تدخل الأزمة اليمنية منعطفا جديدا قد يتجه بها إلى الحل السياسى في ظل استمرار عملية "عاصفة الحزم" التى ينفذها تحالف عربى تقوده المملكة العربية السعودية إذ مازالت قوات التحالف العربي تشن غاراتها الجوية والبحرية على مواقع الحوثيين فى عدة مدن. وبالتزامن مع هذه العملية ، احتدمت المعارك الدامية وحرب الشوارع بمختلف الأسلحة الثقيلة والمتوسطة بين الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع على عبدالله صالح من ناحية ، وبين اللجان الشعبية الموالية للرئيس اليمنى عبدربه منصور هادى والمدعومة من قبل قوات التحالف العربي، بهدف السيطرة على عدن وعدة محافظات يمنية جنوبية، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى. ورغم هذه التطورات فى الميدان فقد بدأت تلوح في الأفق بوادر بأن دفة الأزمة ربما أخذت فى الاتجاه نحو الحل السياسي فى ظل الحديث عن مبادرات وجهود سياسية ودبلوماسية من عدة أطراف فى المنطقة ربما يكون من أبرزها فى الوقت الحالى جهود الوساطة العمانية . وفى هذا الخصوص رصد المراقبون العديد من المؤشرات التى تشير إلى دور بارز للوساطة العمانية من أجل التوصل لحل سياسي للأزمة اليمنية يجنب المنطقة ويلات حرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس وربما تنذر بحرب إقليمية ممتدة ، حيث يقول محللون سياسيون إنهم فى انتظار الدور العمانى بعدما طلبت إيران من سلطنة عمان المساعدة والتدخل الدبلوماسي من أجل وقف ضربات عاصفة الحزم في اليمن. ويشير المحللون الى أن سلطنة عمان تملك من الرصيد الاستراتيجي ما يؤهلها للقيام بمبادرة دبلوماسية خلاقة لحل الأزمة اليمنية في ضوء المعطيات التالية: أولا: أن سلطنة عمان تتبع دائما سياسة مرنة في علاقاتها الدولية والإقليمية، تجسد ترجمة فعلية لمبادئها في السياسة الخارجية في اطار مبادئ: تطوير علاقات حسنة والحفاظ عليها مع كل الدول المجاورة وانتهاج سياسة منفتحة ذات منظور دولي يتفق مع التقاليد العمانية العريقة فضلا عن اتباع أسلوب عمل صادق وواضح في إقامة العلاقات الثنائية يأخذ في الاعتبار الحقائق الجيوستراتيجيه بدلا من المواقف الايديولوجية المؤقتة وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار من خلال التعاون والعمل على تحقيق وترسيخ السلام . ومن هنا يؤكد المحللون السياسيون أن السياسة الخارجية العمانية تتسم بالصراحة والوضوح وبالقدرة علي التعامل مع كل الدول الشقيقة والصديقة للسلطنة انطلاقا من مبادئ الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية والحرص علي تحقيق المصالح المشتركة ولذلك فإن علاقاتها الطيبة والوثيقة مع مختلف الأقطار مع عدم وجود أية مشكلات بينها وبين أي منها يمكنها دوما من القيام بكل ما تستطيع من جهد طيب ومساع حميدة لحل المشكلات والتقريب بين وجهات النظر وإذابة الجليد بين مواقف فرقاء القضايا العالمية لتجاوز الخلافات والتمهيد للقاءات ضرورية قد تشكل مدخلا لحل مشكلة أو توتر ما ، يتأسس على أن السياسة العمانية تحظي بثقة وتقدير كل الأطراف الخليجية والعربية والإقليمية والدولية. ثانيا: أن سلطنة عمان لم تشارك فى العملية العسكرية "عاصفة الحزم"، ولم تكن ضمن التحالف الذى قادته السعودية وضم عشر دول، مصر والأردن والمغرب والسودان وباكستان، بالإضافة إلى دول مجلس التعاون الخليجى الخمس . وقد يكون الموقف الذى تبنته سلطنة عمان إزاء ما يحدث فى اليمن هو أكثر المواقف تناغما مع طبيعتها كدولة معتدلة ، فقد انتهجت سلطنة عمان خطا مستقلا وهى التى عرفت باتخاذها مواقف مختلفة أحيانا فيما يتعلق بعلاقاتها الخارجية عن موقف شركائها الخمسة في مجلس التعاون، فقد كانت أول من رعى المفاوضات التي أنتجت اتفاق "السلم والشراكة" في اليمن. والواقع أن موقف سلطنة عمان ليس بالجديد ، فلطالما اعتمدت مبدأ النأى بالنفس عن كل الصراعات فى المنطقة وتبنت فى المقابل الاستقلالية فى اتخاذ القرار والتزام الحيدة وتتسم مواقفها بالعقلانية أما خطواتها فشديدة الحذر. ومن ثم كانت حريصة على عدم التورط فى أية صراعات وانعكس هذا بالتبعية على وضعها فى الداخل، حيث ساده الاستقرار والأمن والأمان وبذلك استطاعت تحقيق توازن دقيق مكنها من عدم الانخراط المباشر فى الأزمات. ثالثا: أن السياسة العمانية تقف على مسافة واحدة من كافة أطراف الأزمة اليمنية، وهذا الموقف يمكنها من طرح المبادرات والرؤى والتعامل مع كافة الأطراف بدون أي حساسيات، وفي إطار دورها المحوري، ما أشارت إليه تقارير من أن السلطنة طلبت من الحوثيين وقف التصعيد العسكري، وقالت إن "السلطنة تؤكد دعوتها لسائر الأطراف في الجمهورية اليمنية بضرورة تجنب أي تصعيد عسكري، وهذه الدعوة لكل الأطراف اليمنية، وتشمل كافة أرجاء ومناطق اليمن الشقيق". وذكرت التقارير أن سلطنة عمان نصحت زعيم جماعة أنصار الله عبد الملك الحوثي، بتجنب أي تصعيد عسكري في جنوب اليمن، وطالبت بوقف اجتياح الجنوب من قبل القوات المؤيدة للحوثيين، محذرة من أن مغامرة اجتياح الجنوب "قد تدفع مسقط للوقوف مع الموقف الخليجي المتشدد ضد الحوثيين". ويعد الموقف العماني الضاغط على الحوثيين مكسبا جديدا للجهود الخليجية تجاه العمل على حل الأزمة سياسيا. وتحتفظ سلطنة عمان بعلاقات وطيدة مع مختلف الأطراف السياسية المتصارعة في اليمن، وبينها جماعة الحراك الجنوبي التي استضافت زعيمها الرئيس السابق لما كان يعرف باليمن الجنوبي علي سالم البيض، بعد فراره من اليمن بعد انهيار اتفاق تقاسم السلطة بين شطري اليمن، الذي وقعه مع علي عبد الله صالح، في 22 مايو 1994. حيث لجأ البيض إلى سلطنة عمان بعد خسارته الحرب مع صالح، ومنحته السلطنة اللجوء السياسي ثم الجنسية بشروط تتضمن عدم قيامه بأي نشاط سياسي كما تحتفظ مسقط بعلاقة طيبة مع جماعة أنصار الله الحوثية، وكانت تقارير تحدثت في 12 يناير الماضي عن نجاح وساطة عمانية مع الحوثيين أدت لإطلاق سراح اللواء يحيى المراني، مسؤول الأمن الداخلي في جهاز الأمن السياسي (المخابرات). على أية حال يمكن القول أن الرؤية التي تتبناها سلطنة عمان حيال الأزمة اليمنية إنما تعزز من فرص قيامها بتقديم مبادرة إيجابية ولعب دور الوسيط من أجل تسوية الأزمة في اليمن، وفي هذا السياق ذكرت تقارير لم يتم تأكيدها بشكل مستقل أن مسقط عرضت على السعودية خطة سياسية في إطار المبادرة الخليجية للمساهمة في حل الأزمة اليمنية، وذلك من خلال نقل الحوار اليمني إلى السلطنة على اعتبارها أرض محايدة وغير متحيزة لأي من الأطراف المتحاربة، وتبذل السلطنة مساع رسمية لإقناع الرئيس "هادي" بقبول نقل الحوار بين الأطراف السياسية اليمنية إلى العاصمة العمانيةمسقط بعد أن فشل نقل الحوار إلى الرياض بسبب اعتراض جماعة "أنصار الله" على اعتبار أن المملكة متحيزة وداعمة للرئيس "هادي". ويبقى التأكيد على أن المخرج الأمثل للأزمة اليمنية هو عودة الحوار بين الأطراف اليمنية كافة، والعودة للمبادرة الخليجية التي كانت أساس الحل السياسي في اليمن بشرط عودة الشرعية المتمثلة فى الرئيس عبدربه منصور هادى وحكومته، وتخلي جماعة الحوثي عن المعدات والأسلحة التي استولت عليها، والعودة إلى طاولة الحوار باعتبارها إحدى مكونات المجتمع اليمني وليست المتحكمة في أموره ومساراته السياسية والاقتصادية.