعية التى يمكن تشكيلها والإعتماد عليها. سادسا – تظل المليونيات الشعبية العظيمة للمواطن العادى, والذى هو سر الثورة, وسر مصر, هى الجمعية العمومية لإستكمال الثورة, ولحمايتها من الإرهاب السياسى بإسم الدين.