كلنا يعلم ان هناك مجموعة من الثوابت الأخلاقية والدينية والاجتماعية التي قام عليها بناء المجتمع المصري عبر سنوات طويلة.. وهذه الثوابت كانت تحكمها قواعد صارمة من الالتزام والحرص ولم تكن هذه الثوابت تفرق بين غني وفقير أو بين صغير وكبير.. ولاشك ان هذه الثوابت كانت تمثل بناء أخلاقيا يحدد مسيرة المجتمع كنا أحيانا نسميها التقاليد وأحيانا أخرى نسميها المرجعيات أو الثوابت وللأسف الشديد بقدر ما كان الحرص على هذه المرجعيات بقدر ما فرطنا فيها الآن وأصبح من حق كل من هب ودب ان يتحدث في أي شىء حتى وصلنا إلى المساس بالثوابت الدينية والأخلاقية وتداخلت الرؤى والأدوار والأفكار ووجدنا أنفسنا أمام مجتمع فقد كل ثوابته وفرط في كل مرجعياته.. وعلى سبيل المثال كانت القوانين هي التي تحكم سلوك الأفراد تجاه بعضهم البعض ومنذ تراجعت سطوة القوانين أمام طغيان البعض انقسم المجتمع على نفسه وأصبحت القوانين لا تطبق إلا على مجموعات من الأشخاص بينما اختفت مجموعات أخرى لأنها أكبر من كل القوانين.. لم تعد سلطة القانون هي الحكم بين الناس وأصبح الغني قادرا على ان يصنع قانونا لنفسه أو يتجاوز كل القوانين وأصبح الفقير قادرا على ان يطبق القانون بطريقته وانسحبت من الساحة أهم وأخطر المرجعيات في حياة الشعوب والأمم وهي القوانين.. مازالت المحاكم مكدسة بالقضايا ومازالت أركان العدالة قائمة في كل مكان ومازال حراسها من القضاة يمارسون دورهم ولكن هناك جانب أساسي سقط في هذا الزحام وهو احترام الإنسان للقوانين وحرصه على ان تكون أسلوب حياة ومرجعية دائمة أمام فئات المجتمع المختلفة.. وحين غابت القوانين سقطت مبادئ كثيرة في مقدمتها تكافؤ الفرص ومبدأ المساواة بين أبناء الوطن الواحد وتشوهت صورة العدالة حين عجزت عن الوصول إلى صيغة من العدل بين الناس.. إن أخطر المرجعيات تأثيرا في حياة البشر هي افتقاد العدالة لأنها تحرم الإنسان من أبسط حقوقه في العيش والكرامة.. لم تعد للقوانين حرمتها في حياة المصريين وهي المرجعية الأولى في مسيرة المجتمع وحين اختلت موازينها فقد المجتمع جزءا خطيرا من أهم مقوماته.. كان الدين دائما بثوابته ومرجعياته وضوابطه في حياة البشر من أهم المقومات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي يقوم عليها بناء الإنسان وموقفه ودوره في الحياة.. ان أهم ما في الأديان ليس فقط طقوسها من الصلاة والصيام ولكن السلوك الإنساني هو الذي يحدد دور الدين وأهميته في حياة البشر فما أكثر المجتمعات التي يبدو عليها التدين الظاهري وتختفي فيها تماما قيم الدين سلوكا ابتداء بالرحمة والتسامح وانتهاء بقيم العدل والخير والجمال.. هناك مجتمعات كثيرة متدينة في الشكل والظاهر وأبعد ما تكون عن الدين في الجوهر والمضمون.. وفي زمان مضى كان المصريون أكثر تدينا في الجوهر ولاشك ان هذه الإزدواجية بين الجوهر والمضمون والمظهر والشكل تركت تشوهات كثيرة في الشخصية المصرية والدليل على ذلك ان هناك أنواعا شاذة من الجرائم كانت بعيدة تماما عن سلوك المصريين ورغم التدين المظهري فإنها تبدو الآن ظواهر اجتماعية مؤسفة وخطيرة.. ان الدين إذا لم يترجم إلى مصدر حماية للبشر من الفوضى والانفلات في السلوك والأخلاق يتحول إلى مظاهر شكلية لا تضيف للإنسان شيئا أكثر من الزيف والفوضى والتباهي.. كانت المرجعيات الدينية عند المصريين تتجسد في أشكال كثيرة تبدأ بعلماء الدين الأجلاء وسلوكهم الرفيع وفكرهم الراقي وهم يقدمون القدوة والنموذج في الزهد والتقوى.. كان نموذج الأب والأم والرئيس في العمل والأستاذ في الجامعة والكاتب بين أوراقه والطبيب مع مرضاه والفلاح في أرضه والعامل في مصنعه كل هذه النماذج الراقية كانت نماذج في السلوك والأخلاق والتدين الصحيح.. وفي السنوات الأخيرة اختفت المرجعيات الدينية الصحيحة أمام تداخلات غريبة فتحت الأبواب أمام موجات التطرف في الفكر التي وصلت بنا إلى مناطق العنف ثم كانت الكارثة في ظاهرة الإرهاب والقتل باسم الدين.. أمام هذا اختلت تماما منظومة المرجعية الصحيحة في الدين ووجدنا كثيرا من الأدعياء يفسدون كل شىء.. وحين طالب البعض بصحوة دينية تعيد للدين مرجعياته تسللت عناصر كثيرة وأفسدت المشهد علينا. ولاشك ان الانقسام حول قضايا الدين مظهرا وسلوكا وثوابت ترك آثارا كثيرة على الشارع المصري فقد اتسعت دائرة التيارات الدينية خاصة تلك التي اندفعت في العمل السياسي وسعت إلى السلطة والحكم خاصة جماعة الإخوان المسلمون قد أضرت كثيرا بالجانب الديني في حياة المصريين وقد أدى ذلك إلى ظهور مرجعيات دينية كثيرة شوهت الصورة تماما. كان لدى المصريين مرجعيات سياسية قديمة تجسدت في ميراث فكري وثقافي وحضاري لمصر ما قبل ثورة يوليو كانت هناك بقايا تأصلت من أحزاب سياسية مثل الوفد والحزب الوطني القديم وعدد من الرموز الوطنية التي تركت للشارع المصري بعض المرجعيات في السلوك ولغة الحوار والاختلاف في الرؤى والأفكار ولكن للأسف الشديد كان مصير المرجعيات السياسية نفس ما حدث في قضايا الدين والعدالة والقوانين فقد اختفت رموز سياسية كثيرة كانت تمثل آخر المرجعيات من هذا الزمن الجميل وكان تعويض هذه الرموز مهمة صعبة بل مستحيلة أمام واقع سياسي جديد لم يكن حريصا كل الحرص على استمرار تجارب سابقة مع الحريات وحقوق الإنسان. لا نستطيع ان ننكر ان الفن والثقافة والإبداع في مصر كانت له مرجعياته ورموزه التي حافظت وأكدت دور مصر الثقافي وقد قام هذا الإبداع على مواهب حقيقية وإبداع متميز منح الفن المصري الموقع والمكانة والصدارة.. ولاشك ان رموز هذا الإبداع وضعوا من الضوابط والحدود ما جعل للفن المصري مدارسه ورموزه ومقوماته ومنذ سقطت هذه المرجعيات تحول الفن المصري إلى حالة من حالات الفوضى التي سادت في المجالات الأخرى أمام غياب المرجعيات.. دخل الفن والإبداع المصري مناطق جديدة افتقد فيها التميز أمام محاولات التجريب والخصوصية أمام حالة الانفلات والريادة أمام الفوضى وغياب النموذج والقدوة.. كان غياب المرجعية في الفن أخطر الظواهر السلبية التي تركت آثارا سيئة على كل مظاهر الإبداع في مصر وقد اتضح ذلك في محاولات التجريب في الشعر والمسرح والموسيقى والغناء والإنتاج الأدبي من القصة والرواية حيث غابت نماذج الأدب المصري الرفيع كما ظهر في أعمال محفوظ ويحيى حقي ويوسف إدريس وكما ظهر في السينما المصرية وهي تعيش أزهى عصورها يوم ان كانت تنتج مائة فيلم كل عام وقد ظهر ذلك بوضوح في نماذج من قصيدة النثر التي انفصلت تماما عن تراثها الشعري لغة وصورة وإحساسا. من أخطر الظواهر في منظومة المرجعيات انقسام حياة المصريين بين حقيقيتين وشعبين هناك حقيقة مؤكدة عن شعب يعيش في المنتجعات وقد انفصل تماما عن حياة المصريين لغة وطعاما وتعليما وصحة وحياة وحقيقة أخرى عن عشوائيات لها أيضا ثوابتها ومرجعياتها في السلوك والمسكن والتقاليد وان كان لكل من الطرفين أمراضه الاجتماعية والأخلاقية التي منحته نوعا من الخصوصية حتى وان كانت سلبية. أصبح لدينا الأن فكر العشوائيات ابتداء بالفوضى والمخدرات وانتهاء بأنواع خاصة من الجرائم وأصبح لدينا أيضا فكر المنتجعات في هذا الانفصال الشبكي عن بقية طوائف المجتمع وإن اتسم بالأنانية والجشع ولاشك ان هذا الانقسام يمثل حالة خطيرة جدا من التفاوت الطبقي والاجتماعي والأخلاقي لأنه في الحالتين يفتقد المرجعيات.. نحن أمام ثراء متوحش بلا أصول أو ثوابت أو مرجعية وأمام فقر مدقع افتقد القيم التي تحد من تطلعاته وأحلامه حتى وان كانت حقا مشروعا. إذا انتقلنا إلى أصول هذا الشعب وثوابته في ريف مصر العريق وجدناه وقد تغير تماما أمام عوامل الهجرة للمدن وكيف تركت آثارا سلبية على مجتمع الريف والحضر في نفس الوقت كانت للريف المصري مرجعياته وثوابته في التراحم العائلي بين أبناء الوطن الواحد وكانت المرجعيات تتجسد في إمام المسجد وشيخ القرية والعمدة وكبار العائلات ورموز الأسر العريقة وكان غياب هذه النماذج التي كانت تمثل القدوة الحقيقية في الريف المصري أكبر تحول حين سطت جماعات الدين السياسي على المساجد والزوايا والمستشفيات والمدارس وخلقت مرجعيات جديدة أبعد ما تكون عن تراث الإنسان المصري وأصوله التاريخية.. ونجحت هذه التحولات في تغيير صورة الريف المصري مظهرا وفكرا وسلوكا. أمام هذه المتغيرات الحادة كانت هناك أسباب أخرى للتحولات فظهرت أمراض جديدة من خلال الإعلام والفضائيات ومساحات الدم التي غطت جوانب كثيرة في حياتنا ووجدنا أنفسنا أمام مجتمع جديد فقد الكثير من مقوماته ومرجعياته وتسللت وسط هذه الفوضى أفكار ومظاهر وقيم جديدة بعضها كان مفيدا والبعض الآخر كان سيئا للغاية. أمام هذا الواقع يبدو من الصعب جدا ان يستعيد المصريون مرجعياتهم القديمة في مجالات كثيرة مازلنا حائرين أمام تجديد الخطاب الديني لأنه فقد الكثير من مرجعياته.. ومازلنا أكثر حيرة أمام تراجع العدالة وتكافؤ الفرص والمساواة أمام غياب القوانين.. ومازلنا نعاني من فشل النخبة وتراجع دورها أمام واقع سياسي وفكري متخبط يتسم بالفوضى والانفلات ابتداء بلغة الحوار وانتهاء بالقدرة على الاختلاف وأمامنا واقع اجتماعي متوحش في تفاوته الطبقي أمام عشوائيات يحاصرها الفقر ومنتجعات يحاصرها الجشع وما بينهما أنواع مختلفة من البشر في كل شىء طموحا وسلوكا وفكرا. هنا لابد ان يكون لمؤسسات الدولة دور رئيسي في المحافظة على ما بقي من هذه المرجعيات ان العدالة في القوانين من حق الدولة وهي تستطيع ان تتجاوز بدعم من الدولة حالة الفوضى والترهل التي تعيشها.. ولاشك ان المؤسسة الدينية الممثلة في الأزهر الشريف تستطيع ان تحافظ على مرجعياته بما يضمن حرية الفكر والانفتاح على الآخر.. وهنا أيضا لا ينبغي ان نتغاضى عن دور التعليم والإعلام والمؤسسات الثقافية ودورها في خلق مناخ ثقافي يحافظ على ثوابت المجتمع ومرجعياته في الفن والإبداع والفكر والثقافة.. ان الظروف التي تعرضت لها مرجعيات الشعب المصري تركت آثارا سلبية كثيرة لأنها لا تتشكل بين يوم وليلة انها تراكمات تاريخية وحضارية وإنسانية وثقافية تعطي للمجتمعات حالة من التميز والتفرد وتمنحها القدرة على حماية جذورها الممتدة عبر الزمن والتاريخ. ..ويبقى الشعر وحين نظرتُ فى عينيكِ. لاح الجرحُ. والأشواقُ والذكرى تعانقْنا. تعاتْبنا وثار الشوقُ فى الأعماق ِ. شلالا ً تفجر فى جوانحنا فأصبح شوقُنَا نهرا زمانٌ ضاع من يدنا. ولم نعرف له أثرا تباعدْنا. تشردْنا فلم نعرف لنا زمنًا ولم نعرف لنا وطنا تُرى ما بالُنا نبكى؟ وطيفُ القُربِ يجمعنا وما يُبكيكِ. يُبكينى وما يُضنيكِ. يُضنينى تحسستُ الجراحَ. رأيت جُرحًا بقلبكِ عاش من زمن ٍ بعيدْ وآخرَ فى عيونكِ ظل يُدمى يُلطّخ وجنتيْكِ. ولا يريدْ وأثقل ما يراه المرءُ جُرحًا يعلُّ عليه. فى أيام عيدْ وجُرحك كلَّ يوم ٍ كان يصحو ويكبرُ ثم يكبرُ . فى ضلوعى دماءُ الجرح ِ تصرخ بين أعماقى وتنزفها. دموعى لأنكِ عشتِ فى دَمِنا. ولن ننساكِ رغمَ البعدِ. كنتِ أنيسَ وَحدتنا وكنتِ زمانَ عفِّتنا وأعيادًا تجددُ فى ليالى الحزن ِ. فرحَتَنا ونهرًا من ظلال ِالغيبِ يَروينا. يُطهِّرنا وكنت شموخَ قامَتنا نسيناكِ! وكيف. وأنتِ رغم البعدِ كنتِ غرامَنَا الأولْ؟ وكنتِ العشقَ فى زمن.نسينا فيه طعمَ الحب. والأشواق. والنجوَى وكنتِ الأمنَ حين نصيرُ أغرابًا. بلا مأوى؟! وحينَ نظرتُ فى عينيكِ.. عاد اللحنُ فى سمعى يذكّرنى.. يحاصرنى..ويسألنى يجيب سؤالَه.. دمعى تذكرنا أغانينَا وقد عاشت على الطُّرقاتِ مصلوبهْ تذكرنا أمانينَا وقد سقطت مع الأيام ِ.. مغلوبهْ تلاقْينا..وكل الناس قد عرفوا حكايتنا وكل الأرض قد فرحت.. بعودتِنَا ولكن بيننا جُرحٌ.. فهذا الجرحُ فى عينيكِ شىء لا تُداريهْ وجُرحى.. آهِ من جُرحى قضيْتُ العمرَ يؤلمنى.. وأخفيهْ تعالىْ..بيننا شوق طويلٌ.. تعالىْ..كى ألملمَ فيكِ بعضى أسافرُ ما أردتُ وفيك قبرى.. ولا أرضَى بأرض ٍ.. غير أرضى وحين نظرتُ فى عينيكِ صاحت بيننا القدسُ تعاتبنا. وتسألنا ويصرخ خلفنا الأمسُ هنا حلم نسيناهُ وعهدُ عاش فى دمنا. طوَيْناهُ وأحزانٌ. وأيتامٌ. وركبٌ ضاع مَرساهُ ألا والله ما بِعناكِ يا قدسُ. فلا سقطت مآذنُنا ولا انحرفت أمانينا ولا ضاقت عزائمُنا. ولا بخِلت أيادينا فنارُ الجرح ِ تجمعنا. وثوبُ اليأس ِ. يُشقينا ولن ننساكِ يا قدسُ ستجمعنا صلاة ُالفجر فى صدركْ وقرآنٌ تبسَّم فى سنا ثغركْ وقد ننسى أمانينا. وقد ننسى. مُحبِّينا وقد ننسى طلوع َ الشمس ِ فى غدِنَا وقد ننسى غروبَ الحلم من يدنا ولن ننسى مآذننا. ستجمعُنا. دماءٌ قد سكَبناها وأحلامٌ حلمناها. وأمجادٌ كتبناها وأيامٌ أضعناها ويجمعنا. ويجمعنا. ويجمعنا. ولن ننساكِ. لن ننساكِ. يا قدسُ. "قصيدة لأنك عشت في دمنا عام 1983" نقلا عن جريدة الأهرام