عبد الرحيم علي يكتب: الخامسة مساءً بتوقيت القاهرة «23»    محافظ قنا يشارك أقباط قوص فرحتهم بعيد الميلاد ويؤكد وحدة المصريين    طلاب سوهاج يحصدون المركز الثالث في البطولة الإفريقية والعربية للبرمجة    لانتهاكها للعقوبات.. أمريكا تحتجز ناقلة نفط روسية    محلل سياسي: المسيرات غيرت شكل الحروب والدعم الغربي لأوكرانيا مستمر    الأنباء السورية: "قسد" تستهدف نقاط الجيش في الشيخ مقصود والأشرفية    بيراميدز يهزم جولف يونايتد الإماراتي بثلاثية وديا    بمشاركة مصر.. كاف يعلن موعد قرعة أمم إفريقيا للسيدات 2026    محمد صلاح بين اختبار كوت ديفوار وقمة ليفربول وأرسنال    الأهلي يتواصل مع عمرو الجزار ويجهز عرضًا لشرائه|خاص    ضبط المتهم بإدارة صفحة بمواقع التواصل الاجتماعى للترويج لبيع الأسلحة    ضبط سائق تحرش بفتاة لفظيًا بسوهاج    يناير الجاري.. موعد طرح «كولونيا» بدور العرض    بيان رسمي من لقاء الخميسي بشأن زواج زوجها من فنانة أخرى    حنان مطاوع تهنئ والدتها سهير المرشدى بتكريمها فى احتفالية عيد الثقافة    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    اعتراف بالفشل.. التعليم تقرر إعادة امتحان البرمجة للصف الأول الثانوي بعد سقوط منصة كيريو    الصحة: استهداف خفض الولادات القيصرية إلى 40% بحلول 2027    البديوي السيد: رسائل الرئيس السيسي من الكاتدرائية تؤكد تماسك النسيج الوطني ووحدة الصف    إيران تدين زيارة وزير خارجية إسرائيل إلى أرض الصومال وتعتبرها انتهاكا للسيادة    ننشر الأسماء.. وزارة التضامن تغلق 80 دار رعاية مخالفة وغير مرخصة في 18 شهرًا    نجم الجزائر يعتذر لمشجع الكونغو الديمقراطية    طريقة عمل أرز بالسبانخ والليمون، طبق نباتي غني بالحديد ومثالي للصحة    عاجل.. سلامة الغذاء تسحب عبوات لبن نستلة من الأسواق    "القاهرة الإخبارية": استمرار القصف الإسرائيلي على الأحياء الشرقية لقطاع غزة واستشهاد طفلة    إذا تأهل الريال.. مبابي يقترب من اللحاق بنهائي السوبر الإسباني    كنوز تعبر القارات: المتحف المصري بالقاهرة ورسالة التراث إلى العالم    محافظ القليوبية ومدير أمن القليوبية يقدمان التهنئة بعيد الميلاد المجيد بمطرانية شبين القناطر    الغرفة التجارية: 10 شركات تسيطر على موانئ العالم والاقتصاد البحري    احتجاجات لليهود الحريديم ضد قانون التجنيد تنتهى بمقتل مراهق فى القدس.. ونتنياهو يدعو لضبط النفس    مشاورات مصرية عمانية في القاهرة    تشييع جثمان المطرب ناصر صقر إلى مثواه الأخير    1000 رحلة يوميا و1.2 مليون راكب.. السكة الحديد تكشف أرقام التشغيل على مستوى الجمهورية    ضبط 2.5 طن نشا مجهولة المصدر بمصنع بشبين القناطر بمحافظة القليوبية    محافظ أسوان يوزع كروت تهنئة الرئيس والهدايا على الأطفال بمختلف الكنائس    فرقة «نور الحياة» تحيي حفلًا ببيت الغناء العربي الجمعة    البابا تواضروس: وحدتنا أساس الحفاظ على الوطن وقواتنا المسلحة فخر لكل مصرى    محافظ كفرالشيخ: التشغيل التجريبي لمجزر دسوق تمهيدًا لافتتاحه    النيابة الإدارية تواصل غدًا التحقيق في واقعة مصرع 7 مرضى بمركز علاج الإدمان بالقليوبية    الرعاية الصحية تعلن خطتها للتأمين الطبي لاحتفالات عيد الميلاد المجيد    انطلاق «مارثون الخير» بفنادق شرم الشيخ    انطلاق أول كورس لجراحات المناظير المتقدمة التابع لكلية الجراحين الملكية بلندن داخل قصر العيني    إصابة 22 عاملًا بحادث انقلاب ميكروباص عمال في البحيرة    اقتصاديات الصحة تدرج 59 دواء جديدا وتضيف 29 خدمة خلال 2025    وزيرا الزراعة والتعليم العالي يبحثان تفاصيل مشروع إنشاء جامعة الغذاء في مصر    وزارة المالية: مديونية أجهزة الموازنة للناتج المحلي تستمر في التراجع    أسعار اللحوم في الأسواق المصرية اليوم الأربعاء 7 يناير 2026    299 متهمًا و62 ألف حكم.. حصيلة 24 ساعة من الحملات الأمنية    حريق يلتهم سيارة نقل ثقيل دون إصابات على الطريق الصحراوى بالإسكندرية    حماية الأمن المائي المصري، بيان عاجل لوزارتي الخارجية والموارد المائية والري    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    أسعار الذهب في مصر اليوم الأربعاء 7 يناير 2026    البابا تواضروس الثاني: عيد الميلاد المجيد رسالة محبة إلهية متكاملة    الحاكمة العامة الكندية من السكان الأصليين ستزور جرينلاند وسط تجديد ترامب الحديث عن ضمها    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عالم الفولكلور د. أحمد مرسي:الديگتاتورية انتهت .. والعودة إلي ما قبل 25 يناير.. مستحيل
نشر في الأخبار يوم 05 - 06 - 2011


مسئول محبوس الآن قال لي : وحياة أمي ماهتشوف طيب!
هنا.. ثورة من نوع آخر، ثورة فعل مضارع مستمر وضروري للحفاظ علي ماض حي، يهيئ للإقلاع نحو المستقبل، فلا فعل مضاد يقف في وجهها، لا فلول ولا بلطجية، ولا جماعات أيا كانت، ولا أشباح ولا أوهام، إنما حقائق وأرقام لوجدان بلا أسوار.
هنا.. ثورة علي إهمال مكونات الروح المصرية ومكنوناتها، التي تشكلت عبر ألوف السنين، ولا تزال تتقبل كل جديد وستظل إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأنها ببساطة واختصار متجذرة في هذه الأرض. هنا.. تجري أكبر عملية لحفظ المأثورات الشعبية المصري بعفويتها وتلقائيتها من قبل أن يطمسها إنس ولا تكنولوجيا ولانسيان ولا زمان، في ظل الحاجة الماسة الي التشبث بالمأثور الشعبي في هذه الآونة من العصر، التي تشهد محاولات مستميتة لطمس هويات الشعوب، وانتزاع خصوصيتها، وتعميم ملامحها تحت (قبعة الكاوبوي) وتعويم معالمها في معطف (ثقافة الساندويتش).
هنا.. في أجواء الحسين والأزهر والجمالية والقاهرة الفاطمية، في منطقة (بيت السحيمي) أشهر مناطق القاهرة الشعبية وأعرقها التي تفيض بالآثار والمآثر، نتحرك في (مركز الإبداع الشعبي) وبالتحديد في أروقة مقر (أرشيف الفولكلور المصري) في (بيت الخرزاتي) والمجاور لبيت السحيمي بالجمالية.
هنا .. ثلة من العقول والأدمغة يمثلون مختلف الأجيال بالقدرة التي تتجسد في الشباب والمعرفة التي تتمثل في ذوي الخبرة والعلم والتجربة، يعكفون علي تأسيس وتأصيل أول أرشيف للفولكلور المصري.. خلايا بشرية تسابق الزمن حتي لا يسرق معالمنا الشعبية وهي جوهرنا بل جواهرنا، فيسخّرون عطاءات التكنولوجيا لمعطيات المأثورات الشعبية التي يجمعونها ميدانيا من كل جنبات هذه الأرض الطيبة التي لا تقبل أن تنبت إلا طيبا.
(76) عنصرا علميا وفنيا.. يشكلون خلايا متداخلة تتحرك في منظومة تقليدية أصبح الاحتياج إليها شديدا، في ظل الاجتياح الأشد، لموجة ما يسمي ب (العولمة) حتي صار المحافظ علي جذوره والحافظ لأصوله كالقابض علي الجمر: علماء.. خبراء.. باحثون..فنيون.. محللون..جامعون..مدونون..مدخلو بيانات.. مونتاج.. صوت.. وتقنيات.. وصورة.. وفيديو.. جرافيك.. معلومات.. كل ذلك وأكثر من ذلك ينصهر في خبرات وخيرات المأثورات الشعبية، ورغم تعدد الخلايا وتشعبها، إلا أن كل شئ في هذا المكان منظم، تنظمه رؤية تجعل منه سيمفونية للمشروع يقودها الآن الدكتور أحمد مرسي أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة والاستشاري المقيم للمشروع بعد رحيل عالم الفولكلور د. أسعد نديم الذي رحل قبل أسابيع، وكان عاشقا لمصر بحرفييها وصناعها ممثلا الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي الذي يمول المشروع تحت خبرة 14 مستشارا، و12 مساعد خبير، و40 جامعا ميدانيا، و16 فنيا وتقنيا.
فرض عين ثقافي ووطني
والحكاية مبادرة، والمبادرة غيرة علي الهوية، والهوية في غياب الجذور معرضة للاهتزاز والابتزاز، دعا إلي تأصيلها رواد دراسة الفولكلور قبل أكثر من نصف قرن، فهل آن الأوان لترجمتها علي أرض الواقع في هذه الآونة الزئبقية التي يعيشها العالم؟
يقول د. أحمد مرسي: هناك حقيقة مهمة يعرفها المتخصصون في المأثورات الشعبية، وهي أن الحفظ والصون والحماية يقتضي وجود أرشيف أو قاعدة بيانات لهذه المأثورات، ومن هنا كان وجود أرشيف قومي يقوم علي الجمع العلمي المنظم للمأثورات وتوثيقها وحفظها وتصنيفها أمرا ضروريا وأساسيا، وهو فرض عين ثقافيا ووطنيا، ذلك إن إنشاء أرشيف قومي يقوم علي جمع شتات هذه المأثورات وحفظها وتصنيفها كان حلما راود الرواد منذ أكثر من ستين عاما عندما سعوا لإنشاء مركز الفنون الشعبية (1957) لينهض بهذه المهمة، ولم يتحقق - للأسف الشديد - الهدف الذي أنشئ المركز من أجله لأسباب كثيرة ، ليس هنا مجال لذكرها أو البكاء علي ما لم يتحقق، ذلك أن هذا لا يغير شيئا.
لقد ظل إنشاء هذا الأرشيف حلما وأملا سعي الجيل التالي لجيل الرواد لأن يصبح حقيقة، وربما تتاح الفرصة يوما لتسجيل رحلة تحقيق الحلم التي استغرقت سنوات تزيد علي نصف قرن، يلخصها مثل شعبي آخر يقول: (اللي يحبي يقطعها جبال) أي أن من يحبو يستطيع إذا استمر في الحبو أن ينتصر علي عقبات الطريق وأن يصل إلي ما يريد، ولقد أصبح الأرشيف حقيقة، صحيح أنه لا يزال (يحبو) لكنه سيستمر في الحبو، ثم السير، والجري، لأننا مطالبون بأن نجري بأقصي سرعة لكي نظل في مكاننا، ولأننا إن لم نفعل ذلك نكون قد فرطنا في (مكاننا) في الوطن- وضيعناه.
إعادة اكتشاف الذات
الجملة الأخيرة في حديثك تشي بأنها تحمل جينات كثيرة ومثيرة في الراهن المحير، فالحديث عن (الوطن) أصبح ذا شجون وشئون أكثر من أي وقت مضي، وأكبر من أن تحتمل التأجيل ، لاسيما ونحن نعيد اكتشاف الذات وبالأخص في عنفوانها الشبابي..أليس كذلك دكتور أحمد مرسي؟ أتساءل قبل الاسترسال في معطيات وعطاءات المشروع الذي يشكل مساحة واسعة من جوهر شخصية مصر والمصريين التي تتأبي علي الانكسار؟
العودة إلي ما قبل 25 يناير في حكم المستحيل، والديكتاتورية انتهت إلي غير رجعة، والفترة الانتقالية تحتاج الي المزيد من التأني والدراسة، والتخوف من سيطرة فصيل سياسي معين علي الساحة مشروع.
والذي يحدث أن النظام السابق ومنذ عام 1952 حتي الآن لم ينجح في تشكيل تنظيم سياسي قوي، لا فوق الأرض ولا تحت الأرض، ولم يكن مسموحا بقيام تنظيمات إلا أن تكون هشة، وكما قال أحد السياسيين السابقين: ( ليست المشكلة أن نشكل حزبا المسألة الأهم كيف نحله!) وهذا ما حدث حتي الموالية للسلطة منذ هيئة التحرير والاتحاد الاشتراكي القومي والوطني وكل الأحزاب الأخري، مقابل التنظيمات السرية تم اختراقها وتصفيتها، وانتهت، وثمة تنظيمات كانت ممنوعة،وإن عملت فعملها جزء من لعبة النظام.
إذن ثمة أزمة تراها؟
لاتوجد أحزاب قوية تستطيع أن تخوض الحياة السياسية ، وتقوم علي استحداث التغيير، كما حدث في أكثر من بلد في العالم مثل اسبانيا بعد فرانكو، والبرتغال بعد سالازار، واندونيسيا بعد سوهارتو، العملية استغرقت وقتا وكان في بعض البلاد أكثر من مائة حزب، الاحزاب المصرية كانت جزءا من الديكور السياسي، وحين كان يسمح لها إنما لاستكمال الديكور، ولذلك قيل إنها جرائد لها أحزاب.
هل تري أن اللحظة الراهنة صارت زئبقية أكثر مما ينبغي؟
- الحوار والوفاق والجدل ، كل ذلك جميل جدا، لكن لا ينبغي أن نبدأ من الصفر، ولا أن نخترع العجلة، أمامنا تجارب سابقة، تتفق معها أوتختلف، مع الاحتفاظ بخصائصك أنت، لدينا منظرون سياسيون لم يسمع عنهم أحد من قبل، لم يكن لها عمل سياسي، ولا اتصال وطني، وكلهم يجيدون الكلام، وهنا أكبر مصدر للأزمة : النخبة تخاطب النخبة!!.
أسأل هل احد من فلاسفة الثورة الجدد نزل قرية وقعد مع الناس؟ - حد كلف خاطره ونزل التجمعات العمالية في الريف الذين قامت الثورة من أجلهم، كلهم يجلسون في قاعة المؤتمرات ومجلس الوزراء ودور الصحف والفضائيات وغير ذلك ، كلهم نخب متعددة تمارس خطابا غير مريح.
إن الشباب هو الذي قام بالثورة بعد أن سانده الشعب بكل أطيافه وشرائحه، وهذا أمر طبيعي، فالشباب هو الذي يثور، لكن هناك من استبدل نفاق النظام بنظام الشباب، كأنهم لا يخطئون وكل ما يعلنونه مجاب، صحيح لهم الحق ، وهم المستقبل، ومن ثم فأخطر ما يصيبهم هو النفاق، عندما أتحاور مع ابني فإنني أنطلق من المثل (إن كبر ابنك خاويه) منطلق الإخاء، فلا أغضبه ولا أقمعه، فالشباب في غاية الذكاء، ولا تنطلي عليهم لعبة النفاق، فهي عملية تأتي بآثار عكسية، هناك الخطأ وهناك الصح، وكلنا شركاء في هذا الوطن، فالوطن ليس للكبار فقط وليس للشباب فقط، لا يوجد مجتمع في الدنيا يمشي برجل واحدة، لا بد من الخبرة والقوة والمعرفة والتراكم والحوار بين الأجيال.
علي أية وسائط تري هذا النفاق؟
- الإعلام يلعب دورا خطيرا سواء كان مكتوبا أم مسموعا أم مرئيا، وهو في رأيي سبب واضح من أسباب الإنفلات العام الذي نعاني منه، وسوء ادارته يتبدي في تلخيص القضية في نهب المال العام فقط، وكأن الثورة قامت من أجل تحرير الصحراء الشرقية أو الغربية والطريق الصحراوي، كل يوم تسمع أن فلانا يمتلك ثلاثين فيللا، وعشرين قصرا، وعلنا اشتري المتر بخمسين قرشا، وفي مقابل ذلك( الرجل الغلبان مش لاقي أوضة فاضية، والمواطن البسيط عايز حتة أرض وهم يقولون له دي أرض آثار) !. أين الذين زيفوا وعي المجتمع؟ أين الذين زوروا الإرادة السياسية للشعب؟ أين الذين انهار التعليم علي أيديهم وأفسدوا عقل الأمة؟ إن ما نهب من أراض وأموال من السهل استعادته، ومعاقبة من نهب، والذي هرب الفلوس كتب اقرارا بالكشف عنها، فهل الثورة قامت فقط لإزاحة حسني مبارك وزوجته، صحيح أن السمكة تفسد من رأسها ، لكن المحاسبة السياسية هي الأولي لمن تسبب في الفساد السياسي والإفساد الإداري في الدولة، وهل نستهين بالعشوائيات ؟ لماذا نهتم بالمالي علي حساب السياسي؟ أين نحن من المثل الشعبي (العايط علي الفايت نقصان من العقل).
أنت تقلب في مجوهرات الشخصية المصرية - اذا جاز الوصف- وإيمانك بالعنفوان المصري يدثره اليقين؟
- نعم.. رغم كل الظروف المعاكسة، فإن الحلم المصري لا يزال قائما وسيظل وهو قائم منذ انهيار الامبراطورية المصرية القديمة، وكل القوي التي جاءت بعد ذلك لم تترك مصر في حالها، حتي الآن، ومع ذلك عاش المصري عكس كل الظروف التي فرضت عليه، وعاش يحلم بحياة أفضل، وإلا قل لي ما تفسيرك لهذا الهوس لدي المصري بالعلم والتعليم ، لا يوجد شعب في الدنيا لديه هوس إيجابي بالتعليم ، المصري يتقبل أي شئ مقابل أن ( يعلم ولاده كويس) .. لماذا ؟ لأن لدي المصري عنصرين أساسيين مثل كرات الدم الحمراء والبيضاء، وطول عمره في سلوكه يؤدي وظيفتين : البناء والتعليم، فهو (الباني والمعلم)، وعندما تريد أن تضعفه اضربه في هذين العنصرين، هل شاهدت بناء عظيما وقع أو هدم، هل سقط مبني من المباني القديمة ؟ أبدا، ( حد سأل نفسه ليه) ثم هناك مغالطة كبيرة في هذا السياق، كأن فراعنة مصر كانوا هم فرعون موسي، هذا غير صحيح. ومابين الإبداع المصري الفردي المتمثل في مؤلفاته وكتبه، والإبداع الجماعي المتمثل في مأثوراته الشعبية، فإن الإسهام الحضاري المصري لم يتوقف، ولم ينهض أحد بالقدر الكافي بتقييم هذا الإبداع الحضاري صعودا وهبوطا، هناك فترات يتمتع فيها المصري بالحرية، والمشاركة في صنع الحضارة الإنسانية، وقد تبلور واضحا في هذه الاونة في ابداعات نجيب محفوظ ود. محمد البرادعي ود. أحمد زويل وفاروق الباز، وهم مبدعون وليسوا زعماء سياسيين، لكنهم ثمرة هذا الشعب، فهؤلاء نتاج الخمسين سنة الأخيرة ومثلهم كثيرون، فكل واحد من هؤلاء عمره الحقيقي خمسة آلاف سنة، وقد طرحت قبل سنوات بعيدة عندما كنت مستشارا ثقافيا في مدريد بأسبانيا مقولة:( مصر صانعة الحضارة، المحافظة عليها ، المضيفة إليها) وهذه حقيقة تاريخية وحضارية.
طول عمرك وعبر مراحل فكرك وأنت في عالم الفولكلور المصري، جامعا ومحللا وخبيرا وأستاذا، وللشباب في هذه المنظومة الشعبية مساحة ملحوظة في كتاباتك ومحاضراتك والمراكز العلمية التي رأستها داخل مصر وخارجها؟ وعندما كنت مسئولا عن الشباب في مطالع الثمانينيات، أقنعت الرئيس الراحل أنور السادات بحتمية الحوار مع الشباب وفتحت القنوات من أجل ذلك فلماذا سدت واغلقت في الحقبة التالية، وما هي التحديات التي واجهتك؟.
- كانت هناك فجوة بين الرئيس السادات والشباب، نتيجة لما كان ينقل إليه مما هو مخالف للواقع، فأردت أن يري بنفسه، دون وسيط، حتي لو كان الوسيط هو أنا، لابد للرئيس أن يتحاور بنفسه مع الشباب دون ترتيب مسبق، وهؤلاء قد فارقوا سن الشباب الآن، ولا يزال كثير منهم أحياء إلي اليوم، وإذا خالفت الحقيقة فليصبحوا لي أو يعترضوا.. كان الرئيس السادات يلتقي كل يوم جمعة بعد الصلاة، في لقاء مفتوح في أكثر من مكان في قريته (ميت أبو الكوم) وفي المعمورة بالاسكندرية والقناطر بالقاهرة، وغيرها من الأماكن، ويحضرها ما بين 400 الي 500 شاب، وتمتد الحوارات ساعات طويلة، وهي مسجلة وموجودة. .كانت تجربة فريدة غير مسبوقة، وكانت إحدي ثمارها الرئيسية أن تكون الانتخابات بالقوائم النسبية وأن يمثل الشباب في قوائم الحزب، وهو ما لم يحدث علي الإطلاق حتي الآن، في عام 1980 تغير قانون مجلس الشعب بإضافة 70 عضوا من الشباب الي عدد أعضائه، وعندما سألت الرئيس السادات عن ذلك عام 1980 قال: ( حتي لا يستعدي الكبار عليهم) ولم يتكرر ذلك مطلقا الي اليوم، ولذلك كان هذا التجاهل للشباب بعد وفاة الرئيس السادات هو أحد الأسباب الأساسية في ابتعادي عن العمل السياسي، ففي عام 1982 كان هناك استعدادات لانتخابات مجلس الشعب، وكان الشباب يتساءل عن موقعهم من قوائم الحزب، فسألت أحد كبار المسئولين آنذاك، فقال لي بالحرف الواحد( يا مرسي أي واحد أيا كان يقدر يحقق لي أغلبية مريحة في البرلمان حتي لو كان تاجر مخدرات سأرشحه ولن أرشحك أنت) قلت له: ترشح تاجر مخدرات وأنا القيادي الخامس في الحزب؟ قال : نعم! قلت: ومن أدراك أنني لا أستطيع أن أحقق هذه الأغلبية؟) .أضرب لك هذه الواقعة الدالة علي مدي الفساد السياسي والفكري، ولم انقلها للشباب لما فيها من خطورة عليهم وعلي الحزب آنذاك، وبعد شهر واحد كنت خارج الحزب، وقال لي أحد سدنة النظام، وهو الآن في السجن: (وحياة أمي ما ح تشوف يوم طيب طول ما أنا عايش) فاللهم لاشماتة!!.
نتحرك في (مركز الإبداع الشعبي) ونتوقف مع فيلم مسكون بمشاهد يحولها الي شواهد علي الإبداع العفوي المصري، وأتساءل: اذا كنا نعيب علي غيرنا في ارتكاب مخاطرة الإعراض عن فنوننا الشعبية، فإننا أيضا مشاركون فيها حين بعدنا عن آدابنا العامية ، ونأينا عن مأثوراتنا الشعبية ، مثلما تخلينا عن كثير من مآثرنا، فاستعرنا كل شيء في حياتنا حتي أسمائنا وما أقسي التوهان في عصر الاستعارة! ومن ثم أسأل: إن الجواهر لتحتاج لصائغ يعرف كيف يقدمها ويتغني بمحاسنها ، وهذه هي مهمة علماء الفولكلور، فماذا أنتم فاعلون د. أحمد ؟
- إنه يقول:( لدينا برنامج لإصدار مجموعة من الوسائط المكتوبة والمرئية والمسموعة التي تتناول هذه الثروات الشعبية بالتحليل العلمي، منها مطبوعات عن (الموال) و(الأسواق الشعبية) و(الموالد) واسطوانات مدمجة تحمل هذه المواد الشعبية المتنوعة) من أجل ذلك .. كانت الخطوات متسارعة ومتلاحقة لتدريب 170 من خريجي الجامعات من مختلف التخصصات علي عمليات الجمع والتوثيق والتصنيف، بمعاونة 16 أستاذا من المتخصصين في المأثورات الشعبية والمواد والمهارات ذات الصلة، وقد تم اختيار 40جامعا وجامعة من بينهم ينهضون الآن بعمليات الجمع الميداني، وكان الإنجاز ، وحين بدأ المشروع تفاعل مع المجتمع فانفعل معه أبناء هذا المجتمع ، لتحتوي الجولات الميدانية المركزة كافة المحافظات وفي غضون عامين متواصلين استطاع مركز الابداع الشعبي أن يقتني مجموعة من التسجيلات تشكل الحصاد أو القطفة الميدانية للمشروع حيث بلغ عدد الرحلات 3008 رحلات، و3750 ساعة فيديو، و 911 ساعة صوت و167343 صورة فوتوغرافية من جميع محافظات مصر.
رسالة الي كل حاكم غشيم
سؤال لا يبحث عن إجابة بقدر ما هي إجابة تبحث عن سؤال: مصر التي أنت عارف بأسرارها (علي فين) ؟
- كل خيرها لأولادها، وهي الي الأفضل، المسألة تحتاج وقتا، والتقصير الذي نلمسه يأتي من عدم الفهم الحقيقي لتركيبة الإنسان المصري، وفك شفرة هذه التركيبة باللجوء إلي المواطن بشكل مباشر بدون وسائط، فأنت في حالة ثورية، أنت في ثورة فلابد أن تخاطب الناس بآداء مختلف فما يخرج من القلب يدخل الي القلب، ولو كسبت الناس في القري والنجوع والمناطق النائية لكسبت مصر كلها، كلموا الناس بأسلوب جديد، فإذا كنا نخاطب الشباب علي الفيس بوك، فبماذا نخاطب شباب الفلاحين والعمال، وغير المتعلمين، ان التليفزيون أداة خطرة وفعالة لو أحسنا استخدامها كما ينبغي، إنه حسن الأداء وصدقه وشفافيته ومصداقيته.
كل ثورات المصريين عبر التاريخ، غير متوقعة طول عمرها، بمعني أن لا أحد يستطيع أن يتنبأ بها ، قديما وحديثا، هل استطاع أحد، أو أية قوة أن تتنبأ بثورة 1919 ومن بعدها ثورة 1952 و بما حدث في اكتوبر 1973 وهل توقع أحد أي أحد، ثورة 25 يناير 2011 أبدا! الجميع قالوا ان الشعب المصري منبطح، وقالوا لم يعد لديه قوة، وقالوا وقالوا.. وكنت أقول في أول يناير وأنا في غرفة الجراحة إن الثورة (ح تقوم ح تقوم) من حيث لا يتوقع أحد، قلتها بالحس المصري وعلاقتي العميقة والطويلة بالناس، عبر الفولكلور ومأثورات المصري الشعبية، ومآثره الجمعية والجماعية، وتراكماته التاريخية، وتاريخه الثوري الشعبي، وانظر متأملا في هذه المقطوعة من الإبداع الشعبي علي لسان الشعب إلي كل حاكم ظالم لا يعرف جوهر المواطن المصري البسيط:
(أنا جمل صلب لكن علتي الجمال
غشيم مقاوح ولا يعرف هوي الجمال
لوي خزامي وشيلني تقيل الأحمال
إن قلت يا بني هو الحمل دا ينشال
قال لي خف الخطا وكل عقدة ولها عند الكريم حلال)
أكذوبة الفولكلور الإسرائيلي!
قدت عملية فضح عميقة لأكذوبة ما يسمي ب ( الفولكلور الاسرائيلي) وهو تعبير خرافي وكاذب ويثير سخرية أي باحث فولكلوري في العالم، كما يجمع الباحثون؟.
- نعم ولا أزال..لأن اسرائيل لا تتواني عن السطو علي تراثنا، حتي شخصية جحا نسبوها الي أنفسهم! وحتي أكلة الفول والطعمية اعتبروها من تراثهم!! وأصدروا دراسات عديدة - كاذبة أيضا- عن أن اللغة العبرية هي أصل اللغة العربية! فمصطلح ( الفولكلور الاسرائيلي) بالفعل يثير الدهشة والتساؤل فكيف يمكن أن يوجد ما يسمي( الفولكلور الاسرائيلي) ولم يكن هناك قبل عام 1948 الشعب الاسرائيلي، ولم تكن هناك دولة اسمها اسرائيل، ذلك أن الحقيقة العلمية تفترض أنه لكي يكون لشعب من الشعوب تراث من أي نوع لابد أن يكون هناك شعب، وأن يكون لهذا الشعب وطن يعيش فيه ولغة يستطيع أن يبدع فيها، وأن يعبر بها عن نفسه ومن الثابت تاريخيا أن ذلك لم يحدث. ومن ثم فإني اعتبر أن جمع الفولكلور المصري ودراسته دراسة علمية هو من أخطر الأسلحة التي نواجه بها العبث الاسرائيلي بتراث المنطقة ككل، فالعالم لا يعترف الا بمن يحسن التعريف بنفسه، ويلتمس الي ذلك كل السبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.