عبدالقادر شهيب من قصر النظر سياسيا ان نعتبر قرار الرئيس مرسي بإحياء البرلمان هو مجرد تعجيل للصدام بين الرئيس والمجلس العسكري كما يقول البعض.. فهذا القرار يتجاوز ذلك ويقوض اعمدة الدولة المصرية العتيدة ذاتها.. لانه يجاهر وهو رئيس السلطة التنفيذية بمخالفة الدستور والقانون الذي حلف ثلاث مرات باحترامه، حينما تحدي السلطة القضائية كلها ورفض الامتثال لحكم المحكمة الدستورية العليا التي تعتبر أحكامها نافذة فور صدورها ونشرها في الجريدة الرسمية. اما تلك التبريرات والحيل القانونية التي يقدمها بعض الذين يعملون في مجال القانون فهي لن تنقذ الرئيس من التداعيات التي بدأت تظهر نتيجة لقراره الخطير هذا، والتي في الاغلب سوف تتزايد، ولن يحتويها فرض الامر الواقع بحشد اكبر عدد من النواب تحت القبة، ولا يحشد اكبر عدد من الاخوان وانصارهم في ميدان التحرير. فهذا القرار الذي اتخذه الرئيس مرسي لا يستهدف فقط كسب بالنقاط معركة تخوضها جماعة الاخوان منذ فترة ضد المؤسسة العسكرية، انما هو يستهدف في الاساس فرض ارادة الاخوان علي مصر كلها، وتطويع ارادة المصريين لمشيئة الجماعة، حتي يسهل علي الاخوان مستقبلا حكمهم وتنفيذ سياساتهم بدون مقاومة.. انه قرار قد بينت النية لاتخاذه منذ ان اعلنت اللجنة المشرفة للانتخابات الرئاسية فوز د. مرسي بالمنصب الرئاسي.. ومن يسترجع ما قاله الرئيس مرسي في ميدان التحرير حيث القي قسمه الاول، وما قاله في جامعة القاهرة. حيث القي قسمه الثالث، سوف يتأكد ان هذا القرار ليس مفاجئا وكان معدا مسبقا.. حتي توقيته ليس مفاجئا، فقد كشف عنه د. الكتاتني في تصريح له الاسبوع الماضي، حينما أعلن عودة المجلس بعد ايام. نعم.. الاخوان يخوضون منذ فترة صراعا مع المؤسسة العسكرية، وهذا الصراع يستهدف نزع أي دور سياسي من يد المؤسسة العسكرية، لان هذا الدور يعطل انفرادها بالسلطة وهو الهدف الاساسي لهم.. وهذا يفسر خروجهم الي الشوارع متظاهرين منذ وقت مبكر جدا للاجهاز علي ورقه د. علي السلمي الخاصة بتحديد المباديء الاساسية التي يتعين ان يتضمنها الدستور الجديد، لانها كانت تمنح المؤسسة العسكرية حق الحفاظ علي مدنية الدولة. وقد حاول الاخوان طوال الفترة الماضية جذب مؤيديه لهم في هذا الصراع من خارج صفوفهم، بل وخارج تيار الاسلامي السياسي كله سلفيين وحزب وسط وجماعة اسلامية، بدعوي انهاء الحكم العسكري وتحقيق الحكم المدني.. وقد نجح الاخوان بالفعل علي مدي شهور طويلة في التعزيز بعدد ممن ينتمون للنخبه السياسية، الذين اعتبروا العدو الرئيس لهم هو المجلس العسكري، الذي بدون التخلص منه لن تتحقق الديمقراطية التي ينشدونها. لكن الاخوان في حقيقة الامر لا يخوضون صراعا مع المؤسسة العسكرية وحدها، انما هم يخوضون في الاساس صراعا مع كل القوي التي تبغي الحفاظ علي مدنية الدولة.. وهذا ما لم تدركه بعض النخب السياسية التي نجح الاخوان في التغرير بها وسوقهم الي خوض معركة الجماعة الخاصة من اجل احكام السيطرة علي مفاصل الدولة والانفراد باحتكار السلطة.. واذا كان بعض المنتمين لهذه النخب قد فاق اخيرا من غيبوبته السياسية بعد ان صدمه قرار الرئيس مرسي باحياء البرلمان من العدم الدستوري فإنه مازال هناك ايضا البعض من هذه النخب يخط في غيبوبته السياسية العميقة. العدم الدستوري فإنه مازال هناك ايضا البعض من هذه النخب بخط في غيبوبته السياسية العميقة. ولذلك.. لا يجب ان تعتبر القوي المدنية ان ما حدث هو أمر يخص المجلس العسكري وحده، أو تعول هذه القوي علي ما سيفعله هذا المجلس في مواجهة قرار رئيس الجمهورية الذي احيا البرلمان من العدم الدستوري، وذلك تطبيقا للقاعدة الفلكورية المعروفة التي ملكها الابنودي وغرد بها عبدالحليم حافظ وتقول: اللي شبكنا يخلصنا.. فهذا اكبر خطأ ترتكبه هذه القوي في حق نفسها وحق بلدها وحق شعبها.. المعركة السياسية القائمة الان لم تعد معركة المجلس العسكري ولا المؤسسة العسكرية كلها، ولكنها معركة القوي المدنية كلها.. معركة من يطمعون في دوله يسودها القانون.. ولا يجرؤ اي مسئول فيها صغير أو كبير علي ان يخرق القانون أو يتحدي احكام القضاء أو يتلاعب بها، حتي ولو وجد بين القانونيين من يزين له ذلك. يجب ان تدرك هذه القوي المدنية أن الدوله المصرية العتيدة في خطر الآن، لانه عندما يتم خرق القانون ولا تنفذ أحكام القضاء فلا دولة في الاساس، انما غابة يسيطر فيها القوي ويقهر فيها الضعيف.. ولذلك اذا كانت هذه القوي المدنية حريصة علي انقاذ الدولة المصرية العتيدة من الانهيار، فإنها يجب ان تدرك ان هذه هي مسئوليتها ودورها قبل ان تكون مسئولية المجلس العسكري أو المؤسسة العسكرية كلها. أعرف أن البعض يحفظ في داخله لوما للمجلس العسكري، لان ادارته للمرحلة الانتقالية افضت بنا الي هذه الحال الذي نعيشه حاليا ونستشعر به الخطر علي دولتنا.. لكن هذا ليس وقت العتاب أو اللوم أو الحساب.. انه وقت انقاذ دولتنا، التي هي أول دولة في العالم ويمتد عمرها آلاف السنين.. انقاذها من الضياع. لن ينقذ دولتنا الا ابناؤها الحريصون عليها وعلي بقائها لينعم بها اولادنا واحفادنا.. هذه هي مسئوليتهم قبل ان تكون مسئولية المجلس العسكري واذا نجحنا في انقاذ دولتنا سوف ننقذ حلمنا في غد أفضل من الضياع.. اما اذا تقاعسنا وانتظرنا المجلس العسكري ليقوم بما يجب ان نقوم به فلتقل علي دولتنا السلام، ولا نلوم سوي أنفسنا.