عندما أطاح المحتجون المصريون بديكتاتورية مبارك التي امتدت ل 30 عاما، فإنهم احتضنوا في البداية القوات المسلحة التي طالما كانت محل تبجيل من المصريين، كحماة للثورة. لكن هذا الوئام سرعان ما تراجع وسط تقارير عن إطلاق قوات الجيش النار على المتظاهرين وإهانة النساء، وعانت العلاقة بين الثوار والمجلس العسكري أكثر عندما أجل الجنرالات عملية الانتقال الديمقراطي وانتزعوا صلاحيات من الرئيس. لكن صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية تقول إن على الرغم من حالة السخط غير المسبوقة التي انصبت على القادة العسكريين، الذين لم يخضعوا أبدا للرقابة الشعبية، فإن هناك مؤشرات قليلة جدا على تأثر الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها القوات المسلحة بشكل عام.
الصحيفة تشير إلى أن الرئيس الجديد محمد مرسي قال في خطاب التنصيب في جامعة القاهرة إن القوات المسلحة سوف تعود إلى ثكناتها، لكنه حتى وهو يتحدث بهذه الكلمات، كان الحاضرون ومنهم شخصيات كبرى وبرلمانيون سابقون يهتفون «الجيش والشعب إيد واحدة».
وتنقل عن اللواء سامح سيف اليزل، المحلل الأمني الذي ينظر إليه على أنه مقرب من المجلس العسكري، قوله إن «غالبية المصريين تؤيد المجلس العسكري والجيش..الشعب ينظر إلى الجيش على أنه المنقذ في النهاية».
وتستشهد «البوست» باستطلاعات الرأي التي جرت قبل الانتخابات تدعم ما يقوله سيف اليزل، فدراسة أجرتها مؤسسة جالوب الأمريكية في أبريل الماضي وجدت أن ثقة المصريين بالجيش انخفضت بشكل طفيف منذ يونيو 2011، من 95% إلى 98%. كما أن دراسة أجراها مركز بيو الأمريكي المتخصص في استطلاعات الرأي، ربيع هذا العام، أشارت إلى أن ثلاثة أرباع المصريين يعتقدون بأن الجيش صاحب تأثير جيد، وكلا الدراستين وجدت أن غالبية المصريين ينظرون إلى الجنرالات بشكل إيجابي.
وتلفت إلى أن مكانة الجيش تكونت على مدار عقود من الحكم الديكتاتوري لرؤساء جاؤوا من صفوف المؤسسة العسكرية وساعد على بناء هذه المكانة قوانين تحظر التقارير عن الجيش مما جعله بمعزل عن الرقابة.
وبالنسبة إلى كثير من المصريين – والحديث للصحيفة – يمثل الجيش قوة جريئة واجهت إسرائيل في حرب 1973 التي انتهت بتعادل كفتي الطرفين لكنها أدت في النهاية إلى استعادة مصر لشبه جزيرة سيناء.
كما يعتبره المصريون أكثر تمثيلا للمصريين وأقل وحشية وفسادا من الشرطة وأجهزة الأمن الأخرى، الذين عمل أعضاؤها كجلادين في ظل نظام مبارك.
لكن هذا لا يمنع – بحسب البوست – أن نقلة في التفكير حدثت منذ الثورة، حيث اهتزت سمعة الجيش بصورة لم تحدث من قبل، وفق محللين، نتيجة لتعرض الجيش للانتقادات واقتصاد الظل الذي يحتفظ به طويلا، والمحاكمات العسكرية للمدنيين بعد الثورة و«كشوف العذرية» وسيطرته السافرة على السلطة.
وتنبه الصحيفة إلى أنه رغم جهود بعض النشطاء لكشف ممارسات أفراد الجيش القمعية للعامة، فإن مثل تلك الجهود غطت عليها روايات أخرى للأحداث، والتي دعمها إعلام الدولة والجنرالات، والتي أظهرت المحتجين كبلطجية تسببوا في تدهور الاقتصاد وكإسلاميين متشددين. وتضيف أنه لا أحد يختلف على أن معاملة الجيش المصري للمتظاهرين تسببت في سفك دماء أقل بكثير جدا مما قام به الجيشان الليبي أو السوري.
لكن الأحداث الحالية في مصر سوف تجعل من الصعوبة بمكان على الجيش أن يظل بمعزل عن الرقابة الشعبية ويقول «ياسر الشيمي» من مجموعة الأزمات الدولية إن «البيئة السياسية الجديدة ليست متوائمة مع الاحتفاظ بسرية الأمور»، ومع هذا فالصراع بين المدنيين والعسكر من المحتمل أن يتنقل إلى ما وراء الأبواب المغلقة الآن، بعد تولي رئيس منتخب القيادة.
لكن «جوشوا ستاتشر» أستاذ العلوم السياسية بجامعة كينت الأمريكية يقول إنه مع انسحاب الجيش – على الأقل رسميا – إلى الخلفية، فإن مشاعر العداء للجيش سوف تصبح أقل حدة، على الأقل في المدى القصير، ويضيف أن «مرسي سيصبح مسؤولا عن كل الحفر في البلد، والبلد مليء بالحفر..ستنتقل المسؤولية بعيدا عن الجيش»، على حد قوله.