سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    بمناسبة عيد العمال، وزارة العدل تسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    محافظة سوهاج ترد على عدم إنشاء كوبري بديل للكوبري المنهار في قرية العتامنة    محمد عبد الجليل يكتب: "فيزتك" فضيت ورصيدك اتبخر! هذه حكاية 6 شياطين نهبوا أموالك من البنوك تحت ستار "السياحة"    مقتل 12 شخصًا بغارات إسرائيلية جنوب لبنان رغم الهدنة    «ترامب»: بعد الانتهاء من المهمة في إيران سنتوجه إلى كوبا    البنتاجون: الولايات المتحدة تعتزم سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا    كبيرة الديمقراطيين في الشيوخ الأمريكي: إعلان ترامب انتهاء الحرب "لا يعكس الواقع"    واشنطن توافق على مبيعات عسكرية للإمارات بقيمة 147.6 مليون دولار    في ظهور مميز، عمرو دياب يغني مع نجله عبد الله وابنته كنزي بحفله بالجامعة الأمريكية (فيديو)    طبيب الأهلي يوضح تشخيص إصابة تريزيجيه في القمة    صلاح: كنت أركض أكثر من زملائي في منتخب مصر خلال كأس أمم أفريقيا    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    «ترامب»: إيران بلا دفاعات جوية أو رادارات فعالة    ميناء دمياط يعزز الأمن الغذائي ويربط مصر بأوروبا والخليج    جامعة الدلتا تتألق في «Dare To Achieve» وتؤكد دعمها لابتكارات الطلاب    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    كرة طائرة - الأهلي يتفوق على بتروجت ويتأهل لنهائي إفريقيا    تفاصيل | وفاة شخص وإصابة 13 آخرين في حادث البهنسا بصحراوي المنيا    القبض على عاطل ظهر في فيديو مشاجرة بالسلاح الأبيض بالقاهرة    خناقة الديليفري وعمال المطعم.. معركة بين 11 شخصا بسبب الحساب    دفع ثمن شهامته.. اعتداء صادم على مسن الهرم والداخلية تضبط المتهم    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    صفحات مزيفة.. سقوط تشكيل عصابي دولي للنصب على راغبي زيارة الأماكن السياحية    نصف فدان.. السيطرة على حريق نشب داخل زراعات القصب بقنا    طبيب الأهلى يوضح إصابة تريزيجيه فى القمة 132    الخارجية الأمريكية: بريطانيا ترفع مستوى التهديد الإرهابي إلى "شديد"    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء غداً السبت    رئيس هيئة تنشيط السياحة يلتقي مع ممثلي شركات إنتاج محتوى السياحة الروحانية    ليدز يونايتد يسحق بيرنلي بثلاثية في الدوري الإنجليزي    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    زيادة تقابلها زيادة، مصدر ب"تنظيم الاتصالات" يحسم جدل ارتفاع ضريبة الآيفون في مصر    شرطي ينقذ الموقف.. تفاصيل حادث تصادم في الإسكندرية    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    مصطفى الفقي يكشف كواليس لقائه ب"علاء مبارك" قبل الثورة بأيام    موعد إعلان قائمة منتخب الناشئين لبطولة أمم أفريقيا تحت 17 سنة    تصاعد التوترات بين أمريكا وأوروبا.. الناتو يتحرك نحو الاستقلال الدفاعي    "15 مايو التخصصي"تنجح في إنقاذ شاب من اختناق حاد بالمريء    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    القومي للبحوث يطلق قافلة طبية كبرى بالشرقية تستهدف 2680 مواطنا    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    أخبار الفن اليوم الجمعة.. أزمة بنقابة التشكيليين بسبب تفاوت الرواتب والمعاشات.. تكريم يسرا اللوزي وريهام عبد الغفور في ختام المهرجان الكاثوليكي    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    طلعت فهمي رئيسًا ل"التحالف الشعبي الاشتراكي" وحبشي وعبد الحافظ نائبين    تفاصيل مسابقة التأليف بالدورة 19 من المهرجان القومي للمسرح    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    وزير خارجية إيران: مغامرة نتنياهو كلفت واشنطن 100 مليار دولار حتى الآن    أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 1 مايو 2026    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل تتحوّل أمريكا إلي مستعمرة إسرائيلية.. !؟
نشر في الأسبوع أونلاين يوم 02 - 02 - 2014

لم يعد سراً الحديث عن علاقة الولايات المتحدة الأميركية غير الطبيعية بإسرائيل، وبات القاصي قبل الداني يتحدث عن خدمات تبادلية بين الكيان المصطنع وبين من صنعوه وفرضوه علي الفلسطينيين والعرب والمنظمة الدولية والعالم أجمع. وإذا كان المحللون والمتابعون قد خلصوا إلي نتيجة مفادها أن هذا الكيان يفرض سياساته ورؤاه واستراتيجياته منذ عدة عقود علي صانع القرار الأميركي عبر مراكز النفوذ واللوبيات الصهيوشنية في الولايات المتحدة وذراعها الأقوي الايباك، فإن هؤلاء أنفسهم عادوا اليوم إلي الحقيقة الثابتة والبديهية الواضحة التي تقول بأن الكيان الإسرائيلي العنصري هو مجرد مخفر متقدم للامبريالية العالمية في المنطقة ليحافظ علي مصالحها ويحمي شركاتها وقواعدها المتقدمة.
وأياً كانت النتيجة سواء أن تفرض إسرائيل رؤيتها علي أميركا أو أن تقوم هذه الأخيرة بتجنيد الصهاينة لخدمة أهدافها واستراتيجيتها، فإن الثابت أن هذا السرطان الغربي عمل عمله في الفتك بالجسد العربي وتأخير نهوضه لعقود من الزمن إن لم نقل لقرون كاملة.
فالكيان العنصري الذي اعتمد استراتيجية الاحتلال المباشر للأراضي العربية في فلسطين والجولان ولبنان وسيناء وتشريد أرضها وممارسة الإرهاب بحق من بقوا عليها، فإنه اليوم انتقل إلي مراحل أكثر خطورة عنوانها نشر الفوضي والارهاب والتخلف في طول الوطن العربي وعرضه.
ومن يقرأ الأحداث المأساوية التي يشهدها الوطن العربي اليوم يدرك أن ما جري ويجري للسودان وسورية ومصر وليبيا وتونس واليمن والصومال والجزائر والعراق ولبنان، والحبل علي الجرار لبقية الدول العربية، يدرك كم هي خطيرة هذه النقلة في طبيعة الاستعمار الصهيوني المدعوم غربياً سواء أكان بضغط صهيوني أم برغبة غربية لتشغيل هذا الكيان العنصري فهل يدرك أبناء المنطقة حقيقة ما يجري حولهم؟!
فإسرائيل تشكل حلقة ثابتة في الموقف الأمريكي من قضايا السياسة الخارجية، وهذا ينطبق علي السياسات المتبعة إزاء دول وأحزاب وقضايا دولية، وباستثناء المصالح الاقتصادية مثل مصادر الطاقة والأسواق والصراع علي مناطق النفوذ في روسيا والصين وغيرها من الدول الصاعدة، لا نجد سوي ''إسرائيل'' محركاً للسياسات والقرارات الأمريكية. وفي كثير من الأحيان تتكلف الولايات المتحدة أثماناً باهظة من دماء مواطنيها وأبنائها وخزينتها وسمعتها ومكانتها في العالم من أجل إسرائيل، بحيث تبقي إسرائيل دائماً هي ''الرابح الأول'' في السياسات الأمريكية، أما تنافس الحزبين فلا يخرج عن سياق القضايا الداخلية المختلفة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية وأغلبها اجتماعي. وفي جميع الحالات الداخلية تبقي إسرائيل هي الأساس والمنطلق، ويلعب الصوت الصهيوني دوراً فاعلاً ومؤثراً إلي أبعد الحدود في هذه الحالات جميعاً.
من جهة فالوقائع في منتهي الوضوح لمن يريد رؤيتها علي حقيقتها دون تزويق ودون رتوش، من جهة أخري فإن بعض الحقائق من المفترض أن تصل إلي حدود اليقينيات العقلية والذهنية، فهي أصبحت بمثابة القوانين غير المكتوبة ومنها أن الإدارات الأميركية المختلفة لكافة الرؤساء الأميركيين هي بمثابة الواجهات 'ليس إلا' لصاحب الحكم الفعلي في أميركا وهو المجمع الصناعي العسكري بالتحالف مع رأس المال المالي علي صعيد السياسات الخارجية ومنها العلاقة مع إسرائيل. لذلك نري أن كل إدارة أميركية في عهد مطلق رئيس تطمح الوصول إلي مركز ''الأشد إخلاصاً لإسرائيل''. من جانبه يحاول كل رئيس أميركي الوصول إلي هذه الصفة. لذا فإن محللينا يصفون كل إدارة أميركية لأي رئيس جديد 'بأنها الأخلص لإسرائيل'! في الحقيقة أن كافة الإدارات الأميركية تُعتبر 'الأكثر إخلاصاً لإسرائيل'.
الولايات المتحدة تعلن في مناسبة وبغير مناسبة أنها إلي جانب الاحتلال الصهيوني، وأنها مع الاستيطان والتوسع، وكذلك مع الاستئصال الكامل لجذور الفلسطينيين. وهي هنا لا تجد نفسها تخالف القوانين الدولية، أو تعتدي علي حقوق الشعوب صاحبة الحق في الأرض. وما يدفع الولايات المتحدة لفعل هذا، هو قوتها الغاشمة، ومصالحها في الشرق الأوسط. وهذا ما دفع القادة الإسرائيليين لأن يتباهوا بقوة اللوبي الصهيوني في صياغة وتشكيل سياسة الولايات المتحدة، حيث سمحت لهم الإدارات الأمريكية المتعاقبة بارتكاب المجازر والاغتيالات وهدم البيوت والعقوبات الجماعية وممارسات الإبادة الأخري التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين، حتي إن رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق ''أرييل شارون'' تباهي مرة بتأثيره في الرئيس الأمريكي جورج بوش قائلاً: ''إن الولايات المتحدة تحت سيطرتنا''.
الديمقراطية الأمريكية تسمح ببساطة للكيان الصهيوني بمشاريع الإبادة الممنهجة، وهي أي الولايات المتحدة جاهزة بشكل دائم لرفع الفيتوهات في وجه أي إدانة للكيان الصهيوني الغاصب. ويعلن سادة العالم 'الحر' في الولايات المتحدة أن 'إسرائيل' خط أحمر.
يقول جيمس بتراس في كتابه السالف الذكر: ''إن طغيان 'إسرائيل' علي الولايات المتحدة له نتائج خطيرة علي السلم والحرب في العالم، وعلي استقرار وعدم استقرار الاقتصاد العالمي وعلي مستقبل الديمقراطية في الولايات المتحدة. وقد أدت مطالبات اللوبي مباشرة إلي قيام الولايات المتحدة بدعم حروب 'إسرائيل' العدوانية ضد الدول العربية في الأعوام 1967 و1973 و1982، وحرب الولايات المتحدة ضد العراق في 2003، ودعم الغزو الإسرائيلي علي لبنان وغزة في 2006، والتهديدات العسكرية المستمرة ضد إيران وسورية من 2001 حتي 2006، وليس من المستغرب أن الأغلبية الواضحة من الأوروبيين تري أن إسرائيل هي أعظم خطر يهدد السلم العالمي''.
وللأسف، مازال الرؤساء والملوك العرب الذين يعتبرون الولايات المتحدة دولة حليفة أو صديقة تحافظ علي صلاتها ودعمها لهم، يرتكبون خطأً كبيراً ثبتت مخاطره منذ بداية القرن الماضي حتي الآن أي منذ 'الشريف حسين' والحرب العالمية الأولي والدور البريطاني الفرنسي في تجزئة واقتسام الوطن العربي. ومن لا يريد الاقتناع بهذه الحقيقة فلينظر إلي الدور الإسرائيلي الذي تستند الاستراتيجية الأميركية إليه ولقواعدها العسكرية في المنطقة.
وحول هذا الموضوع يعترف المحلل الإسرائيلي ''لازار بيرمان'' في تحليل نشره في الموقع الإلكتروني 'ذي تايمز أوف إسرائيل' أن السياسة الإسرائيلية تريد من الولايات المتحدة إنجاز تقسيم وتجزئة دول كثيرة عن طريق إنشاء دول ودويلات علي أساس طائفي أو إثني وخصوصاً في العراق وإيران وتركيا وسورية ومصر، ويري ''بيرمان'' أن واشنطن قد لا تتشجع لفرض هذه السياسة في تركيا لكن التطورات المتلاحقة وظهور لاعبين صغار جدد في هذه الدول وتعزيز قدراتهم سيحمل معه النجاح لمشروع من هذا القبيل.
ويستشهد محللون إسرائيليون آخرون بحالة 'الفوضي' غير المسبوقة في تاريخ دول كثيرة في المنطقة من مصر إلي سورية إلي العراق إلي اليمن إلي لبنان إلي ليبيا وتونس ويعتبرونها الفرصة غير المسبوقة أيضاً لإعادة تشكيل الكيانات السياسية بطريقة أكثر تجزئة من أي مرحلة تاريخية ماضية. ولا أحد يشك أن إسرائيل وحدها وبقدراتها وحدودها الحالية لا يمكن أن تتولي إدارة أو تنفيذ مشروع كهذا إلا إذا ما وضعت خطته وأدارته الولايات المتحدة الأميركية.
ففي دراسة أعدها أحد الخبراء الإسرائيليين ''رالي أهاروني'' جاء أن مصر يمكن تقسيمها إلي أربع دول، واحدة منها في سيناء وأخري مستقلة قرب قناة السويس والجهة الأخري وثالثة تمتد حتي الصحراء علي حدود ليبيا، ورابعة في الشمال، واعتمد ''أهاروني'' في دراسته علي مبدأ جيوسياسي يوفر لإسرائيل تحالفاً مع 'دويلة سيناء' ودويلة 'منطقة قناة السويس' لأنهما ستشكلان حاجزاً جغرافياً وبشرياً ومائياً تستند إليه إسرائيل في حماية مشروعها الصهيوني.
فالملاحظ منذ عام 2010 وبداية الثورة الشعبية في تونس وفي مصر وفي اليمن وهي دول صديقة وحليفة للولايات المتحدة في عهود رؤسائها ''مبارك''، و''بن علي''، و''علي عبد الله صالح'' أن التطورات فيها ما تزال لم تفرز نتائجها المطلوبة من الشعب صاحب المبادرة في التعبير والإصلاح.
ومن الواضح أن التدخل والسيطرة الأميركية علي آلة الحكم والدولة في هذه البلدان توفر للمشروع السياسي الأميركي لإعادة رسم خريطة كيانات سياسية جديدة في هذه الدول وفي دول أخري في الشرق الأوسط والبقاء علي جدول العمل الأميركي الإسرائيلي.
فمنذ عام 1982 نشر الصحفي الإسرائيلي ''عود يدينون'' المقرب من وزارة الخارجية الإسرائيلية، دراسة بعنوان 'إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات' كشف فيها عن دعوة إسرائيلية بتحويل الجبهة الشمالية والشرقية إلي دويلات صغيرة تنشأ علي خلفية طائفية واثنية تمتد من العراق إلي الأردن إلي سورية ولبنان، فتتخلص إسرائيل من هاتين الجبهتين بعد أن جمدت جبهة الجنوب التي كانت تشكلها مصر قبل كامب ديفيد، وتمكنت إسرائيل من فرض تقسيم بعد عام 2006 بين الضفة الغربية وقطاع غزة واعتبرته مثالاً يجب تطبيقه علي الدول المحيطة بها بما في ذلك مصر.
وتشكل المصالح الإسرائيلية ضمن الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير وتحقيق المجال الحيوي للصهيونية العالمية والكيان الصهيوني البعد الثاني لمرتكزات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
واللافت في تاريخ مواقف الإدارات الأميركية المتعاقبة من الدعم الأميركي للكيان الصهيوني، أن الجمهوريين والديمقراطيين لم يختلفوا يوماً إزاء هذا الدعم بالغاً ما بلغت خلافاتهم علي مواضيع أخري. فالإدارات الأميركية المتعاقبة التي تتشدق بحماية حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية والحرية والعدل والمساواة في العالم، تكذب علي شعبها أولاً ثم علي الشعوب والأمم الأخري بتصدير مثل هذه الشعارات الجوفاء ومن ثم هي تؤكد عبر دعمها المستمر والمتصاعد للكيان الصهيوني اللقيط علي أنها الداعم الرئيسي للإرهاب العالمي، ولاحتلال أراضي الغير ونهب خيراتها وطرد شعبها منها، وعلي تأجيج سباق التسلح في المنطقة، وهذا كله يؤدي حتماً إلي قتل السلام والاستقرار في العالم، فالسلام والاحتلال ضدان لا يلتقيان أبداً.
واللافت في تاريخ المساعدات الأميركية للكيان الصهيوني والتي بدأت رسمياً عام 1949 أن هذه المساعدات ترتفع تباعاً في زمن الحرب وفي زمن البحث عما يسمي السلام أو معاهداته، وترتفع كذلك في زمن مكافحة الإرهاب. وعنوانا المساعدات الأوحدان هما ضمان أمن الكيان الصهيوني و''حدوده'' من حروب قد يشنها عليه العرب، وكذلك تعويض مفاعيل السلام المزعوم الذي وقعت اتفاقياته في كامب ديفيد مع النظام المصري ''أنور السادات'' وفي أوسلو مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ''ياسر عرفات'' وفي وادي عربة مع النظام الأردني ''الملك حسين''.
لقد أجرت صحيفة ''ذي ماركر'' الاقتصادية التابعة لصحيفة ''هآرتس'' الإسرائيلية مؤخراً إحصائيات اقتصادية عن المساعدات المالية الأميركية لإسرائيل علي مدي 63 عاماً، وخلصت إلي نتيجة مفادها أن حجم المساعدات المالية الأميركية علي مدي هذه الفترة تساوي 113 مليار دولار 'تساوي في الزمن الحالي 234 مليار دولار'، إضافة إلي أكثر من 19 مليار دولار كضمانات مالية أميركية كي تنجح إسرائيل في تحصيل قروض في العالم.
لقد ظهر جلياً عجز الولايات المتحدة عن إلزام إسرائيل بالقرارات الدولية، ونزع السلاح النووي من منطقة الشرق الاوسط. وسخِر ''نتانياهو'' مراراً من دعوات ''أوباما'' لوقف بناء المستوطنات بل زاد في أعدادها، وأوقف عملية السلام بأكملها لتصبح إسرائيل طليقة اليدين في توسيع مستوطناتها في الضفة الغربية، وتهويد القدس، والتهديد بهدم المسجد الأقصي.
فقد انحازت إدارة ''أوباما'' بالكامل لجانب إسرائيل في ظروف عربية وشرق أوسطية بالغة التوتر. فالمشكلة الكردية تزداد تعقيداً وتهدد بتفتيت دول المنطقة، والأزمة السورية مستمرة، لأن الخارطة الجديدة لم تكتمل بعد، وما زلنا، بالتالي، حتي اللحظة في البرزخ الفاصل بين عالمين، لذلك من الطبيعي ألا يكون ''جنيف2'' نهاية الأزمة، والأزمة مستمرة في كل من ليبيا وتونس واليمن ومصر والبحرين.
واستناداً إلي تعنت إسرائيل، من المتوقع أن تطور إنتفاضات ''الربيع العربي'' مواقفها باتجاه العداء لإسرائيل وفك التبعية مع الأمريكيين.
لقد آن للأمريكيين أن يقرروا بأن ''إسرائيل'' يمكن أن تعتبر مستعمرة أمريكية إذا أراد الإسرائيليون ذلك، لكن أميركا لا يعقل أن تتحوّل إلي مستعمرة إسرائيلية، كما هو حاصل بالفعل من خلال مصادرة استقلالية القرار السياسي الأميركي. وآن لهم أن يقرروا أن أميركا شيء وأن إسرائيل شيء آخر، وأن ربط مصالح أميركا بأهواء إسرائيل فيه مصادرة لحرية الأمريكيين وحقوقهم الأساسية من خلال مصادرة القرار السياسي الأميركي المستقل، أو الذي يفترض المنطق أن يكون مستقلاً.
لقد تظاهر الصهاينة في الماضي بالتماهي مع الاستراتيجية الأمريكية العالمية والانخراط في خدمتها، ولكن لاستغلالها في خدمة مخططهم الخاص. ولم تكن أهدافهم تتطابق بالضرورة مع الأهداف الأمريكية، لكن هذا الاستغلال بات مكلفاً كثيراً الآن، حتي بحساب القدرة الاقتصادية الأمريكية، وعلي الصهاينة أن يدركوا هذه الحقيقة حتي لا يورّطوا أنفسهم بينما هم يحاولون توريط أميركا.
إن الصهيوني الطامع بالسيطرة علي العالم من خلال السيطرة علي أمريكا، والساعي لإقامة إسرائيل الكبري بين الفرات والنيل علي أنقاض العرب، لا يهمّه أن يدمّر العالم بما في ذلك أمريكا نفسها من أجل أن يبقي هو وأن يحقق أطماعه كما تزيّن له شياطينه. لكننا نفترض بأن صانع القرار في واشنطن ومهما كان حجم الحَوَل الصهيوني المؤثر عليه لا بدّ وأن يوازن بين المصلحة الأمريكية وبين الأهواء الصهيونية لكي يكون بوسعه أن يقدّم لشعبه تفسيراً لسياسته الخارجية.
فمن المؤكد أن العقل الصهيوني الغارق في أحلامه، يصعب عليه القبول بسياسة أمريكية تعتمد قرارات أميركية مستقلة قائمة علي فهم واقعي للتوازنات الدولية، وكون سورية وإيران عصيتين علي الأخذ، وكون مصر تعود إلي نهجها القومي من جديد.كما أن العقل الصهيوني الحالم الذي يري نمو الإرهاب السلفي وقدرته علي توظيفه في خدمته لا يريد أن يري بالمقابل نهضة قومية عربية، وصحوة إسلامية، تكون قادرة علي تطويق الإرهاب، وتحقيق انبعاث الأمتين العربية والإسلامية.
وها هو ''أبراهام فوكسمان'' رئيس المنظمة اليهودية الأميركية 'لمكافحة تشويه اليهود' يعترف في مناسبة مرور مائة عام علي تأسيس هذه المنظمة، بأن واشنطن بدأ يظهر في سياستها ضعف واضح وتراجع عن تبني أي حروب في المنطقة بعد فشلها في أفغانستان والعراق وانكفائها عن شن الحرب علي سورية. بل إنه يصفها بالغارقة في أزمات داخلية وخارجية خصوصاً مع حلفائها الأوروبيين في أعقاب فضائح التجسس علي زعماء أوروبا ودول أخري.
ويبدو أن ''شمعون بيريس'' رئيس الدولة وتلميذ ''بن غوريون'' أول رئيس حكومة إسرائيلية، أدرك مضاعفات هذه الظروف الدولية قبل أن يدركها ويعترف بها رئيس الحكومة ''نتنياهو'' الذي يشعر أن تراجع قدرة واشنطن العسكرية والسياسية عن فرض ما ترغب سيضع إسرائيل أمام وضع لا تفضل بقاءه.
فإسرائيل لا تستطيع تسخير واشنطن في شن حروب لا تجدها الإدارة الأميركية قابلة للنجاح وتحقيق الأهداف وهذا ما أدركه 'اللوبي الصهيوني' منظمة 'إيباك' المتخصصة بممارسة الضغط علي الإدارات الأميركية لحماية إسرائيل حين وافقت مع ثلاث منظمات يهودية أميركية كبيرة علي التعهد بالتزام الصمت وعدم التحرك ضد قرارات ''أوباما'' الدبلوماسية مع إيران فقد اجتمع قادة هذه المنظمات اليهودية مع مستشارة الأمن القومي الأميركي ''سوزان رايس'' وأبلغوها بهذا التعهد بعد أن وجدوا أن معارضتهم لسياسة ''أوباما'' ستجعلهم يفقدون مصالح كثيرة ويتحولون إلي كبش فداء تضحي به إدارة ''أوباما'' في ظل أزمة أميركا الخانقة.
ولاشك أن هذا التنازل من المنظمات اليهودية يدل علي مدي عجز إسرائيل عن تسخيرها لمنع استمرار لسياسة الدبلوماسية الأميركية تجاه إيران التي ترفضها إسرائيل وتحذر من أخطارها عليها.
ولذلك يري الباحثون في مركز دايان للدراسات أن إسرائيل تجد نفسها الآن في وضع من ينتظر ما سوف تسفر عنه عملية التكيف الأميركي مع تناقص القدرة الأميركية علي إدارة الأزمات في العالم.
إن المطلوب من بعض الحكام العرب التوقف عن لعب دور السمسار لواشنطن لبيع فلسطين والجولان وجنوب لبنان، لاسيما وأن مواقف الرؤساء الأمريكان تجاه عروبة فلسطين والقدس تشكل سابقة خطيرة جداً في العلاقات الدولية، وعلي حساب العرب والمسلمين ومباديء القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
ويجسد الانحياز الأمريكي المطلق ل ''إسرائيل''، والذي لا مثيل له في العلاقات الدولية علي الإطلاق، ذروة الاستهتار الأمريكي بحقوق ومصالح الشعوب والحكومات العربية والإسلامية، وبشكل خاص أمراء قطر الذين فتحوا بلادهم وخزائن المال فيها علي مصراعيها للصناعات والقواعد العسكرية الأمريكية..
وبناء عليه فقد أدارت قطر المتحالفة مع إسرائيل، والمتزعمة لعرب التطبيع، الظهر للمسألة العربية وقضاياها العادلة في تحرير الأراضي العربية المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية، وحماية الحقوق الثابتة، وعدم السماح بانتهاكها، فلم تعد إسرائيل هي العدو المهدد لتهويد القدس وإبادة العرب الفلسطينيين بل صارت مصر وسورية التي تخلو من مثل ما عندهم من برلمانات للحرية، ومؤسسات للديمقراطية، ودساتير عصرية، وتقدم كبير في قيم الشعب هي العدو، لأن تصنيف العدو لم يعد الذي سيهدم المسجد الأقصي ويقيم هيكل سليمان بل من لم يترك إسرائيل وأميركا تسودان في التاريخ العربي الحاضر والقادم هذا هو العدو فقط.
لقد تنبأ الفيلسوف العالمي الشهير ''أرنولد توينبي'' بانهيار الإمبراطورية الأمريكية، وأكد أن الأمم القوية تظل في حالة صعود مستمر إلي أن تتحول إلي أمم مستبدة طاغية، ثم تتوقف عن الصعود ويبدأ نجمها بالأفول وذلك بفعل ظهور قوي أخري تعمل علي إسقاطها عن عرش الزعامات، وهذا ما سيحصل للإمبراطورية الأمريكية مما سيجبرها علي الإسراع في التقوقع داخل حدودها ويسرع من انهيارها.
من هنا نري أن المستقبل ينبئ بأن أمريكا وإسرائيل القوتين المتغطرستين تواجهان مستقبلاً 'مشتركاً' واحداً، والظواهر المشهودة اليوم والمتغيرات المتسارعة علي الصعيد العالمي تؤكد هذه الحقيقة.
فقد أثبت التاريخ عبر عصوره المتواليات أن ما يخالف سنن الكون لا ديمومة له، وإسرائيل خالفت قوانين الأرض وشرائع السماء والسنن الكونية في كل ما أقدمت عليه. بل إن وجودها نفسه علي أرض اغتصبتها، وشعب شردته وقتلت ما لا يحصيه عدد من أبنائه، فضلاً عما أحاقت به من مآس وويلات لا حصر لها، سوف يفضي في نهاية المطاف إلي زوالها شأنها شأن غزوات كثيرة عرفها التاريخ علي هذه الديار المقدسة.
فالعد التنازلي لأمريكا وإسرائيل بدأ، وإن غداً لناظريه قريب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.