لم يكن "مقهى المسيري" الذي تأسس عام 1932 في دمنهور، مجرد مقهى للجلوس وتناول المشروبات، فقد حوله صاحبه ومؤسسه "الأديب القهوجي" عبد المعطي المسيري، إلى منتدى ثقافي ومنبر لرواد الفكر والأدب، في تجربة فريدة استمرت حتى رحيله فى عام 1970، وفي عام 2001 قرر محافظ البحيرة إنشاء مكتبة عامة به تتبع هيئة قصور الثقافة، إحياء لذكرى مقهى كان منارة للوطنية وشعلة للنضال. عبد المعطي المسيري، الأديب القهوجي، كما لقبه النقاد والمقربون من أصدقائه، علم نفسه القراءة والكتابة من كثرة متابعة الصحف والمجلات أثناء عمله بالمقهى، وكان شغوفا بالأدب عامة، والقصة خاصة، وكتب عدة مجموعات قصصية من بينها "الظامئون" و"روح وجسد" و"أقاصيص من المقهى"، وترك أكثر من 600 قصة قصيرة نشرت في كبرى الدوريات المصرية والعربية، وتعاقدت معه الإذاعة البريطانية لإذاعة قصصهعبر الأثير. ولعل أبرز ما قدمه المسيري للمكتبة العربية كتابه "في القهوة والأدب" والذي كتب مقدمته عميد الأدب العربي طه حسين، وقال فيها "أحسست إعجابا عظيما بهذا الرجل الذى ثقف نفسه، لم يختلف إلى مدرسة ولم يجلس إلى أستاذ، وإنما تعلّم القراءة والكتابة في السوق، وأخذ يقرأ ما يذاع في العامة، ثم قرأ لأكثر الكتاب المصريين، ثم ما نقل إلى العربية من آثار الغربيين، وهو الآن على كثرة ثقل أعباء الحياة عليه لا يستطيع أن يستقبل النهار والليل إلا قارئا كاتبا وناقدا مفكرا. كل هذا خليق بالإعجاب، وخليق بأن يحملني على أن أهنئ هذا الكاتب الأديب تهنئة صادقة بهذا الجهد الخصب المتصل، وبهذا التوفيق العظيم الذى أتيح له". نصف قرن من التنوير والثقافة والوطنية المصرية شهدتها جدران مقهى المسيرى، من خلال الصالون الثقافي الذي شارك فيه رموز الأدب والفكر والإبداع في فترة من أخصب فترات الإبداع في التاريخ المصري الحديث، من بينهم يحيى حقي، ومحمود تيمور، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وزكي مبارك، ومصطفى صادق الرافعي، وعباس العقاد، ولويس عوض، ومحمد مندور، كما زار المقهى الرئيس الأسبق أنور السادات، قبل توليه الرئاسة، وبتكليف من الرئيس جمال عبدالناصر، الذي تلقى شكوى من صاحب المقهى المسيري، عاتبه فيها على عدم اهتمامه بثقافة الأقاليم ومبدعيها، وقال فيها: "لا بد من تفتيت الإقطاع الثقافي المسيطر في القاهرة". لم يشفع للمقهى العتيق تاريخه الممتد وعطاؤه الدائم، فقد جرفته رياح الانفتاح التي حولت كل شيء إلى سلعة حتى الثقافة، ولم تعد للمثقف مكانة، فتراجع دور الفكر والمفكر، مما اضطر ورثة المسيري إلى تأجير المقهى ليصبح واحدا من بؤر التردي والإسفاف، ولتهدر معظم مقتنيات المكتبة التي كانت تضم مخطوطات يدوية لعدد من كبار الأدباء. وفي عام 2001 شن عدد من المثقفين بالبحيرة حملة لإنقاذ مقهى المسيري وما تبقى من مكتبته، من العبث والاندثار، فقرر أحمد الليثي محافظ البحيرة آنذاك، إعادة إنشاء مكتبة في المقهي تتبع وزارة الثقافة، وتحتل مساحة 18 مترا وسط المقهى الذي تبلغ مساحته 140 مترا، وضمت أكثر من 4 آلاف كتاب، ليستفيد منها الرواد، في محاولة منه لاستعادة دور ومكانة المقهى.