تشهد العلاقات التركية الأمريكية حالة من الفتور والتراجع عما كانت عليه خلال العقود الماضية وبدت تطفو على السطوح لخلافات التي أظهرتها الأزمة السورية وتباين وجهات النظر بين البلدين في التعامل مع هذه الأزمة وتصنيف حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي الذي تعتبره أنقره فرعا سوريا من حزب العمال الكردستاني. وتعود العلاقات الأمريكية – التركية إلى عدة عقود حيث انضمت تركيا إلى "حلف شمال الأطلسي" (ناتو) في عام 1952 لترسخ رسميا التحالف بين الدولتين. وكان هدف واشنطن من وراء هذه العلاقة هو مواجهة التحدي الإستراتيجي، الذي مثله الاتحاد السوفيتي السابق، حيث مثلت تركيا واليونان وقبرص مثلث المواجهة الأمريكية مع الاتحاد السوفيتي. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء ما يسمي بالحرب الباردة ووصول حزب (العدالة والتنمية) إلى سدة الحكم في تركيا تضاعفت العلاقات بين واشنطنوأنقرة حيث لعب رئيس الوزراء التركي أنذاك رجب طيب أردوغان دورا مهما في تكثيف هذه العلاقات مع الولاياتالمتحدة، خاصة في ظل علاقته القوية مع الرئيس الأمريكي "باراك أوباما". لكن وبشكل متسارع، أدت الأزمة السورية إلى تراجع هذه العلاقة بل وتعميقها بسبب التباين في وجهات النظر بين الإدارتين الأمريكية والتركية نتج هذا التباين عن الأولويات المختلفة لدى الدولتين. ففي حين تريد أنقرة إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد باعتباره خطرا محدقا عند حدودها، حددت واشنطن أهدافها بمحاربة تنظيم "داعش" في العراق والشام، وفي المقابل، تخشى كل دولة أن تتبنى أهداف الدولة الأخرى فتهمش بذلك أهدافها الرئيسية الخاصة. وقد ظهر هذا الخلاف وبشكل علني خلال الأيام الأخيرة الماضية إثر تبادل التصريحات والاتهامات حول تصنيف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري (بي واي دي) على لائحة المنظمات الإرهابية حيث تعتبر السلطات التركية هذا الحزب فرعا سوريا من حزب العمال الكردستاني التركي (بي كا كا) الذي تصنفه الولاياتالمتحدة والأتحاد الأوروبي فضلا عن تركيا كمنظمة إرهابية. فقد استدعت الخارجية التركية الأسبوع الماضي السفير الأمريكي في أنقرة، وشن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هجوما غير مسبوق على الإدارة الأمريكية والرئيس باراك أوباما بعد التصريحات التي أدلي بها متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية وقال ، إن واشنطن لا تعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا منظمة إرهابية. وشدد الرئيس التركي أردوغان على ضرورة أن تختار الولاياتالمتحدة وتحدد موقفها بصراحة ما إن كانت حليفة وداعمة لتركيا أم حليفه ل"التنظيمات الإرهابية"، في إشارة لحزب الاتحاد الديمقراطي، في حين طالب وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو الخارجية الأمريكية بإيضاحات حول الأسلحة الأمريكية التي وجدتها الحكومة التركية في مستودعات حزب العمال الكردستاني. وتأتي هذه التطورات في ظل الأنباء عن تقدم "قوات سوريا الديمقراطية" المشكلة في الأساس من الوحدات الكردية نحو مطار "منغ" العسكري في ريف حلب الشمالي، حيث تعارض أنقرة بشدة توسع الوحدات الكردية في المناطق القريبة من حدودها، وتعتبر عبور وحدات حماية الشعب لغرب نهر الفرات "خط أحمر وتهديد لأمنها القومي"، لكنها تخشى مهاجمتها بسبب الدعم والتنسيق الأمريكي القائم معها.. حيث تدعم واشنطن حزب الاتحاد الديمقراطي في صراعه مع تنظيم "داعش" في سوريا. رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو لم يكن بعيدا عن هذه الأزمة حيث أكد على هامش زيارته إلى هولندا :" الإرهاب خطر كبير على الإنسانية، ولا فرق بين المنظمات الإرهابية، وإذا كان العالم يعترف بأن منظمة بي كا كا بأنها إرهابية، فكيف لا تكون المنظمة التي تلقت تدريباتها منها، منظمة إرهابية.. أنقرة تعتبر عدم الاعتراف بإرهاب حزب الاتحاد الديمقراطي، ضربة قاسمة في ظهر محاربة الإرهاب، وإننا ننتظر إيضاحات من الولاياتالمتحدة حول هذه التصريحات". ويري بعض الخبراء أنه على الرغم من العلاقات التي تربط هاتان الدولتان إلا أنهما لا تملكان هوية مشتركة ففي عام 2003، أظهرت حكومة "حزب العدالة والتنمية" المنتخبة حديثا مؤشرات تدل على بداية مرحلة التغير في هذه العلاقات حين رفضت السماح للقوات الأمريكية بالعبور إلى العراق عبر الأراضي التركية. وفي حين كان الزعماء الأتراك السابقون يتبنون شعار مؤسس البلاد الحديث مصطفى كمال أتاتورك المنادي إلى "التقرب من الغرب"، تؤمن نخبة "حزب العدالة والتنمية" بأن على تركيا أن تصبح قوة مستقلة في الشرق الأوسط لا تتعاون مع واشنطن إلا عندما كان هذا التعاون يخدم مصالحها. كما أن السلطات التركية وفي مايو 2010، صوتت أنقرة ضد القرار المدعوم من الولاياتالمتحدة وأوروبا في مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات على إيران بهدف ردع مطامعها النووية. ثم في عام 2013 قررت نخبة "حزب العدالة والتنمية" شراء منظومات دفاع جوية صينية، مبتعدة بذلك عن التزام تركيا التقليدي تجاه مجموعة "حلف شمال الأطلسي". ويقول الخبراء إن الولاياتالمتحدة إذا ضمت تركيا إلى صفوف شركائها، سيسهل عليها محاربة تنظيم "دعش" وإرساء الاستقرار في العراق، والإطاحة بالأسد إذا اختارت الولاياتالمتحدة هذه المسار، ومع أن واشنطن تملك حلفاء آخرين في الخليج وأوروبا، فإن تركيا تبقي الحليف الوحيد في "حلف شمال الأطلسي" الذي يقع على حدود العراقوسوريا.. لذلك فإن غيابها عن المساعي الحربية للولايات المتحدة يعقد لوجستيات العمليات ويرفع التكاليف المرتبطة بالعمليات الجوية. وفيما يتعين على أنقرة أن تقرر إلى أي مدى تستطيع تحمل السيطرة الأمريكية، ينبغي على واشنطن أيضا أن تقرر إلى أي مدى تريد وقوف تركيا إلى جانبها.