جامعة الإسكندرية تشارك في يوم التعاون العلمي والأكاديمي المصري الفرنسي بباريس وتوقّع اتفاقيات دولية جديدة    محافظ الجيزة: دخول 9 مدارس جديدة وتوسعات الخدمة بإجمالي 317 فصلًا دراسيًا في الفصل الدراسي الثاني    ننشر الصور الأولى من حادث انهيار سور ابو فانا ملوي بالمنيا    طرح ياميش رمضان على البطاقات التموينية ضمن سلع فارق نقط الخبز.. تفاصيل    مباحثات مصرية سلوفينية لتوسيع التعاون في الموانئ والطيران والعمالة الماهرة (تفاصيل)    لجنة التحقيق الروسية تحقق في محاولة اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية    مصادر طبية في غزة: 10 آلاف مفقود تحت الأنقاض و5 آلاف لا نعرف مصيرهم    تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة سيف الإسلام القذافي|فيديو    الضفة الغربية تشهد أعلى نسب تهجير قسري للفلسطينيين خلال يناير    أردوغان في ذكرى زلزال 2023: تركيا قدّمت أروع صور التضامن وأعادت الإعمار خلال 3 سنوات    كونسيساو يعلن تشكيل اتحاد جدة أمام النصر في الدوري السعودي    أرتيتا يؤكد اقتراب عودة ساكا ويحذّر من صعوبة مواجهة سندرلاند    القبض على سيدة و4 عاطلين بتهمة سرقة مدرس داخل مسكنه بالهرم    ارتفاع حرارة الجو.. هيئة الأرصاد تكشف أعلى الدرجات المتوقعة غدًا    نيابة كوم حمادة تصرح بدفن جثمان الطفل عبد الرحمن لعدم وجود شبهة جنائية    دراما رمضان 2026، طرح البوسترات الفردية لمسلسل "عين سحرية" لعصام عمر    القاهرة الإخبارية: تهجير قياسي في الضفة الغربية نتيجة هجمات المستوطنين    طريقة عمل برجر اللحم بدون فول الصويا    رئيس جامعة الإسكندرية يستقبل الخبير الدولي الدكتور ين لي Yin Li المتخصص في جراحات المريء بالمعهد القومي للأورام ببكين    ثقافة الإسماعيلية يطلق مبادرة "كلنا جوّه الصورة" لمواجهة التنمّر    ليلة في حب يوسف شاهين بالمعهد الفرنسي.. نقاد ومبدعون: سينماه خالدة مثل أدب شكسبير    إحالة عاطل للمحاكمة بتهمة فرض إتاوات على المواطنين من أجل ركن السيارات    الزمالك يهزم طلائع الجيش فى انطلاق المرحلة الثانية بدورى محترفى اليد    وكيل الصحة بالدقهلية يستقبل مساعد الوزير بموقع مستشفى شربين الجديد    علامات تؤكد أن طفلك مريض بجرثومة المعدة    أسعار الفراخ فى رمضان.. رئيس شعبة الدواجن يبشر بخفضها بعد طفرة الإنتاج    ترامب يربط تمويل 16 مليار دولار في نيويورك بوضع اسمه على مطارات ومحطات    محمد عثمان الخشت: التسامح المطلق شر مطلق.. ولا تسامح مع أعداء الدولة الوطنية    الأزهر للفتوى يوضح حكم الصيام بعد النصف من شعبان    رئيس الحكومة اللبنانية يتسلم الورقة الأولية للخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية    منتخب مصر للشابات يخسر أمام بنين بهدف في ذهاب التصفيات المؤهلة لكأس العالم    وزارة «التضامن» تبدأ تحصيل قيمة تذكرة الطيران للفائزين بقرعة حج الجمعيات الأهلية    بلدية المحلة يكتسح ديروط برباعية فى دورى المحترفين وبروكسى يهزم وى    فرق الفنون الشعبية المشاركة بمهرجان الثقافة والفنون تستكمل عروضها بساحة دخول معابد فيله    افتتاح 3 مساجد جديدة بعد الإحلال والتجديد بالقليوبية    رمضان 2026 - الصور الأولى من كواليس تصوير "إعلام وراثة"    افتتاح جهاز الجاما كاميرا بوحدة الطب النووي بمستشفيات سوهاج الجامعية    غدا.. فصل التيار الكهربائي 3 ساعات عن عدة مناطق في بني سويف للصيانة    بحوزته مليون جنيه وسيارة.. ضبط متهم بالتنقيب عن خام الذهب في قنا    ياسر جلال ومصطفى أبو سريع يغنيان "الحب اللى كان" من كواليس كلهم بيحبوا مودى    الذهب يرتفع والفضة تتراجع وسط تباين شهية المخاطرة العالمية    تربية نوعية بنها تحصد المراكز الأولى في ملتقى الإبداع السابع بأسيوط    خشوع وسكينه.....ابرز اذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    تحذير من الأرصاد بالتزامن مع انطلاق الدراسة غدا.. فيديو    8 قرارات جمهورية مهمة ورسائل قوية من السيسي ل شباب مصر    الأوقاف تحيي ذكرى وفاة الشيخ كامل يوسف البهتيمي    صفاء أبو السعود: الإعلام شريك أساسي في بناء الوعي المجتمعي ونشر المفاهيم السليمة    المساجد تمتلئ بتلاوة سورة الكهف.. سنة نبوية وفضل عظيم يوم الجمعه    حريق منشأة ناصر يفتح ملف تنظيم تدوير المخلفات وحماية المواطنين    صفقات الدوري الإيطالي في ميركاتو شتاء 2026.. أديمولا لوكمان يتصدر القائمة    6 فبراير 2026.. أسعار الحديد والأسمنت بالمصانع المحلية اليوم    معهد الشرق الأوسط بواشنطن يستضيف وزير البترول والثروة المعدنية في لقاء موسع    جيش الاحتلال الإسرائيلى يعتقل 60 فلسطينيا من الضفة الغربية    لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام؟.. حكم شرعي يهم كثيرين    فرح يتحول لعزاء.. تفاصيل وفاة عروس وشقيقتها ويلحق بهم العريس في حادث زفاف المنيا    بعثة الزمالك تتوجه إلى زامبيا استعدادًا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    بعد حديث ترامب عن دخول الجنة.. ماذا يعني ذلك في الإسلام؟    كأس إسبانيا - أتلتيكو إلى نصف النهائي بخماسية في شباك ريال بيتيس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوميات الأخبار
في حضرة القديس مجدي يعقوب
نشر في الأخبار يوم 20 - 01 - 2015

«لو أديرت مصر كما يدار هذا المركز لتغير وجه الحياة في الوادي كله والتاريخ ايضا..»
في اسوان أضيء بعنصرين، الطبيعة المرئية، المحسوسة، والبشر، الناس هنا طيبون كما قال صلاح عبدالصبور عن بلاده يوما، في اسوان وصف الطيبة يرتفع قليلا هنا، وصلنا في مطلع النهار، كانت المحافظة منفي حتي بناء السد العالي، والغريب أن خلية النحل الجبارة التي رأيتها خلال بناء السد لم تستمر، ما تزال اسوان من أجمل مدن العالم بموقعها الفريد، ولكنها ماتزال هادئة جدا، فقيرة، هل أبالغ اذا قلت إن أهم مشروع بعد السد ومصنع كيما «لا أعرف مصيره الآن» لم ينشأ بها الا مركز مجدي يعقوب؟، أظن انني لا أبالغ، عندما ركبنا عربة أجرة تذكرت ما كان يقال عن الموظف المنقول إلي اسوان في الماضي، كان عندما يصل يبكي، وعندما ينصرف منهيا مدته يبكي، في الوصول يبكي للوحشة، وعند الذهاب يبكي للفرقة، فما أطيب القوم هنا، وكلمة «طيب» مصرية صميمة، لها مستويات عديدة، تنفرد بها اللغة العامية العبقرية وسوف أتوقف عندها بالتأمل عندما أستأنف ايراد التعبيرات الحاكمة في مصر ، السائق نوبي، ودود، عندما أخبرناه بوجهتنا، قال علي الفور رافعا ابهامه :
«مجدي يعقوب.. ياسلام»
قال إنه اصطحب أمس رجلا كويتيا جاء خصيصا ليقدم تبرعا إلي المركز بعد أن أجري في المركز عملية معقدة لم تقبلها مستشفيات عالمية متخصصة، أجريت دون مقابل، قال : المركز يتعامل حسب الحالة، لا فيه غني ولا فقير، ولا واسطة، الكل سواء والخدمة للكل مجانا..
قال تفاصيل كثيرة، فيما بعد قلت للدكتور جلال السعيد ان السائق مقياس لا يخطئ، للثقة بالسياسيين والمؤسسات في مصر شروط معقدة لا يمكن افتعالها أو تزييفها، لذلك أقول إن رادار المصريين لايخطئ أبداً مهما بلغت براعة الاعلام وضخامة الدعاية والقدرة علي تزييف الصورة. د.جلال السعيد قال لي عدة مرات إنه يحب التردد علي أسوان، انه فرح به وبما يتم فيه، خاصة أن معظم الاطباء فيه تلاميذه، قال لي ذلك مخففا من إحساسي بالذنب لأنه عطل برامجه بما فيها عيادة مرضاه ليجيء معي سعيا إلي تشخيص اكثر دقة، كنت أنظر إلي الطريق من المطار إلي المدينة وعندما اقتربنا من سد اسوان القديم، بدا النيل وصخورة وجنادله، استفسرت عن الجهات، اشار السائق إلي السد الذي بدا مهيبا، قوي الحضور، أشبه بجبل من الرواسي يحدد الافق الجنوبي، هذا السد ثمرة كفاح شعب وزعيم عظيم، هذا السد رمز لقدرة الشعب علي الفعل وتجسيد الإرادة، ورغم عظمة الرمز إلا أنه لم ينج من التشويه المدبر الذي تعرض له جمال عبدالناصر من خلفه بعدرحيله، وسيظل اختيار أنور السادات لغزا لايريد الناصريون الذين يرفضون أي نقد أو مساس بقرارات جمال عبدالناصر تفسيره، مع أن عظمته لن تكتمل إلا بإقرار الأخطاء والمراجعة التي يجب أن يقوم بها جيلنا الذي عاصر التجربة قبل رحيل الجميع، طالت السد الحملة الساداتية حتي وضع زميلنا الراحل فيليب جلاب كتابا عنوانه «هل نهدم السد العالي؟»
هذا السد أنقذ مصر من فيضانات شحيحة وأخري مدمرة، وبعد هزيمة يونيو توقفت المشاريع التكميلية للسد والتي كانت كفيلة بعدم حدوث الآثار الجانبية، سواء كانت مادية أو معنوية والأخيرة التقطها الابنودي بذكاء نتيجة معايشته للصعيد وخبرته به، بعد السد أمن الناس خطر السد فتجرأوا علي النهر المروض، والذي كان يضع الجماعة الوطنية في موقف واحد، متضامة، فالفيضان الغامر لن يفرق بين مسلم وقبطي، لذلك كان الاحتشاد سمة المجتمع وليس الفرقة، وجهة نظر جديرة بالتأمل أدعو الخال إلي تفسيرها لنا في يومياته بالأخبار.
استفسرت عن الجهة التي يمكنني أن أري منها المعبد، ومقبرة الاغاخان، وقبة الشيخ ابوالهوا.
اشار السائق إلي المعبد، رأيت الصخور التي تشبه مؤخرات الفيلة، لذلك عرف بمعبد فيلة، بدا صرحا الواجهة علامتين مميزتين لقطعة من تاريخ مصر وحضورها الروحي، بالنسبة لي يكتسب هذا المكان رهبة خاصة، انه آخر موقع استمرت فيه عبادة رمز الأمومة الذي أهدته مصر إلي الانسانية، أعني «إيزيس» المقدسة، التي نراها دائما حاملة طفلها الذي انجبته من ابيه أو زير بعد وفاته، هنا صدحت الترانيم بالصلوات المقدسة للعذراء ايزيس قبل أن يهاجم جند الرومان المعبد ويسود الصمت، انقطع تقديس ايزيس من مصرلكن لتسري في العالم كله وتتعدد رموزها.
قبة الشيخ ابوالهوا ما تزال مشرقة علي النهر من مرتفع في الغرب، الغرب حيث الأبدية المقترنة بمغيب الشمس، علي مقربة معبرة الاغاخان زعيم الطائفة الاسماعيلية، احفاد الفاطميين الذين خرجوا من مصر بعد خلافة المستنصر بالله، انقسموا إلي الاسماعيلية وبهرة، استقروا في اليمن ثم رحلوا إلي الهند ومازالوا، جاء الاغاخان إلي اسوان لجوها الدافئ وكان يتحرك علي كرسي لوهنه وشلل اصابه، التقي حكيما نوبيا نصحه بدفن نصفه الاسفل لقدر معلوم من الوقت لمدة محددة، بعدها شفي وصار يمشي علي قدميه، لذلك أوصي بدفنه في اسوان وشيدت البيجوم زوجته مقبرة رائعة علي الطراز الفاطمي مشرفة علي النهر، رأيتها في زيارتي الاولي عام 1962، وكانت من المعالم، وماتزال إلا أن الزيارة توقفت بقرار من البيجوم بعد أن شاهدت مجموعات من الزائرين «طلبة» يرقصون ويطبلون، منعت الزيارة ولا تتم الآن إلا باذن خاص.
ابديت ملاحظة عن نظافة الشوارع، فوجئت بالسائق يقول مستنكرا :
دي نظيفة دي..
بالنسبة لشوارعنا نظيفة في مصر..
دا احنا رفعنا شكوي ضد المحافظ لأن البلد قذرة..
تطلعت إلي الشوارع التي أراها نظيفة بالقياس لكن يظل الأمر نسبيا..
أخيرا.. المركز
لم تكن الساعة قد تجاوزت السادسة عندما توقفت السيارة امام مركز مجدي يعقوب، المبني متواضع المظهر، المبني يتكون من جزءين، الأمامي ينتمي إلي المستشفي العام القديم الذي بدأ منه المركز عام 2009 خلال ولاية المحافظ اللواء مصطفي عثمان، الذي التقي الدكتور مجدي يعقوب واستجاب لمشروعه، هنا أتوقف عند شخصية مجدي يعقوب الذي عرفته عن بعد من خلال افعاله، هذا رجل حقق من المجد العلمي أقصاه، منحته ملكة بريطانيا لقب سير، واصبح اسمه عالميا عن جدارة، وفي ذروة مجده جاء الي أقصي جنوب مصر ليقيم هذا المشروع الذي يرشحه بقوة لجائزة نوبل للسلام، نوبل مصرية حقيقية مثل نوبل نجيب محفوظ، جاء إلي مصر لا يسعي إلي شهرة اعلامية أو إلي ثروة من اموال المصريين، ولا ليسطو علي مبني ليس له، ولا ليطالب بمقر فاخر في أرقي احياء القاهرة، جاء مثل كبار الزهاد والرهبان الصالحين، هدفه الأساسي التخفيف من آلام الانسانية عند قومه وأهله خاصة الفقراء منهم، خصص له محافظ اسوان اربعة طوابق من المستشفي التعليمي العام التابع لوزارة الصحة، تلك كانت البداية، وقف الي جانب المشروع نفر من رجال مصر الصالحين أمثال الشيخ الدكتور علي جمعة، ولأن رادار المصريين لايخطئ أبدا اتجهت تبرعات القوم إلي مركز مجدي يعقوب الذي يقدم أرقي خدمة لمرضي القلب خاصة الأطفال متاحة الآن في مصر وبدون مقابل، أتمني لو أن الكلمات تسمع ، اقول لكل من يقرأ هذه السطور، مجدي يعقوب يعطي ولا يأخذ، انه مرابط مقيم في اسوان من اجل قلوب المصريين الفقراء، ولهذا شرح، لم يكن انحيازي إلي الرجل إلا نتيجة احساسي ودفعني هذا إلي المطالبة في هذه اليوميات بقلادة النيل له ولرائع آخر مثله ، الدكتور محمد غنيم مؤسس مركز الكلي في المنصورة، استجاب الرئيس الاسبق لاقتراحي ودعيت إلي حفل تسليم القلادة يوم السابع عشر من يناير 2011 قبل الثورة باسبوع واحد، يومها صافحت الدكتور مجدي وبدا خجولا، صامتا رغم كل ما حازه من مجد،أعود إلي المركز، نحن الآن في بداية ساعات النهار، السادسة صباحا، بمجرد اجتياز المدخل ندخل إلي عالم مغاير من الأناقة البسيطة والهدوء والنظام والنظافة الشاملة، يتعامل الدكتور جلال مع المركز كأنه ينتمي اليه، كأنه يخصه، لا عجب فكل الاطباء المسئولين هنا من طلابه وتلاميذه خريجي قصر العيني ، لاحظت انهم كلهم شباب، مابين الخامسة والعشرين والخامسة والثلاثين، يتم اختيارهم علي أسس صارمة معيارها الكفاءة ثم الكفاءة، لا وساطة، لا اعتبار لمن يتكلم «كويس» او يظهر في التليفزيون وتلك هي المعايير التي سادت في الاربعين عاما الاخيرة وأدت إلي كوارث، لو أديرت مصر علي نفس الأسس التي قام عليها مركز مجدي يعقوب لتغير وجه التاريخ في مصر، في السادسة والنصف كنا نجلس إلي اثنين، الدكتور احمد الجندي وهو المسئول الطبي -قدرت عمره بالخامسة والثلاثين- والدكتور محمد زكريا المسئول الاداري، لاحظت ان الدكتور جلال السعيد يسألهما عن أمور وهو أستاذهما، تذكرت قولا مأثورا يقول «العالم الحق هو من يقول إنني لا أعلم حتي يعلم»، لا يتحرج الشيخ أن يسأل مريده عن أمور، هذا هو الكمال الذي تعرفه الصوفية الحقة، شعرت بألفة مع الدكتور احمد الجندي والسبب هو الاسم، للاسم سلطان عظيم، ذلك أنه يحمل اسم زميل رائع عملت معه، احمد الجندي نائب رئيس تحرير الاخبار، كان عملاقا في تكوينه، طفلا نقيا في روحه، عندما سافرت إلي كليفلاند عام 1996 قلت له انني سوف انقطع عن كتابة اليوميات حتي أعود، قال باصرار : لن ينقطع اسمك أبدا، هل لديك كتابات ادبية لم تنشر؟ قلت نعم، فقد كنت أتحرج من نشر قصصي في الجريدة التي ارأس تحريرها. رحم الله احمد الجندي، وأطال عمر سميه في مركز اسوان، أعود إلي معايير اختيار المرضي، لكن قبل ذلك أذكر بالتقدير والاعجاب هذا الفريق الرائع من الاطباء.
الأولوية لمن؟
لأن المركز بدأ في اسوان، ولأن الصعيد لم يكن به الا مركزان لجراحة القلب، الأول في اسيوط والثاني في سوهاج، امكانياتهما محدودة ومتخلفة، فلنتصور هذا الاهمال الرهيب، علي امتداد الصعيد كله، من اسوان إلي القاهرة لايمكن القول انه كان هناك مركز حقيقي لعلاج القلب، محافظة اسوان الشاسعة لم يكن فيها أي علاج لمرضي القلب.
اذن.. ماذا كان يحدث لمرضي القلب؟
كانوا يموتون، يقال: دا مات بالقلب..
ظل الوضع هكذا حتي بدأ مجدي يعقوب مشروعه منذ اربع سنوات.. الآن جري توسع إذ أضيف مبني جديد إلي الأدوار القديمة، المكان كله قطعة من العالم الحديث، اما عن كيفية اختيار المرضي فيخضع ذلك لقواعد صارمة، إذ يتم تلقي تقارير الحالات بوسائل عديدة، منها البريد والبريد الالكتروني والتقارير الطبية عبر مراكز ومستشفيات، يتم تحديد مواعيد القدوم إلي اسوان طبقا لدرجة الحالات، الاولوية لاهالي اسوان والمناطق المحيطة حتي حلايب وشلاتين، بعض المرضي من حلايب والمناطق الحدودية لم يكن لديهم اوراق تعريف، بطاقة شخصية، رقم قومي حتي يمكن التسجيل، ثم اهالي محافظات الصعيد، ثم القاهرة والوجه البحري، والعالم الخارجي، عند وصول أي مريض يشعر بآلام في الصدر يتم فتح القسطرة الاستكشافية له فورا، جميع درجات العلاج تتم مجانا وبدون مقابل، بما في ذلك تركيب المضخات الصناعية التي تصل تكاليف العملية الواحدة إلي اثنين مليون جنيه، المريض يأتي مع اسرته، اذا كانوا غير قادرين يتكفل المركزبإقامتهم في اسوان، عمليات معقدة أجريت في المركز، بعضها رفض من مراكز عالمية.
الآن، يحتوي المركز علي أحدث أجهزة التشخيص في العالم، ولهذا السبب أتي بي الدكتور جلال إلي هنا، الطابق الارضي مخصص لأجهزة الاشعة التي تساعد علي التشخيص، الاول للأطفال، يضم عشرة أسرة، وفي طابق آخر ثلاثة عشر للكبار، الطفل طبقا لتعريف المستشفي هو من يقل عمره عن 18 سنة، في المركز حجرتان للعمليات، الرعاية المركزة تستوعب ثلاثة وعشرين مريضا، قسم جراحة الاطفال مبهج في تصميمه، ألوانه مبهجة، مزود بالألعاب وذلك للتخفيف عن الاطفال، لاحظت ذلك في كليفلاند بالولايات المتحدة، المبني الحديث لمستشفي القلب مزود بمطاعم ومقاه ومتاجر للتسوق إلي درجة ان المدخل أصبح أحد متنزهات المدينة، أذكر انني كنت أجلس في مراحل الفحص والعلاج في هذه المحلات وأتأمل بابا صغيرا لا يلحظه أحد، بعد عبوره يدخل الانسان إلي صميم المستشفي حيث يسود لونان، ابيض وازرق، وهذا عنوان كتابي الذي دونت فيه تفاصيل الجراحة الكبري الثانية، التي تمت عام عشرة من هذا القرن وصدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ثمة تشابه بين مركز مجدي يعقوب ومستشفي كليفلاند، الاخير يعتبر اهم مركز في المدينة، الآن تم تخصيص سبعة وعشرين فدانا غرب اسوان لاقامة امتداد للمركز الاصلي اتصور أنه سيكون أهم مركز لجراحة القلب في العالم العربي، بل في الشرق الاوسط، هذا هو المشروع الجدير بالرعاية والمساندة والدعم، في الاقسام المختلفة لاحظت تقليدا متبعا في المستشفيات والمتاحف الامريكية، كل انسان أهدي شيئا عظيم القيمة او متواضعا يكتب اسمه فوق هذا الشيئ وتاريخ تبرعه، ما يشغلني مستقبل المركز بعد القديس مجدي يعقوب -اطال الله عمره- أتمني وهو العبقري المعطاء الحصيف أن يضع الآلية التي توفر الاستمرارية لهذا المركز وأن يكون استثناء للقاعدة السارية في مصر منذ القدم، قيام كل مشروع عظيم بواسطة شخص!
في الرابعة بعد الظهر، رأيت القديس، كان يرتدي حلة العمليات الزرقاء، كان قادما من غرفة العمليات، تصافحنا، بدا هادئا جدا، شكرني علي روايتي «الزيني بركات » التي أهديتها له، وبدأ في مناقشة علمية حول حالتي مع الدكتور جلال انتهيا فيها إلي اجراءات رعاها الدكتور جلال لسعيد وتلك لا أريد أن أشغل القارئ بها، ولكنني باختصار أقول ان الدكتور جلال السعيد حقق مايشبه معجزة علمية فيما يتعلق بوضعي.
عندما خرجنا عصرا من مركز مجدي يعقوب، رحت اتأمل المبني في ضوء العصر الذي يمنح الاشياء حضورا مغايرا لما كانت عليه الاشياء في الصباح، كيف خلا الصعيد كله من مركز كهذا منذ تأسيس الدولة الحديثة في عصر محمد علي؟ رغم تعاقب الانظمة والسياسات؟، يقوم المركز علي تبرعات الناس، بدءا من جنيه واحد إلي ما لا حد له، لا يقبل المركز تبرعات في مقره بأسوان، بل إن ماكينة الصرف الوحيدة الموجودة به للصرف وليست للإبداع، منذ انشاء المركز في ابريل 2009 حتي الآن، -يوم وصولي- تم اجراء ألفي عملية جراحية كبري، 59٪ منها لمرضي من اسوان والصعيد المهمل في كل العهود، جميعها بلا استثناء مجانا، تردد علي العيادة الخارجية 1885 مريضا خلال عام 2013 بزيادة قدرها 130٪ عن عام 2012، احد أهم احداث المركز خلق جيل جديد من جراحي القلب المهرة، لهذه الاسباب سوف أخصص الاسابيع القادمة فقرة في اليوميات أنشر فيها أرقام الحسابات التي تقبل فيها التبرعات، اما مجدي يعقوب فله منزلة القديسين والاولياء الصالحين، اذا لم يحل بهذه المنزلة فمن غيره أحق؟
شكراً.. المهندس محلب
السبت :
تفضل المهندس ابراهيم محلب بالاتصال للاطمئنان.. ولولا القيمة الماثلة في اتصاله لما توقفت امامه، لكن حرصي علي ابرازها لتجسيدها اولا وإقرارها كمبدأ راسخ، وكدرس لبعض الوزراء من اعضاء الحكومة الذين يتصورون أن أي نقد موضوعي يتضمن بعدا شخصيا، بل ان بعضهم لا يري في السلطة الا وسيلة رخيصة للانتقام، المهندس محلب يقدم قيمة ودرسا، صلتي به قديمة، التقيته أول مرة في قطر بمنزل السفير المصري منذ عشرة أعوام وكنت أول من كتب يطالب به كرئيس للوزراء خاصة مع الاداء العاجز للوزارة السابقة، واذكر اننا التقينا في الجامعة الالمانية بحضور الوزير الوطني القدير احمد ابوالغيط، كان المهندس محلب وقتئذ وزيرا للاسكان، قلت له :
«عندما تتولي رئاسة الوزارة اوصيك بالاولوية للتعليم، لم تنهض مصر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الا بمشروع صحيح علمي للتعليم وهذا ما أنجزه محمد علي وطه حسين..»
بعد فترة قصيرة تولي رئاسة الوزراء، ولحساسية المرحلة أبديت ملاحظات علي بعض انواع الاداء وليس كله، وكان الرجل يبادر بالاتصال شارحا لما غمض عليّ أو مفسرا لما غاب عني، في كل الاحوال كنت اقدر فيه وطنيته الخالصة واخلاصه وقدرته علي تقبل النقد والبعد الانساني في سلوكه والذي يفتقده بعض من احتلوا مواقع المسئولية فلم يشغلهم الا استحلاب السلطة والتمتع بالعزل والتولية، شكرا للمهندس محلب لاتصاله ولتقديمه القدوة لمن يفتقر إليها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.