تتركز كل ضغوط المجتمع الدولي الآن على ضرورة إجراء الاستفتاء حول تقرير مصير جنوب السودان في موعده المحدد, التاسع من يناير المقبل, مهما يكن ضيق الوقت وكثرة المشكلات, والزام الخرطوم الاعتراف بنتائج الاستفتاء والقبول بها دون تحفظ, وتقويض كل محاولات تأجيل موعده أيا كان حجم المشكلات المعلقة التي لم يفلح الجانبان, المؤتمر والحركة الشعبية, في تسوية أي منها قبل إجراء الاستفتاء, ومهما تكن روابط المصالح المشتركة العديدة بينهما, التي تفرض ضرورة الحفاظ على صيغة سياسية تمكنهما من التعاون المشترك في فترة ما بعد الاستفتاء, وتحول دون انزلاقهما الى مرحلة من العداء يمكن أن تسفر عن عواقب وخيمة بالنسبة للجانبين. ومنذ توقيع اتفاقية نيفاشا التي لم تحظ يوما برضا المصريين أو تعاطفهم, خوفا من أن تكون نتيجتها النهائية الأكثر توقعا انفصال الجنوب عن الشمال, حاولت مصر كثيرا توجيه دفة الاتفاق بعد أن أصبح حقيقة واقعة كي يكرس الطرفان, الشمال والجنوب, جهودهما لجعل وحدة السودان عنصرا جاذبا للجنوبيين, وفعلت قدر ما تستطيع كي تلفت انتباه عالمها العربي الى أهمية أن يتعاون الأشقاء العرب على الحفاظ على وحدة السودان من خلال تشجيع اقامة عدد من مشروعات التنمية في الجنوب تساعد على إنهاء احساس الجنوبيين بالعزلة والتهميش وتداوي جروحهم القديمة وتجعلهم أكثر حرصا على وحدة السودان, لكن قوى الهدم كانت أكبر وأكثر فاعلية من قوى البناء, خاصة أن اتفاق ماشاكوس كرس في الشمال نظاما للحكم يقوم على تطبيق الشريعة وكرس في الجنوب نظاما علمانيا مختلفا يقوم على الفصل بين الدين والدولة. ومع الأسف كان الأمريكيون والبريطانيون والنرويجيون هم أكثر أطراف المجتمع الدولي حماسا لتقسيم السودان, برغم روابط المصالح المشتركة العديدة بين الجنوب والشمال, لأن الجنوب لا يكاد يحيا بدون الشمال, سواء بالنسبة لصادراته البترولية التي تأخذ طريقها الى العالم الخارجي عبر منفذ وحيد في الشمال يتمثل في ميناء بورسودان أو بالنسبة لجميع وارداته السلعية التي تأتيه من الشمال, وفضلا عن ذلك سوف يترتب على الانفصال أوضاع ومشكلات إنسانية ضخمة, تهدد حقوق عدد من القبائل الشمالية في مقدمتها المسيرية والرزيقات التي اعتادت لعقود طويلة أن تتحرك من الشمال الى الجنوب, حيث توجد في الجنوب سبعة أشهر من كل عام بحثا عن العشب والكلأ, وتعتبر نفسها جزءا من المكان, يمكن أن تحارب العالم من أجله لأن عدم نزول هذه القبائل جنوبا الى منطقة أبيي في موسم الأمطار يعني نهاية حياتها وفناء قطعانها. ولاتزال مشكلة قبائل المسيرية والرزيقات تشكل إحدى المشكلات العويصة بين الشمال والجنوب التي لم تجد حلها الصحيح, لأن الجنوبيين لا يعترفون بغير قبائل الدنكا سكانا دائمين لهذه المنطقة, وينكرون على المسيرية والرزيقات وغيرهما من القبائل الرعاة حقهم في المشاركة في الاستفتاء على مستقبل أبيي, بينما يعرف الجميع أن هذه القبائل المحاربة والمعروفة بشراستها لن تقبل استبعادها من الاستفتاء لأنها تعتقد أنها جزء من المكان, وسوف تكون عنصر قلق مدمر بالنسبة للجنوب والشمال اذا ما تم إهدار حقوقها, ولا أظن أن الشمال يملك حق التنازل عن حقوق هذه القبائل المحاربة التي يتجاوز أعدادها3 ملايين فرد, يملكون أعدادا ضخمة من رءوس الماشية, ويبدون استعدادهم لحمل السلاح ضد أي طرف يحرمهم من حقهم في الانتقال وراء العشب والكلأ أو استغلال أراضيهم. ولأن الأمريكيين لا يعرفون واقع المنطقة ولا يتفهمون حجم المصالح المتداخلة بين الشمال والجنوب, ويهرعون الى فتح بطون مشكلات ضخمة لا يعرفون كيف يعالجون نتائجها وآثارها, تنتهي عادة بإعلان فشلهم الذريع في إصلاح ما تسببوا في افساده, كما حدث في العراق وأفغانستان وأخيرا فلسطين, يقترحون إنشاء منطقة عازلة بين الشمال والجنوب عرضها16 كيلو مترا تشكل حزاما فاصلا بين قبائل الرعاة الشماليين ذوي الأصول العربية وقبائل الجنوب بحيث يتم نشر قوات للأمم المتحدة في هذه المناطق, وهو أمر يصعب على الخرطوم قبوله, ويستحيل على قبائل المنطقة أن تتعايش معه, لأنه يمثل حلولا مصطنعة تخاصم الطبيعة وتعارض أصول الأشياء وقوانينها, ويكاد يكون الحل المنطقي الوحيد إيجاد صيغة سياسية مناسبة تمكن الجنوبيين من تحقيق استقلالهم ماداموا لا يجدون في الوحدة مع الشمال عنصرا جاذبا, وتحفظ للشعب السوداني الواحد روابطه المشتركة. ولهذه الأسباب اقترح المصريون كونفيدرالية تربط بين دولتين مستقلتين, دولة في الشمال ودولة في الجنوب, لكن الأمريكيين اقترحوا بدلا من الكونفيدرالية حزاما عازلا يفصل بين الجنوب والشمال, بينما تقول حقائق الواقع ان الجنوب لا يكاد يحيا دون تواصل حقيقي مع الشمال, فإذا أضفنا الى ذلك حجم المشكلات العالقة بين الجانبين, خاصة بعد اخفاقهما الأخير في إنهاء ملف ولاية أبيي, واضطرارهما الى تأجيله الى ما بعد الاستفتاء على حق تقرير المصير ضمن ملفات أخرى خطيرة مؤجلة, أهمها مشكلة ترسيم الحدود التي تمت في نطاق80 في المائة من مساحة الحدود على الورق, ومشكلات إعادة توزيع خريطة البترول, ومشكلة مليون ونصف مليون جنوبي الذين يعيشون في الشمال, ومشكلات المعاهدات والديون وقوات الأمن المشتركة, يصبح من المنطقي والضروري الحفاظ على حد أدنى من علاقات التواصل بين الشمال والجنوب تضمن حوارا رشيدا بين الجانبين, يسوده مناخ صحي لحل هذه المشكلات المعلقة بدلا من بتر هذه العلاقات بسكين حاد تحركها الكراهية لفصل الشمال عن الجنوب من خلال منطقة عازلة. وما من شك في أن جهود الجنوبيين الأخيرة من أجل ترميم جبهتهم الداخلية التي تمثلت في مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد في جوبا أخيرا, وإشراك كل فرقاء المعارضة والجماعات المتمردة في جهد يستهدف تحقيق الوحدة الوطنية ومناقشة شكل ومؤسسات الدولة الجديدة, وتقليص السيطرة المنفردة لقبائل الدنكا على مقاليد الدولة الجديدة, يمثل خطوة مهمة لتحصين الجنوب من مخاطر الانزلاق الى خلافات وصراعات قبلية وعرقية يمكن أن تهدد أمن الدولة الجديدة, وتنقل عدواها الى بعض دول الجوار الإفريقي التي لا تتحمس كثيرا لانفصال جنوب السودان عن شماله, خشية أن يؤدي الانفصال الى إثارة نزاعات عرقية وقبلية عديدة في عدد من دول وسط القارة, واذا كانت أوغندا وكينيا تتحمسان لانفصال الجنوب لأسباب تتعلق بالعلاقات التاريخية بين الحركة الشعبية والدولتين, فإن إثيوبيا لا تخفي قلقها من الآثار السلبية المحتملة لهذا الانفصال. وأظن أن الشمال الذي يعاني من تفكك جبهته الداخلية, كما يعاني من استقطاب حاد يفصل بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة يحتاج الى مثل هذا الجهد الذي يستهدف ترميم جبهته الداخلية, وإيجاد تحالف وطني واسع, يستطيع الصمود في وجه مؤامرة تقسيم السودان التي لاتزال مستمرة, ويصعب على الحزب الحاكم وحده مواجهتها منفردا, خاصة أنه يتعرض لضغوط متنوعة ليس أخطرها المحكمة الدولية, ويعاني من تمييز شديد في علاقاته الدولية يجعله أكثر تعرضا لضغوط الدول الغربية التي تمنح تعاطفها الكامل للجنوبيين ولا تتبنى مواقف متوازنة, كما وضح في الزيارة الأخيرة التي قام بها وفد مجلس الأمن الذي ضم ممثلي الولاياتالمتحدة وبريطانيا وحمل حكومة الخرطوم مسئولية حل كل القضايا العالقة, وتحذيرها من الفشل دون أن يقدم أي حوافز تساعدها على مواجهة مشكلات دارفور والشرق والجنوب. وأظن أيضا أن المبادرة ينبغي أن تأتي من حكومة الخرطوم التي لا تملك بديلا آخر سوي العمل على تقوية الجبهة الداخلية للشمال, خاصة أن كل الأطراف تحملها مسئولية الانفصال الذي ضيع ما يقرب من20 في المائة من حجم السودان, كما أن استمرار الاستقطاب الحاد الراهن بين المعارضة والحكم يمكن أن يؤدي الى نوع من الانفلات الأمني يصعب السيطرة عليه, فضلا عن أن إنهاء المشكلات المعلقة مع الجنوب سوف يتطلب قرارات صعبة, تتعلق بمصير أبيي التي يقترح الأمريكيون أن يتنازل عنها الرئيس البشير للجنوب مقابل تسليم الجنوب بحق قبائل الرعاة في النزول جنوبا في مواسم الرعي, أو يقبل تقسيمها مناصفة مع الجنوب بحيث يخصص جانب منها لتوطين قبائل الرعاة, وكلها قرارات مصيرية يحسن أن تدخل ضمن مسئوليات جبهة وطنية, سوف يساعد وجودها دون شك على خفض التضحيات الباهظة التي سوف تدفعها الخرطوم لإنهاء مشكلات الجنوب والشرق ودارفور واصلاح لحمة ما تبقى من جبهة الشمال. ويدخل ضمن مسئوليات حكومة الخرطوم الاسراع بتسوية المشكلة الدارفورية التي لاتزال تتعثر نتيجة عدم تجاوب قادة فصائل التمرد مع الجهود الدولية المبذولة لتوحيد صفوف هذه الفصائل, والدخول في مفاوضات جادة لإبرام اتفاق سلام شامل, ورغبة بعض هؤلاء القادة في رفع سقف مطالبهم الى حد المطالبة بحق تقرير المصير كما حدث في الجنوب, بدعوى أن دارفور هي الأولى بحق تقرير المصير لأنها كانت إقليما مستقلا يتبع الدولة العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى, وبرغم أن حكومة الخرطوم تسعى جاهدة للوصول الى تسوية عاجلة لملف دارفور, وتبدي تجاوبا مع مطالب الفصائل الدارفورية ومطالب المجتمع الدولي وتحاول تحسين الوضع الأمني والإنساني في المنطقة وتلتزم بإشراك الدارفوريين بصورة أفضل في حكم مناطقهم, تفضل بعض حركات التمرد تجميد الموقف انتظارا لما سوف يسفر عنه استفتاء الجنوب في الوقت الذي يمارس فيه المجتمع الدولي ضغوطا متوازنة على الجميع تشمل بعض أطراف حركات التمرد التي تأخذ مواقف متعنتة تعيق الوصول الى اتفاق سلام ومع ذلك تجد في تعدد وسطاء السلام وكثرتهم ما يساعدها على التهرب من المسئولية. كما يدخل ضمن مسئوليات حكومة الخرطوم, الالتزام الجاد بتنفيذ قرارات اتفاق المصالحة الذي تم توقيعه مع حركات التمرد الأربع في مناطق الشرق بمعاونة أساسية من اريتريا وتنشيط مشروعات إعمار كسلا والقضارف والبحر الأحمر, خاصة بعد نجاح الكويت في الحصول على تعهدات دولية بتمويل هذه المشروعات قيمتها تتجاوز ثلاثة مليارات دولار. ولأن مصر هي أكثر الأطراف تضررا من أية مضاعفات تؤدي الى قسمة السودان أو تنتج عن دخوله مرحلة أخرى من الفوضى استمرارا لمؤامرة التقسيم والتفتيت, لأن الأمر يتعلق بأمنها الوطني وعمقها الاستراتيجي, كما يتعلق بأقرب الشعوب الى المصريين, أبناء الخال الذين كانوا سندا دائما لمصر, يصبح لزاما على القاهرة أن تستثمر علاقاتها الطيبة مع كل من الجنوب والشمال حفاظا على روابطهما المشتركة, وتستثمر علاقاتها مع الغرب من أجل إلزامه ضرورة تعديل سياساته تجاه حكومة الخرطوم كي تكون أكثر توازنا, لأن مصر جزء من أهداف هذه اللعبة التي تستهدف حصارها. واذا كانت بعض القوى في شمال السودان تعتقد أن ما من بديل أمام مصر وحكومة الشمال سوى التوجه نحو اقامة كونفيدرالية في الشمال تحمي مصالحهما المشتركة المهددة, فإن كونفيدرالية الشمال لا تغني عن كونفيدرالية الجنوب التي ينبغي أن تظل هدفا يحرص عليه الشماليون حتى وإن كان من المتعذر تحقيقه الآن, لأن التصور السقيم الذي جاء مع جماعات الإسلام السياسي بأن الجنوب عبء على الشمال يحسن التخلص منه هو الذي فتح أبواب الشرور على مصاريعها لقسمة السودان وتفتيته.. ويبقى القرار في النهاية في يد حكومة الخرطوم التي تقف على مفترق طرق خطيرة يلزمها إعادة النظر في مجمل سياساتها بما ينهي حالة التفكك الراهن في الشمال لصالح جبهة وطنية قوية تضم الحكم والمعارضة, تصمد في وجه رياح عاصفة قادمة تهدد أمن السودان وتمس وجوده كما تهدد مصر وعمقها الاستراتيجي. نقلاً عن صحيفة الأهرام المصرية