"برلمانية المؤتمر": الخدمة العسكرية مدرسة وطنية.. ونطالب بآليات حديثة لإبلاغ المستدعين    رئيس جامعة المنوفية يهنئ اللواء إبراهيم أبو ليمون بتوليه محافظ بورسعيد ويشيد بإنجازاته    استكمال المشروعات وخلق فرص عمل والاستماع للمواطنين .. ملفات تواجه محافظ قنا الجديد    فصل الكهرباء عن مدينة الرياض بكفر الشيخ وعدد من القرى التابعة غدًا لمدة ساعتين    إنتاج وتوطين صناعة المصاعد في مصر يبدأ مع مجموعة طلعت مصطفى بمدينتي    لاريجاني: طهران لا تسعى للحرب لكنها لن تستسلم للتهديدات    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره الكيني تعزيز الشراكة الاستراتيجية والتعاون الثنائي    أين الطيار الحقيقي؟ رسائل غامضة في ملفات إبستين تثير تساؤلات حول 11 سبتمبر    تشكيل مودرن سبورت للقاء كهرباء الإسماعيلية في الدوري    كل ما تريد معرفته عن قرعة ربع نهائي كأس الكونفدرالية    مورينيو قبل صدام ريال مدريد: الملك الجريح أكثر خطورة ولا توجد نتيجة محسومة في الذهاب    ضبط مسجل خطر استولى على حسابات المواطنين البنكية بالمعادي    بعد دفنها.. هذا هو موعد ومكان عزاء والدة الفنانة ريم مصطفى    من يؤم المصلين فى أول صلاة تراويح بالحرمين؟    مجلس الوزراء: تخصيص 3 مليارات جنيه لإسراع إنهاء قوائم الانتظار والحالات الحرجة    تحصيل القمامة واكتمال منظومة ضبط التوكتوك.. أبرز ملفات محافظ الغربية الجديد    شوبير ينتقد أزمة حراسة الزمالك ويطالب عواد بالاعتذار والالتزام بقرارات الإدارة    تقرير: باتريس بوميل يتولى تدريب الترجي    بنك مصر يوقع إتفاقية مع مؤسسة التمويل الدولية بقيمة 150 مليون دولار    الطقس غدا.. انخفاض الحرارة 6 درجات ونشاط رياح وأتربة والصغرى بالقاهرة 13    كارثة كادت تحتجز الأرواح.. الأمن يضبط طفلاً قاد ميكروباص بمنتهى الطيش    ضبط شخص بالقاهرة لقيامه بالنصب والاحتيال على المواطنين والاستيلاء على أموال    حريق هائل بمبنى تحت الإنشاء تابع لمدرسة في التجمع الخامس    الإعدام لعاطل قتل صديقه وألقى جثته بالطريق العام فى الإسكندرية    رئيس وزراء المجر: علاقاتنا مع واشنطن تشهد عصرا ذهبيا    مؤتمر التحكيم في عقود الاستثمار بجامعة القاهرة يختتم أعماله بطرح رؤية علمية لتطوير بيئة التحكيم    بروتوكول تعاون بين الإفتاء وجامعة سوهاج الأهلية لتعزيز التعاون المؤسسي    رمضان 2026.. تعرف على القنوات الناقلة لمسلسل "أولاد الراعي"    وزير الأوقاف: الموسم الأول لدولة التلاوة حقق نجاحا غير متوقع    لواء العمليات إلى ديوان الإسماعيلية.. نبيل حسب الله محافظا لعروس القناة    خلال يوم الاستدامة العربى.. تكريم أحمد أبو الغيط لجهوده فى ملف التنمية    سعيد صديق: يوسف الشريف ديما عنده رغبة تقديم عمل يحترم عقل المشاهد    انطلاق الدورة الثامنة لصالون الدلتا للشباب في مركز طنطا الثقافي    ماسبيرو 2026 .. مسلسل "جدو والعيلة" في الإذاعة المصرية خلال رمضان    «المدينة التي لا تغادر القلب».. كلمات وداع مؤثرة لمحافظ الإسكندرية قبل رحيله    مالين: جاسبريني لعب دورًا كبيرًا في اختياري لروما    إطلاق مشروع لتعزيز الخدمات الطبية الطارئة في مصر بقيمة 3.4 مليون دولار    أسرة مسلسل "لعبة وقلبت بجد" تحتفل بتحقيق 2.2 مليار مشاهدة.. اعرف التفاصيل    «تطوير التعليم بالوزراء» ونقابة البيطريين يبحثان المسارات الأكاديمية لجامعة الغذاء    رمضان 2026.. إستراتيجيات فعالة لتدريب طفلك على الصيام    إصابة 8 أشخاص في حادث تصادم مروع بالشرقية    بشير التابعي: عدي الدباغ أقل من قيمة الزمالك أكد بشير التابعي، نجم نادي الزمالك ومنتخب مصر    متى يكون صيام الحامل خطرا؟ الصحة العالمية تجيب    اضبط تردد قناة طيور الجنة 2026 لمتابعة برامج الأطفال التعليمية والترفيهية    أبو الغيط: التنمية في زمن الأزمات ليست ترفا مؤجلا بل شرط للبقاء    الجامعة العربية ترفض مصادرة الاحتلال لأراضي الضفة: غطاء لضم غير قانوني    منع تصوير الأئمة والمصلين أثناء الصلوات فى رمضان بمساجد السعودية رسميا    لاريجاني: إيران مستعدة لمفاوضات نووية عادلة دون المساس بأمنها    لليوم ال 16.. التموين تواصل صرف مقررات فبراير وتستعد ل الدعم الاضافي    البرلمان يحيل مشروع قانون الإدارة المحلية إلى اللجان المختصة    وزارة التضامن الاجتماعي تقر تعديل قيد 3 جمعيات فى محافظتي الغربية والبحيرة    سعر الذهب اليوم في مصر الإثنين 16-2-2026 وعيار 24 عند 7680 جنيهًا    عاجل- الأوقاف تعلن ضوابط الاعتكاف بالمساجد خلال شهر رمضان 2026    اليوم..نظر محاكمة 25 متهمًا ب"خلية أكتوبر الإرهابية"    أحمد هيكل: عبد الناصر أخطأ لكن حبه في قلوب المصريين كبير.. والمجتمع الإسرائيلي غير جاهز للسلام    د.حماد عبدالله يكتب: " الأصدقاء " نعمة الله !!    أدعية الفجر.. كنوز من القرآن والسنة لبداية يوم مبارك    رئيس الوزراء: دراسة مالية شاملة لضمان استدامة التأمين الصحي الشامل وتوسيع نطاق الخدمات للمواطنين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



علي مبروك: الوضع المُقتَرَح للأزهر كمرجعية تفسير يجعل منه مؤسسة "كهنوت".. وتقديس ما هو إنساني مقصد السلفيين
نشر في البديل يوم 21 - 07 - 2012

المفكر الدكتور علي مبروك، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، له العديد من الكتابات حول التراث، والشبكة المفاهيمية التي تنتظم بناء تراثنا العربي والإسلامي. ويحتل مفهوم "الشريعة" موقعًا مهمًا في قلب هذه الشبكة؛ ومن هنا ما يبدو من إنشغال "مبروك" الواضح به، في كتابيه "ما وراء تأسيس الأصول"، و"لعبة الحداثة بين الجنرال والباشا".
وخلال الأيام القليلة الماضية انتهت لجنة المقومات الأساسية للمجتمع بالجمعية التأسيسية لوضع الدستور، من وضع المادة الثالثة من الدستور، حول مرجعية الأزهر الشريف لشئون المسلمين. ونصت المادة المستحدثة في مسودة الدستور على أن "الأزهر الشريف هيئة إسلامية مستقلة مقرها مصر ومجالها العالم الإسلامي والعالم كله، تختص بالقيام على كافة شئونها وتكفل الدولة الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضها ويكون رأى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف المرجعية النهائية للدولة في كافة الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية".
كما شهدت الساحة السياسية والثقافية لغطًا حول مفهوم الشريعة ومبادئها وأحكامها، ولمن تكون السيادة: لله؟ أم للشعب؟ وحول الشريعة كمفهوم ومقاصدها وغاياتها، و"عمل اللجنة التأسيسية"- المثير للجدل- كان لنا مع المفكر الإسلامي هذا الحوار..
- المفاهيم بوابة كل علم ومستهل كل تخصص.. كيف تقرأ مفهوم الشريعة الآن؟
للأسف، في مصر، أدت حالة عدم الانضباط المعرفي للمفاهيم إلى إلتباسها وتشوشها‏,‏ على النحو الذي جعل منها موضوعًا للتلاعب‏,‏ وليس الفهم‏.‏ وباتت أدوات يتحارب بها الناس ويتناحرون, بدل أن تكون ساحات يتواصلون عبرها ويتحاورون. ومن بين هذه المفاهيم مفهوم الشريعة, الذي تشهد اللحظة الراهنة استخدامًا متزايدًا له من جانب جماعات الإسلام السياسي التي تستثمره في صعودها المتسارع نحو السلطة في العالم العربي على العموم, وذلك فضلا عن شحذها الجاري له لتحسم به الجدل المرتقب حول الدستور في مصر.
ولسوء الحظ، فإننا لا ندري أية وجهة من وجهات الشريعة، ودلالاتها، يقصد من يستخدم هذا المصطلح؟ فمفهوم الشريعة أحد المفاهيم المحملة بدلالات تاريخية نشأت عن الاشتغال عليه ضمن تحديدات مكانية وزمانية لعبت دورًا في حاسمًا في تركيبه، وهذه الدلالات لا تتطابق تماماً- وعلى نحو آلي- مع دلالة المفهوم بحسب التداول القرآني له. والواقع يثبت أن من يستخدمون مفهوم "الشريعة" هذه الأيام يستدعونه بمحمولاته التاريخية فقط، ويسكتون تمامًا عن الفضاء الرحب للتداول القرآني له.
- ما الفرق بين المفهومين؛ التاريخي والقرآني؟
المفهوم القرآني للشريعة يضعك أمام نوعٍ من التداول بالغ الرحابة والانفتاح، فيما ذهبت الاشتغالات التاريخية على المفهوم إلى التضييق من تلك الرحابة، بعد أن صار المفهوم موضوعًا للانحيازات، ومقتضيات الظروف والأحوال والرؤى، والأوضاع السسيوثقافية، مما جعلنا أمام نوع من الفهم المنغلق الضيق الذي تتحكم فيه تصوراتٍ صنعتها عصور الجمود والركود الطويل التي عاشتها المجتمعات الإسلامية. ولسوء الحظ, فإن الأمر لايقف عند مجرد ركود المفاهيم وجمودها, بل يتجاوز إلى الإنحراف بها عن المجال التداولي لها في القرآن. وبالرغم من ذلك, فإن منتجي هذا الفهم وحراسه لايكفون عن الإدعاء بأن القرآن هو مصدر تلك المفاهيم, لكي يهبوها حصانته وقداسته.
- عمليًا كيف تم ذلك؟
الشريعة في القرآن، ومن خلال البحث عن الجذر اللغوي شرع ومشتقاته نجد أنه قد ورد أربع مرات; كان في ثلاث منها منسوبًا إلى الله وحده, وفي المرة الوحيدة التي نسب فيها القرآن الفعل شرعوا إلى البشر, فإن ذلك كان على سبيل الاستنكار والتعريض؛ وبما يعنيه ذلك من إصرار القرآن على نسبة "الشريعة" إلى الله وحده. وهنا يلزم السؤال (أولاً) عن مجال تلك "الشريعة" التي ينسبها القرآن إلى الله وحده، ثم السؤال "ثانياً" عن مدى جواز استخدام لفظ "الشريعة" للإشارة إلى البناءات التي تدخل الفاعلية الإنسانية في إنجازها "كالفقه مثلاً". وبخصوص السؤال الأول، فإن كل موسوعات التفسير الكبرى "للطبري والرازي والقرطبي وابن كثير وغيرهم" تتفق في تفسيرها لآية "شرع لكم من الدين" على أن المقصود من الآية أنه يُقال: شرع لكم دينًا تطابقت الأنبياء على صحته، وأن المراد من هذا الدين شيئًا مغايرًا للتكاليف والأحكام، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة. وبحسب تلك القراءة، التي يتفق عليها مفسرو أهل السنة الكبار، فإن مجال "الشريعة" التي ينسبها القرآن إلى الله هو ما تطابقت عليه الأنبياء من الكليات والمقاصد التي يتوافق عليها الجميع من بني البشر. وأما ما دونها مما يختلفون فيه بحسب الأحوال المتفاوتة للبشر، من الأحكام والتكاليف، فإن القرآن قد جعله موضوعًا "للفقه" الذي لابد من ملاحظة إلحاح القرآن على نسبته إلى الإنسان في المقابل.
فقد ورد الجذر "فقه" بمشتقاته، عشرين مرة في القرآن، كان فيها جميعًا في صيغة الفعل المنسوب إلى البشر فقط. وإذ الفقه، هكذا، هو تركيبٌ تدخل في بنائه الفاعلية الإنسانية، فإن ذلك يعني عدم جواز استخدام لفظ "الشريعة"- المخصوص بالله وحده بحسب القرآن- في الإشارة إليه، وذلك على العكس تمامًا مما يفعل دعاة الإسلام السياسي الآن؛ الذين يؤسسون إستراتيجيتهم على مراوغة إخفاء "الفقه" بما هو تركيبٌ إنساني وراء "الشريعة" بما هي مشروعٌ إلهي.
طرح الإسلاميين للشريعة إلى أي المفهومين أقرب، القرآني أم التاريخي؟
في جميع الاستخدامات الراهنة للمفهوم يبدو أن استدعاء المفهوم بحمولته التاريخية، وليس القرآنية، هو المهيمن بقوة. وابتداءًا من أن الحمولة التاريخية تمثل تضييقًا للمفهوم، في مقابل الرحابة التي تؤكدها حمولته القرآنية (وهو التقابل الذي ينتج عن التباين بين القرآن كفضاء "للكلي"، وبين التاريخ كساحة "للجزئي")، فإن الانحياز للمفهوم بحمولته التاريخية، على حساب حمولته القرآنية، يمثل تدنيًا بالمفهوم بلغ أخيرًا إلى حد اختزاله في مجرد "الحدود"، أو منظومة العقاب التي يدرك دارسو الفقه الإسلامي الحذر البالغ الذي أظهره الفقهاء بخصوص تطبيقها؛ ومن هنا ما أحاطوها به من الشروط التي تجعل تطبيقها صعباً، إن لم يكن مستحيلاً.
- في رأيكَ، لماذا يستخدم الإسلاميون مفهوم الشريعة ولا يستخدمون المفهوم الصحيح؟
أعتقد أن في الأمر مراوغة، فهم يدركون أن لفظة "الفقه" تخلو من هالة القداسة التي تحيط بلفظة "الشريعة". وغنيٌ عن البيان أن سعيهم إلى إخفاء الفقه (غير المقدس) وراء الشريعة (المُحاطة بالقداسة) يستهدف إضفاء القداسة على رؤاهم الخاصة (التي هي نتاج اجتهادات وميول وانحيازات هي إنسانية بطبيعتها). وإذن فإن السعي إلى إضفاء القداسة على ما هو إنساني، وغير مقدسٍ بطبيعته، هو القصد من وراء إستراتيجية إخفاء "الفقه" وراء "الشريعة".
- هذا التحويل يتم طوال التاريخ الإسلامي..
من جانبي أختلف معك، فالإمام مالك مثلاً، كان معاصرًا للخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، الذي كان واقعًا تحت تأثير ابن المقفع، (نستيطع أن نقول إن ابن المقفع هو المُنظر الإيديولوجي للمنصور). وقد أشار ابن المقفع على الخليفة بضرورة التوحيد القانوني للدولة؛ أي العمل بقانون واحد تخضع له كافة أمصارها، لتكتمل وحدتها السياسية. وطرح عليه فكرة تعميم كتاب "الموطأ" لمالك على كل الأمصار ليفصل قضاتها في المسائل المعروضة عليهم بما ورد فيه. بيد أن مالك قد أبى، بالرغم مما أغروه به من أن كتابه سيكون، على هذا النحو، هو الحجة مع القرآن. وقد إحتج مالك لرفضه بأن "فقهه" نابعٌ من ظروف أهل المدينة وأعرافهم المحلية، وأنه لذلك قد يشق على أهل العراق أو الشام وغيرها. إن ذلك يعكس وعيًا عبقريًا بدخول الإنسان (وعيًا وواقعاً) في بناء وتركيب الفقه؛ وبما يعنيه ذلك من أن الرجل ينزع عن اجتهاده أي قداسة. ولعله يلزم الوعي هنا بأن السياسة كانت هي التي تسعى لفرض القداسة على الفقه لتسوس الناس وتخضعهم به، وذلك فيما كان الفقيه نفسه يرفض هذا التقديس.
الدكتور نصر حامد، والتي مرت ذكرى رحيله منذ أيام، اختزل مقاصد الشريعة الخمسة عند الشاطبي إلى ثلاث "العقلانية- الحرية- الاختيار"، بيد أن الدكتور محمد عمارة، عضو اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور، انتقد اخراج الدين من المقاصد.. فما هي رؤيتك؟
أدرك الراحل الكبير نصر أبو زيد القصورَ البيِّن في نظرية المقاصد التي بلغت غاية تبلورها مع فقيه الأندلس أبو إسحق الشاطبي، الذي بدا أنه قد استنبط ما اعتبره مقاصد الشريعة من الجزء الأكثر ضيقًا ومحدودية فيها؛ وهو الحدود. فطالما أن هناك حدًا (عقابيًا كالقطع والرجم) لفعلٍ ما، فإن الشاطبي قد اعتبر أن الحفاظ على ما يمثل هذا الفعل انتهاكًا له يُعتبر مقصدًا للشريعة. فإذا كان هناك حدٌ لشرب الخمر بما يؤدي إليه من فقدان العقل مثلاً، فإن حفظ العقل يُعتَبر مقصداً؛ وهكذا الأمر في بقية الحدود كالرجم (والمقصد حفظ العِرضْ)، والقصاص (والمقصد حفظ النفس)، والقطع في السرقة (والمقصد حفظ المال)، وأخيرًا القتل في حال الردة (والمقصد حفظ الدين). ولكن- وكما تعلم- فإن حد الردة هو حدٌ خلافي، وفيه أراء متعددة ومتباينة بين الفقهاء.
- للشيخ عبد المتعال الصعيدي رؤية تقدمية وقراءة عصرية لما ورد بخصوص هذا الحد..
هذا صحيح، ويعني أن إخراج حفظ الدين من مقاصد الشريعة يكون أمرًا جائزًا، بحسب طريقة تأسيس المقاصد على الحدودالتي تبناها الشاطبي. إذ يلزم أن يكون الحدُ الذي يتأسس عليه المقصد غير قابلٍ للخلاف، وذلك ما لا يتوفر في حد الردة؛ الذي يستند إلى خبر آحاد، فضلًا عما يبدو من تعارضه مع مبدأ "عدم الإكراه" ذي الطابع الكلي في القرآن. والحق أن جعل المقاصد هي معكوس الحدود قد أحال دون إدراك قيمًا أكثر كلية يفيض بها القرآن كالعدل والمساواة والإخاء والرحمة وغيرها.
- كذلك أغفل قيمة الاستخلاف واعمار الأرض..
نعم، وهو أحد أكبر المقاصد القرآنية وأكثرها شمولًا وكلية، كما يلزم الإشارة هنا إلى المقصد التحرري الذي ينشعل به القرآن، والدين على العموم؛ وإلى الحد الذي يمكن معه القول أن "التحرر الإنساني" هو أحد المقاصد الكبرى للدين والشريعة. ومن هنا جوهرية ما طرحه "نصر أبوزيد" من وجوب إعادة التفكير في المقاصد؛ وبما يفتح الباب أمام إضافة مقاصد أخرى تحظى بتوافق أهل الأديان كافة، بل يتوافق عليها البشر على العموم، بحسب ما انتهت بهم إليها تجربتهم.
- قد يفهم البعض أنكَ ضد الدين وحمايته..
إذا كان يمكن الحديث عن نوعين من حفظ الدين وحراسته؛ يتحقق أحدهما عبر القسر والإكراه الخارجي، وثانيهما هو الحفظ عبر الاقتناع الداخلي الحر، فإن النوع الأول منهما هو الأقل شأنًا من غير شك. بل أتصور أن الحفظ عبر الإكراه والقسر يمثل تهديدًا لوجود الدين، وليس حفظًا له؛ وأعني من حيث يصبح وجود هذا الدين قائمًا على محض النفاق الذي حمل عليه القرآن بقوة لما يمثله من خطر داهم على الدين. وفي المقابل، فإن الحفظ الحقيقي للدين هو ما يكون عبر فعل الاختيار والإقتناع الحر؛ الأمر الذي يترتب عليه أن فعل الاختيار (الذي هو- بحسب الأصوليين- فعلٌ تأسيسي في الإسلام، لأن "إيمان المقلد أو من لا يختار لا يجوز") لا ينقطع بدخول المرء الإسلام، بل يظل قائمًا يجدد به المرء إيمانه. ولعل انشغال الإسلاميين بالخارجي والحرفي من الدين على العموم، هو ما يفسر انحيازهم للحفظ الخارجي للدين.
- في كتابك "ما وراء تأسيس الأصول" انتقدت الشافعي، كذلك الدكتور نصر حامد وجه انتقادًا إلى نفس الفقيه، وقد أصابكما جراء ذلك الكثير. لماذا الشافعي؟ ولماذا يتحسس السلفيون "مسدساتهم" إذا ما جرى انتقاد الشافعي تحديدًا؟
الشافعي أحدث تحولًا خطيرًا في مسار التفكير الفقهي في الإسلام، وذلك بحسب ما تكشف عنه قراءة تجربة التفكير في الفقه قبل الشافعي؛ والتي كانت تجربة تتميز بالثراء والخصوبة والانفتاح على الإنسان (وعيًا وواقعًا وتاريخاً)، سواء كنا نقصد فقه المدارس أو فقه الصحابة أو التابعين، وأنا هنا معنيّ بمنهجية الفقهاء ورؤيتهم، وغير معني بأحكامهم ومذاهبهم. هذه التجربة كانت تضع التاريخ، والعقل، والأعراف والتقاليد، والرأي موضع الاعتبار. ثم جاء الشافعي ومارس ضروبًا من التضييق على هذا الانفتاح. ولعل ضِيق السلفيين بنقد الشافعي يأتى من هذا التضييق الذي مارسه من جهة، وربما أيضًا من احتفائهم بابن حنبل الذي يعتبر الشافعي أستاذَا له.
ولعل تعالي الشافعي بالسنة إلى مرتبة الوحي، كالقرآن، يندرج في إطار هذا التضييق؛ حيث لم تعد السنة عنوانًا على تجربة يمكن الاسترشاد بها، بل نصًا واجب الإتباع؛ وهو ما يتوافق مع بنية المزاج السلفي الذي تعد آلية تحويل "التاريخ" إلى "نص" أحد آليات اشتغاله الأثيرة. وضمن هذا الإطار نفسه يندرج تصوره للإجماع على أنه من قبيل السنة غير المحكيِّة؛ وبما يعنيه ذلك من الإلحاح على تحويل التاريخ إلى "نصٍ" أيضاً.
- بمعنى أنها نصوص افتراضية...
سمها ما شئت، فالشافعي لا يتصور أن يفكر أحد في الفقه بعيدًا عن النص، حتى الإجماع الذي قد يتبادر للذهن أنه إجماع الناس على ما يرون فيه الصلاح، هو عنده إجماعٌ على نصٍ للنبي، لكنه غير مرفوعٍ إليه بالرواية. وفي الجملة فإن الشافعي لا يرى إمكانية للتفكير في الفقه إلا من باب "الخبر" أو النص. ولسوء الحظ، فإنه كان يرسخ بذلك لما سيكون آلية تفكيرٍ مهيمنة في الثقافة العربية حتى اليوم؛ وأعني بها آلية التفكير بأصلٍ أو نموذجٍ جاهز والتي تكاد تكون مسؤولة عن مأزق غياب الإبداعية العربية.
يذكرني حديثك عن دور الواقع، بمقولة الدكتور حسن حنفي "لا تنطق السماء إلا بعد حادثة في الأرض"...
الإنسان (وعيًا وواقعاً) هو جزء أصيل في تركيب الوحي الإلهي ذاته، وعلينا أن نتأمل في دعاوى الإسلاميين التي تفيض بالنفي الحاسم لأي دورٍ للواقع أو الإنسان أو التاريخ في عملية المعرفة بالوحي وفهمه. إن ذلك يكشف عن مفارقة إعتبار الله للإنسان وإدخاله له في تركيب وحيه، وذلك في مقابل إهمال الإسلاميين له، وإخراجه من عملية المعرفة بالوحي حين لا يتصورونه إلا تنزيلًا متعاليًا لابد من فرضه على الناس، ولا يتسع لهم (وعيًا وتاريخًا وواقعاً).
- في ضوء متابعتك، ما تقييمك لأداء اللجنة التأسيسة لكتابة الدستور بخاصة في مسائل حريات العقيدة والاعتقاد؟
ما رَشَحَ عن اللجنة التأسيسية شيء مقلق، ابتداءً من مرجعية الأزهر في المادة الثانية؛ حيث كنا نفاخر ونتباهى بخلو الإسلام من الكهنوت، إلا أن الإسلاميين في القرن الحادي والعشرين قرروا أن يجعلوا من الأزهر مؤسسة كهنوت. وما يقلق أيضًا، اقتراح أعضاء حزب النور بسيادة الله، بدلًا من الشعب، مستعيدين بذلك فكر الحاكمية بكل ما ينطوي عليه من مخاطر مُحدقة. ولعل مما يقلق، أيضاً، ما يبدو من عدم السماحة تجاه ممارسات جماعات لها معتقداتها الخاصة، مع أنه لا ضير في أن تمارس أي جماعة بحسب ما تعتقد طالما أن ذلك لا يمثل تهديدًا لقواعد النظام العام في المجتمع.
- ما الأكثر الأشياء التي تقلقك تحديدًا؟
أكثر ما يُقلق هو الروح التي تتخفى وراء تلك الممارسات والأفكار؛ وأعني روح التضييق والاستبعاد التي تحضر بقوة، وتطرد روح الاستيعاب والتمثُّل التي ينبغي أن يتحلى بها واضعو الدساتير.
- في ضوء الاستيعاب والاستبعاد، كيف تقرأ رفض السلفيين لوجود نائب قبطي؟
الجماعات الإسلامية عمومًا، تجرنا إلى لحظة تاريخية يتحدد الفرد فيها بهويته الدينية، وليس على كونه مواطنًا، في حين أن الفضاء الذي نعيش فيه يرفض ذلك. وهم يقولون "ولاية غير المسلم على المسلم لا تجوز"، والحقيقة أن مبدأ الولاية ذاته مبدأ رعوي، ومتعلق بالمجتمعات الأبوية، والتي جاء الإسلام ليهدم نظامها ويقوضه. ففي القرآن نجد نبذًا وتفكيكًا للثقافة الأبوية بإعتبارها مصدر التكلس والثبات، ونقض الأبوية مقصد كليّ للإسلام. وبدلًا من أن يَهزم الإسلامُ الأبويةَ، كانت هي التي هزمته، لسوء الحظ. وبدلًا من أن يخلخلها، كانت هي التي تخللت السياق الغالب في الإسلام.
- هنا، أتذكر مقولتك: القبليّة ستعيش حتى في دولة الحداثة..
هي الآن حية، وتعيش، ولها نمط ثقافي، قائم على الترديد والتكرار، ومنظومة اجتماعية قائمة على التعصب والفخر، ومنظومة سياسية قائمة على البطريركية أو سلطة "الأب"، ومنظومة اقتصادية قائمة على النشاط الريعي الخراجي. وإذن فإنها- وبكل تجلياتها- البنية الغالبة على المجتمع.
- بخصوص تجليات الأبوية على الخطاب السياسي، نلاحظ استخدام الرئيس مرسي استعارتي "أهلي وعشيرتي"..
"يضحك"، لدي مقال أرجأت نشره حول هذين المفهومين، وهما يحيلان إلى بقايا عالم عشائريات ما قبل الحديثة. بالطبع يجب أن نحمد للرجل رغبته في التقرُّب من الناس، بعد فترة بدا فيها أن السلطة قد تعالت عن الناس وانفصلت عنهم. لكن المشكلة ليست في حسن النية، وإنما في الأنساق الفكرية والتحيزات الكامنة وراء الكلمات والمقولات، والتي هي دائمًا مشحونةٌ بدلالاتٍ كثيفة يستحيل عزلها عنها.
- إلى أي مدى تتحكم هذ التحيزات في الإسلاميين؟
يخايلنا الإسلاميون الآن بأنهم يضعون قدمًا في العالم القديم، والأخرى في العالم الحديث، وأنهم يسعون إلى جر العالم القديم نحو الحديث. ولكن المتحقق يكشف عن أن العكس هو الحاصل.
- نصر حامد وفرج وفودة وعلي مبروك، آمنوا بالحوار العقلاني المتكافئ حلاً.. إلا أنهم تعرضوا لأشكال مختلفة من الاضطهاد. لماذا يرد الإسلاميون على الكلمة بالرصاص؟
الإسلاميون يتمترسون وراء بعض الشعارات التي تمنعهم من الدخول في أي حوارات، لأن الشعارات تكون موضوعًا للترديد والتكرار، وليس المناقشة والحوار، وذلك فضلًا عن امتلاكهم لصورة مثالية "يوتوبية" عن الماضي يقيمون عليها كامل بنائهم الإيديولوجي، ولا يريدون لها أن تكون موضوعًا لاختلاف الرؤى والمنظورات، لكي لا يتحطم هذا البناء. ويُضاف إلى ذلك أنهم يضعون المختلفين معهم في خانة الأعداء المتآمرين الراغبين في هدم الإسلام؛ وبما يعنيه ذلك من استئثارهم- حسب هذا التصنيف- بدور حُماة الإسلام. وهكذا يحيلون الأمر إلى مواجهة بين أعداء الإسلام وحُماته؛ وهي مواجهة لا مدخل فيها للحوار، بل للاحتراب والقتال.
الإسلاميون الآن الآن رجل في الماضي والأخرى في الحاضر.. ويتمترسون وراء بعض الشعارات التي تمنعهم من الدخول في أي حوارات.. اقتراح "السيادة لله" إعادة لفكر الحاكمية بكل ما ينطوي عليه من مخاطر مُحدقة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.