ازدهر في الغرب، ولم يعرفه الشرق إلا متأخرا، ذلك اللون من الأدب الذي يدور في فلك العلوم، ويغزل من توقعاتها وطموحاتها وآمالها عوالم واعدة وأحلاما وردية براقة ترنو إلي الآفاق البعيدة، والأهداف التي تبدو مستحيلة واقعيا، ذلك أدب الخيال العلمي الذي عرفه الغرب قبلنا بعقود، وقد يكشف الغوص في صفحات تراثنا العربي عن جذور له لم نفطن إليها، وعلي الرغم من سبقهم إلا أن عددا من الأسماء البارزة في أفق أدبنا العربي تفوقت في مجاله، وقدمت علامات في أفقه، ومنهم الأدباء الراحلون: نهاد شريف ورؤوف وصفي ود.مصطفي محمود وصبري موسي رحمهم الله جميعا، وقد حفرت آثارهم ونصوصهم عميقا في الضمير الأدبي العربي، ومن من المثقفين الحقيقيين يمكن أن ينسي أعمالا مثل: »رجل تحت الصفر« و»نقطة الغليان» و»العنكبوت» و»السيد في حقل السبانخ» وغيرها من العلامات، لكن الضمير الأدبي يرصد تراجعا في هذا المجال، ندرة الأعمال الحديثة التي يمكن أن نصنفها كمنتمية إليه، فما أسباب التراجع، وهل يتهدد ذلك اللون شبح الانقراض في أدبنا المصري؟ في البداية يقول الناقد المتميز د.حسين حمودة: إنتاج أدب الخيال العلمي في ثقافتنا العربية أقل بكثير مما يصدر في الغرب حيث تشكلت تجربة هذا الأدب بمصاحبة ومواكبة صعود الاكتشافات العلمية التي تراكمت وازدهرت لأسباب كثيرة، بينما نحن في كثير من الحالات كنا نعتمد علي هذه الاكتشافات دون أن نضيف إليها حالات استثنائية من خلال جهود فردية، وأدب الخيال العلمي عند العرب لم يتراجع، حيث لم يصل إلي قدر كبير من الازدهار، فقط كانت عندنا تجارب فردية أيضا في هذا اللون، علي أية حال، ولدي أمل أن يزدهر هذا النوع الأدبي عندنا مقرونا ومرتبطا بتقدم حركة العلم نفسه مع المزيد من الاهتمام بتخصيص ميزانيات كبيرة له، وتوفير مناخ مناسب، وتشجيع العلماء من الأجيال المختلفة، من هذا المنطلق أرجو أن تتبلور تجارب عربية مهمة وهكذا يتطور أدب الخيال العلمي. أما الأديب الكبير د.نبيل فاروق فيقول: بشكل عام أغلب المبدعين الجدد يفضلون كتابة روايات رعب تعتمد علي الخيال أو الفانتازيا دون الاعتماد علي بحوث أو دراسات علمية، وأنصح الأدباء الشباب الذين يرغبون في كتابة رواية خيال علمي قراءة الأبحاث العلمية المتوفرة علي شبكة «الإنترنت» أو متابعة الأخبار العلمية التي تتحدث عن الاختراعات، حيث يجعل الكاتب يفكر ويطرح سؤالا حول ما قرأه حتي تتبلور في ذهنه فكرة مناسبة تصلح أن تكون بذرة لرواية خيال علمي. ويقول الأديب ممدوح رزق: يواجه كاتب الخيال العلمي في تصوّري نوعين أساسيين من القمع: الأول يتعلّق بالسلطة الثقافية، وهرميتها القيمية المنحازة، التي تتحكم في الوعي العام، وسوق النشر، وحركة التداول. أما الثاني فيرجع إلي الجمود الذاتي وله أسباب متعددة الذي يمنع أعمال الكتّاب من أن تقدّم تمردًا عصريًا فعليًا علي الخبرة النمطية لهذا النوع من الكتابة. ويبقي الفرق بين رواية الخيال العلمي والرواية المعرفية إضافة إلي الاعتماد الجوهري علي ما بعد «العلوم الطبيعية» متضمنًا المسارات الفلسفية والتاريخية المختلفة، والقدرة علي التخطي الخيالي للأنساق «المعلوماتية»، هو وضع تاريخ كتابة الخيال العلمي موضع المساءلة عند كل كتابة كأنها مفترق للطرق، وهذا ما يجعل «المعرفة» في نطاق غير وظيفي، أي غير محدد باستعمال المعلومات كذاكرة مستدعاة فحسب، بل يتعمّد هذا النطاق تحفيزها أيضًا علي مقاومة براهينها، وأعتقد أنه علي أديب الخيال العلمي فضلا عن كونه مطالبًا بتوزيع مسارات انشغاله وطرق اكتسابه ل «خامات» المعرفة، حيث كل شيء يقبل التورط عليه أيضًا عدم التوقف عن محاكمة الفوارق الشائعة بين الخيال والعلم، وعدم الاعتماد كما كان الحال أغلب الوقت علي الاستشراف الغرائبي أو التنبؤ الإعجازي، وأن يدفع بالفلسفة أي العمل غير المنضبط للفكر نحو اللعب بثنائية الحلم والواقع لمراوغة أصولها المحتملة، وكذلك النظر إلي هذه الأداءات كأرق يلزم ما سبق وأسميته ب (أحلام الطبيعة العجائبية ل «العلم» في المتن القصصي)، أي أن هذه الأداءات تمثل إعادة كتابة لتاريخ أدب الخيال العلمي. يقول الأديب د. أحمد سمير سعد: أديب الخيال العلمي لم يختف، ربما لم يعد فقط يحظي بالتغطية الإعلامية التي يستحق، في وقت أصبح سوق الكتاب يسيطر عليه كتب الرعب والأدب الساخر والروايات الخفيفة خاصة مع تراجع الاهتمام بالعلم بشكل عام في مجتمعاتنا العربية، لكن هناك كتابات للخيال العلمي تواصل الصدور رغم ذلك، رواية الخيال العلمي تبدأ من الحقيقة العلمية لكنها لا تعني دائما بالالتزام بهذه الحقائق، تشوهها أحيانا وتحيد بها في سبيل إثارة الذهن وتحفيز الخيال، لكن العمل الجيد هو الذي يفعل كاتبه ذلك عن وعي واجتهاد، لا عن جهل بالحقائق ذاتها، الخيال العلمي معني بسؤال ماذا بعد؟ هو لا يقف أبدا عند منجزات اللحظة بل يسعي نحو الأراضي البكر، أدب الخيال العلمي شهد تراجعا عالميا وإن اختلفت الأسباب، في بلادنا النامية سبب التراجع أنه لا منجز علمياً يحفز علي مثل هذه الكتابات، كمثال عندما كتب نبيل فاروق سلسلة للخيال العلمي كتب عن مصر مستقبلية متقدمة، تملك بحثها الخاص وهو ما لم يعضده الواقع، أما عالميا فالتراجع سببه الإحباط، فنحن لم نصل إلي المريخ ولم نصنع روبوتا يستطيع التفكير كإنسان، لا يحاكيه فقط. مؤخرا مع صعود نجم إلون ماسك وبشاراته برحلات قريبة إلي المريخ ومحاولات تطوير الذكاء الصناعي التي تشهد تغطيات إعلامية كبيرة أعاد ذلك ربما نفخ بعض الروح في عالم أدب الخيال العلمي، وكاتب الخيال العلمي هو باحث من نوع مختلف، لا يتقيد بالرياضيات لكنه يدرك معناها، متي امتلك هذه الصفات كان كاتبا جيدا، أهمها الإطلاع والخلفية العلمية والفلسفية واستشراف المستقبل والتطوير الدائم للغته وتقنياته. في الختام تقول الناقدة د.ناهد راحيل: يعتمد تراجع أنواع أدبية وانتشار أخري علي النسق الثقافي والاجتماعي لبيئة بعينها، ربما يرجع تراجع أدب الخيال العلمي العربي خاصة - إلي تسارع الواقع في الأساس بسبب الأحداث التي يمر بها العالم العربي والتي توجه أدباؤه إلي اعتماد أنواع أدبية بديلة للتعبير عن هذا الواقع كأدب «الديستوبيا/المدن الفاسدة» مثلا، إن الرواية عمل تخيلي في المقام الأول، وتكمن محاولات التصنيف في تحديد الآلية أو التقنية التي تعتمدها كل رواية في معالجة موضوعها، وأعتقد أن كل رواية تمتلك بعدًا معرفيًا، فالبعد المعرفي بتصور باختين - مكون أساسي من مكونات الرواية منذ نشأتها. وإدراك هذا البعد يكون مرهونًا بخلفيات المتلقي في الأساس؛ فالقارئ هو الفضاء الذي تكتب بداخله النصوص محمّلة بحمولاتها المعرفية المتعددة، وطالما الحديث هنا عن رواية الخيال العلمي، لزم التفريق كذلك بين الرواية العلمية التي تتخذ من المعارف العلمية الثابتة موضوعًا لها فتشكله في بناء قصصي، وبين رواية الخيال العلمي التي هي جنس روائي استباقي هدفه الأساسي هو «التنبؤ» انطلاقا من معطيات علمية تخضع للحظة الراهنة. • محمد سرساوي