أخبار 24 ساعة.. مبادرة حكومية موحدة لتحفيز الاستثمار فى الشركات الناشئة    تحويلات المصريين بالخارج تقفز 39.9% في نوفمبر 2025 وتسجل مستوى تاريخيًا جديدًا    اتحاد منتجي الدواجن يتوقع تراجع الأسعار بعد 10 يناير.. لن نصل لمستويات رمضان الماضي    لوكمان رجل مباراة نيجيريا وموزمبيق بعد المساهمة فى 3 أهداف بأمم أفريقيا 2025    مروان عطية: نسعى لمواصلة مشوارنا في أمم أفريقيا وإسعاد الجماهير    أمم إفريقيا – لوكمان: لا يهمنا من سنواجه في ربع النهائي    عمرو أديب يبرز ملف "فيتو" عن سفريات وزراء حكومة مدبولي خلال 2025    ذكرى وفاة مها أبو عوف.. أزمات ومحن خبأتها خلف ابتسامتها الشهيرة ترويها شقيقتها    عمرو مصطفى: تنازلت عن بشرة خير للجسمي من أجل بلدى ومافيش أغلى منها    نصائح تساعد على الحفاظ على وزنك طوال الشتاء    غلق 14 منشأة طبية غير مرخصة بالأسكندرية    أخبار كفر الشيخ اليوم.. تسليم 9 عقود تقنين أراضي أملاك دولة للمواطنين    محافظ الجيزة يهنئ الأقباط الإنجيليين بعيد الميلاد المجيد    سهير المرشدي: نشأت في أسرة متدينة والجامع هو اللي حببني في الفن (فيديو)    سهير المرشدي: الفن جوهرة وبمارس رقابة ذاتية على نفسي    قسد تواجه قوات أحمد الشرع: من حقنا الدفاع عن مقاتلينا    محافظ الدقهلية: 11.359 ألف خدمة طبية وعلاجية وتثقيفية مجانية من القوافل الطبية المجانية خلال ديسمبر    رئيس هيئة الدواء يبحث مع ممثلي شركات محلية وعالمية توطين صناعات الدواء المتقدمة وأدوية الأورام    التعادل يحسم مباراة البنك الأهلي ووادى دجلة بكأس عاصمة مصر    بنتايج يدخل حسابات بيراميدز بعد إصابة حمدي بالصليبي    وزير الرياضة بعد الفوز على بنين: كل مباراة في الأدوار الإقصائية لأمم إفريقيا بطولة    أسرار الكتب التى تقرأها لقاء خميسى فى أول رد لها بعد بوست الفنانة إيمان الزيدى    كوريا الشمالية: التجارب الصاروخية الأخيرة شملت نظام أسلحة فرط صوتي    تجربة فريدة من جامعة القاهرة.. افتتاح مركز للدعم النفسى للطلاب    صحة الإسكندرية تحتفل باليوم العالمي لذوي الهمم    بيطرى القليوبية: تحصين 45 ألف طائر خلال ديسمبر 2025    تأجيل أولى جلسات محاكمة صانع المحتوى شاكر محظور بتهمة بث فيديوهات خادشة إلى 11 يناير    ارتفاع أعداد الزائرين الأجانب للمتحف القومي للحضارة بنسبة 13% خلال 2025    قطاع الدراسات العليا والبحوث بجامعة أسيوط يُعلن تخصيص منحتين سنويًا لدراسة الدكتوراه    وزير البترول الأسبق: لا أتوقع تغييرا كبيرا في أسعار النفط.. وفنزويلا بروفة لما يمكن أن يحدث في المنطقة    علاء حجاب يكتب: دخول من الباب الواسع    محافظ القليوبية يتابع ميدانياً منظومة النظافة وإزالة الاشغالات    الرئيس والكنيسة وزيارة كل عام    أمن المنوفية يضبط رجلا انهى حياة أرملة والده بدمليج    مشروبات طبيعية لتحسين التركيز أثناء المذاكرة في الأسبوع الأخير قبل الامتحانات    البلاستيك ب30 جنيها، أسعار الخردة في مصر بختام تعاملات اليوم الإثنين    شراكة إعلامية استراتيجية بين مؤسسة الأهرام والتليفزيون المصري    انطلاق الثورة وبداية هجرة اليهود فى الثلاثينيات.. فلسطين 36 فيلم يروى الآلام التاريخية للفلسطينيين فى دور العرض المصرية    التنظيم والإدارة يتيح الاستعلام عن موعد الامتحان الإلكتروني للمتقدمين لشغل 425 وظيفة بوزارة الخارجية    مفاوضات سورية إسرائيلية جديدة للعودة إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر    قراء اليوم السابع: محمد الشناوى الأحق بحراسة مرمى منتخب مصر أمام بنين    45 ألف دولار راتبًا شهريًا..كواليس مفاوضات الزمالك مع ميكالي    قافلة «زاد العزة» ال109 تحمل أكثر من 148 ألف سلة غذائية من مصر إلى غزة    استئناف الإسكندرية تخفف حكم الإعدام لعاطل متهم بقتل زوجته بالسجن المشدد 15 سنة    تعليم الفيوم ينظم تدريبا لمعلمي اللغة العربية الجدد    عاجل- موجة برد قوية تضرب البلاد غدًا.. شبورة كثيفة وتحذيرات للمزارعين والسائقين    ننشر مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    ضبط عصابة دجل وشعوذة تستولى على أموال المواطنين بالقاهرة    مايكل أوهيرلي: لا توجد أي مبادئ أو أسس قانونية لما قامت به إدارة ترامب في فنزويلا    الرئيس السيسي يوجه بتوسيع الجيل الخامس وتوطين صناعة الاتصالات ودعم الحوسبة السحابية    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    المكسيك و5 دول آخرى.. لماذا ترفض دول كبرى سيطرة ترامب على نفط فنزويلا؟    إصابة 7 أشخاص إثر انقلاب ميكروباص في قنا    الفراعنة على مشارف الربع النهائي.. مباراة مصر وبنين في كأس الأمم الأفريقية 2025    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. رضوان السيد: الثورات العربية: نزاعات السياسة والدين
نشر في أخبار مصر يوم 09 - 10 - 2011

أكاد أجزم أنّ الشبان الذين ثاروا بتونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، ما شغلتهم في عمليات التظاهر ومواجهة أجهزة الأمن، المسألة الدينية على الإطلاق. صحيحٌ أنّ أكثرهم متدينون، لكنهم ما ثاروا من أجل نُصرة هذه المسألة الدينية أو تلك، بل أرادوا الحرية والكرامة، واستعادة إدارة الشأن العامّ من الأنظمة الجمهورية الاستبدادية الخالدة.
والمعروف أنّ الإسلاميين الحزبيين ما شاركوا في بدايات الخروج إلى الشارع، ومع ذلك فكلَّ أرباب الأنظمة اتهموا المتظاهرين بأنهم جماعات أصولية وإرهابية وقريبة من "الإخوان المسلمين" أو " القاعدة". بل زادوا على ذلك تهديد الغربيين بأنهم إن سقطوا، فإنّ المتطرفين سوف يجتاحون أوروبا وما وراءها. والحقُّ أنّ تلك الدعاوى ما روعت أحداً من المراقبين للثورات العربية أو ضلَّلتْهُ بدليل أنّ الموجَّه إليهم الخطاب ظلُّوا على دعمهم لحركات التغيير. إنما علينا أن نعترف أنّ الثوار اختلفوا بعد ذلك وانقسموا، وظاهرُ الاختلاف الصراعُ على السلطة أو الحصص والأدوار خلال الثورة وبعدَها. بيد أنّ هناك باطناً لهذا الاختلاف أو الانقسام، هو في جزءٍ منه تحوُّل الدين إلى حاملٍ من حوامل الصراع على السلطة أيضاً.
فالشبان المدنيون بمصر، سواء أكانوا مستقلين أو منتمين إلى إحدى الحركات الثائرة، يعتبرون اليوم أنّ هناك موضوعين يشغلان البالَ هما: وزن الدين في النصوص الدستورية الجديدة، وتأخُّر المجلس العسكري في تسليم السلطة للمدنيين أو تردُّده في ذلك. وفي ليبيا أَعلن علي الصلاّبي، شيخ "الإخوان المسلمين"، معارضته لتولّي محمود جبريل رئاسة الحكومة الانتقالية، لأنه علماني وهو يريد دولةً إسلامية. وقد صار واضحاً أنّ إسلاميين راديكاليين وغير راديكاليين قاتلوا ضد القذافي بليبيا، ويريدون الآن إثبات وجودهم في السلطة الجديدة بدلاً من انتظار الانتخابات.
وفي تونس يخشى العلمانيون الثوريون من حركة النهضة على مدنية الدولة. وفي سوريا ولبنان هبَّ ذوو المراتب الدينية من المسيحيين لنُصرة النظام الأسدي، بحجة أنّ الأكثرية السنية أُصولية، وإذا وصلت للسلطة فسوف تضطهد المسيحيين! وقد شهدْتُ في فضائيتين نِقاشاً مع الدكتور غليون، رئيس "المجلس الوطني" المتشكّل حديثاً. في المقابلة الأولى كان همُّ الإعلامي المُقابل إحراج غليون بتهمتين: أنّ المجلس الوطني غير علماني لأنّّ "الإخوان" أعضاء فيه، وأنّ هذا المجلس لا يُعارضُ التدخُّل الأجنبي في الشأنْ السوري. وأمّا في المقابلة الثانية فإن الإعلاميَّ شكَّك في إسلامية غليون ومجلسه الوطني، أو حاول ابتزازه ليدافع عن إسلامه!
لكنّ غليون قال إنّ السوريين لا يريدون دولةً دينيةً على النهج الإيراني، والمجلس يسعى- و"الإخوان" أعضاء فيه- لإقامة دولةٍ مدنية علمانيةٍ ديمقراطيةٍ تعددية، تتسم بالحيادية والوُدّ تُجاه الدين، وتصون الحريات الدينية. وإذا نجح الإسلاميون في الانتخابات -وغليون لا يُرجِّحُ ذلك- فيستطيعون تشكيل الحكومة منفردين أو في ائتلاف، لكنّ الدولة تبقى علمانيةً ومدنيةً على النهج التركي الحالي! وما كان الإعلامي المذكور مسروراً بإجابة غليون الصحيحة والصريحة، ليس لأنه ذو ميولٍ إسلاميةٍ وحسْب؛ بل ولأنّ السلطة دخلت بالفعل إلى بطن الإسلام في العقود الماضية، وأُعيد تشكيل وعيٍ عامٍّ عمادُهُ كلمة حسن البنّا: الإسلام دينٌ ودنيا، مصحفُ وسيف! وهذا الوعي لدى الحركات الإسلامية المُعارضة ما اكتسب سمعته القوية نتيجة قوة أُطروحته؛ بل نتيجة احتجاجيته وانفراده بالمعارضة للأنظمة الاستبدادية السائدة.
ولا يملك شبان الثورات وعياً بضرورة مزج الدولة بالدين، وليس ذلك من همِّهم؛ بل هم يريدون استعادة إدارة الشأن العامّ عبر التحرر من أنظمة الاستبداد. والذي أراه أنّ قسماً كبيراً من شبان الإسلاميين سوف يتلاءمون مع الطروحات الجديدة. لكن هناك شريحة واسعة من المواطنين العرب، الحزبيين وغير الحزبيين، يداخلُها الخوفُ على هوية الدولة والمجتمع، وتريد أن يتجلَّى الحرصُ على صَون الهوية الدينية للشعب والأمة في الدستور الجديد.
كما أنّ هناك أقليات خائفة بالفعل من زوال أنظمة الاستبداد. ففي دول الطغيان، الطاغيةُ واحدٌ والعنوانُ واحدٌ، ويمكن إجراءُ الصفقات معه، وهذا ما حدث في العقود الماضية، وبخاصةٍ في مصر وسوريا. وما تعود أحدٌ منا في القرن العشرين على مسار الدين ومصيره في المجتمع الديمقراطي، وهذا ما يكون علينا أن نفكّر فيه على مشارف العصر الجديد. فلدى المسلم تقليدياً أنّ الدولة تحرس الدين وتسوس الدنيا. ولدى رجل الدين المسيحي أنّ الطائفة تكونُ آمنةً إذا كانت علاقاتُهُ هو وعلاقات المتنفذين في الطائفة، حسنةً مع السلطان.
وجاء الإسلاميَّ فتمسَّك بواجبه في صَون الدين عبر تسويد ممثّليه في إدارة الشأن العام، بعد أن أهملت الدولة الوطنية مهمة حراسة الدين. لكنّ تجربتنا القديمة والحديثة مع السلطات أنها لا تحمي الدين بل تستتبع مؤسَّساته لصالحها. وإذا تظاهرت بنُصرة الدين، فلكَي تستغلَّه في الشرعنة لنفسها ولاستبدادها، ولاستصدار الفتاوى في نُصرة دعاواها، والانتصار على خصومها. بيد أنّ ذلك كلَّه ما كان خطيراً، لأنّ الدين بقي في المجتمع وليس في السلطة. وظهرت الخطورة عندما أدخلت الحركات الحزبية الإسلامية الدين في عمليات الصراع على السلطة أو نظرية الدولة.
وقد اعتقدت أنّ ذلك واجبها لمنع تغريب المجتمع، وإدارة الشأن العام، ولمنع تألُّه القائد المنفرد. إنما الواقع أنها أدخلت الصراع إلى قلب الدين بعد أن كان خارجه، وها هي الدول الدينية في عالَم اليوم، مثل إسرائيل وباكستان وإيران، تُعاني من انقساماتٍ ونزاعاتٍ ضخمةٍ لأنّ الدين تحول إلى سلطة، ليست سلطةً ضميريةً، بل سلطة إلهية. فكلٌّ يريد امتلاك سلطة الله عَزّ وجلّ باسم الخلافة أو تطبيق الشريعة، وهذا يعني انقساماً وتناحُراً في الدين، والصراع السياسي ينحلُّ في الانتخابات، أمّا الصراعُ الديني فيوصلُ لانقساماتٍ دينيةٍ في المجتمعات.
ولذا فالخوف في هذه الفوضى السائدة ليس على الدولة أو السلطة التي تكون هناك وسائل للخروج منها بحسب المتعارَف عليه في الأنظمة السياسية في العالم؛ بل الخوف على الدين من الانقسامات والنزاعات إذا ظلَّ قابعاً في بطن الدولة مُصارعاً على السلطة بحجة أنه يملك النظرية الأفضل عبر رجالاته، أو بحجة أنّ السلطات أهملت الدين أو تجاهلته أو صدَّتْهُ.
لقد استشرى لدينا هذا الصراعُ بين الدين والدولة في العقود الماضية إذن، ليس لأنّ الأنظمة الاستبدادية غرّبت الدين أو اضطهدته؛ بل لأنّ حركات الإسلام السياسي، استخدمت الدين ضدَّها من أجل قلْبها أو مشاركتها. ولا حرج على المواطنين في الاحتجاج على السلطات، وإنما الحرج في استخدام الدين من أحد الطرفين أو كليهما لأنه يكون عند ذلك تلاعُباً في منظومة القيم، وفي الساحة الاجتماعية. وقد يوصل إلى مشكلاتٍ في الدين أكبر من مشكلات السلطة وإدارة الحكم.
إنّ الثورات العربية، فتحت لنا المجال لإعادة التفكير في البناء الفردي والاجتماعي، كما أتاحت المجال لإعادة تأمُّل دور الدين في المجتمع الديمقراطي العربي. وهو بالفعل دورٌ كبيرٌ ووازنٌ بقدْر ما يجري ليس خارج الدولة والنظام، وإنما ليس في مواجهتهما. هناك إذن مشكلة في التفكير الديني ناجمة عن إرادة الاستيلاء باسم الله على إدارة الشأن العام. لكن: هل هذا يعني أنّ الأقليات محقّة في التخوف من القادم؟
طبعاً ليست محقة، لأنّ التيار العامَّ اليوم تتنازعه توجهات متعددة بشأن بناء النظام الديمقراطي، وليس بشأن الخوف على الإسلام أو الخوف منه.
نقلا عن صحيفة الاتحاد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.