محافظ كفرالشيخ يعلن تطبيق قرار رئيس مجلس الوزراء    القاهرة في المركز الرابع عالمياً ضمن أجمل 12 مدينة حول العالم في تصنيف Civitatis    مقتل شخص وإصابة 3 آخرين إثر سقوط شظايا صواريخ إيرانية في وسط إسرائيل    عكس اتحاد الكرة.. المنسق الإعلامي للمنتخب: مباراة السعودية دولية    وزير الشباب: مشوار كأس العالم بدأ وجماهير الكرة تنتظر الكثير من اللاعبين    ضبط 6 أطنان سكر تمويني محظور تداوله في حملة مكثفة بمركز جهينة بسوهاج    بواقع 51 مليون طلب تطبيق إذاعة القرآن الكريم يحقق إقبالا تاريخيا    وفاة الناقد الكبير سمير غريب.. وداعه غداً من مسجد "فاضل" ب 6 أكتوبر    أول تعليق من الإعلامي إبراهيم فايق على أزمة نجل أحمد حسام ميدو    البنك المركزي المصري يكلف شركتين دوليتين بتقييم سياسات أكبر بنكين حكوميين    سي إن إن: رصد ألغام أمريكية مضادة للدبابات في مناطق سكنية ب إيران    عراقجى: إغلاق مضيق هرمز أمام السفن الأمريكية والإسرائيلية مشروع    متخب مصر للتنس يتوج بالدرع العام لبطولة إفريقيا للناشئين    أسرة عبد الحليم حافظ تتخذ الإجراءات القانونية ضد طبيب تخسيس بسبب إهانة العندليب    «الصحة»: إجراء 10 جراحات دقيقة في يوم واحد بمستشفى قنا العام    مساعد وزير الصحة يتفقد مستشفى العبور بالقليوبية لتسريع دخولها الخدمة ورفع كفاءة المنظومة    أخصائي يوضح أبرز فوائد الشاى بالليمون    نقل الكهرباء تعلن عن وظائف مهندسين وفنيين لعام 2026.. تعرف على الشروط    السفير خالد عمارة: الثورة الإيرانية 1979 واجهت إجهاضًا مبكرًا وتدخلًا دوليًا    أخبار كفر الشيخ اليوم.. عودة حركة الملاحة بعد تحسن الأحوال الجوية    طريقة عمل سلطة الباذنجان باللبنة، من الأطباق الخفيفة وسريعة التحضير    وزير العمل من جنيف.. لقاءات تتماشى مع توجيهات الرئيس السيسي و"برنامج الحكومة"    «أهلي 2011» يفوز على البنك الأهلي برباعية في بطولة الجمهورية    النصر يحسم الجدل حول انسحابه من دوري أبطال آسيا    محافظ القاهرة يتفقد أعمال توصيل خط مياه جديد في زهراء المعادى    الوفد ينظم ندوة تعريفية لدور شركات القطاع العام فى نمو الإقتصاد المصرى    إصابة 7 بإختناق في حريق منزل بنجع حمادي والسيطرة على النيران قبل انتشارها    نصر النوبة في بؤرة الاهتمام.. محافظ أسوان يقود التنمية من الميدان    مجدي حجازي يكتب: «مَفَاتِحُ الْغَيْبِ»    حسام موافي: صلاة الاستخارة مفتاح الطمأنينة.. وما لم يُكتب لك قد يكون حماية من الله    الجيش الإسرائيلي يعلن بدء موجة واسعة من الضربات داخل إيران    كتاب تحت سطح العالم.. ستون يوما فى أستراليا: حكايات عن البشر والحجر والشجر    الصحة: حملة رمضان فرصتك للتغيير تصل ل64.4 ألف مواطن في مختلف محافظات مصر    الأزهر يوضح علامات قبول الصيام وطريق الطاعة المستمرة    القومي للمسرح يفتتح احتفالية "اليوم العالمي" برسالة "وليم دافو" (صور)    وزارة الزراعة: تحصين وتعقيم أكثر من 20 ألف كلب ضال منذ مطلع 2026    المخرج سعد هنداوي ل"البوابة نيوز": شاركت في تطوير معالجة "اللون الأزرق" منذ اللحظة الأولى وجومانا مراد الشريك الأول في رحلة تنفيذ هذا المشروع وأصريت على وجود مختصين لضمان دقة تناول قضية التوحد    غدا.. عرض ومناقشة فيلم Hidden Figures بمكتبة مصر الجديدة    أنشيلوتي يتجاهل التعليق على هتافات الجمهور بشأن نيمار    ثروة مشبوهة.. تفاصيل جريمة غسل أموال ب 10 ملايين جنيه    من حق الرئيس ومن حق الشعب المصري    محافظ أسيوط: رفع كفاءة منظومة الإنارة بقرية منقباد    "عراقجي": الشعب الإيراني مسالم.. والعدوان الأمريكي الإسرائيلي طال مستشفيات ومدارس ومصافي مياه    وصلت ل 65 جنيها، مزارعو المنيا يكشفون أسباب أزمة الطماطم وموعد تراجع الأسعار    استئناف حركة الصيد بعد تحسن الأحوال الجوية في البحيرة    9 أشخاص.. أسماء المصابين في انقلاب ميكروباص بقنا    ضبط 160 كجم أسماك غير صالحة للاستهلاك الآدمي بالمنوفية    رئيس مجلس القضاء العراقي: انفراد فصائل مسلحة بإعلان الحرب خرق للدستور    تعرف على مواجهات الجولة الرابعة من الدور النهائي لدوري السوبر الممتاز لآنسات الطائرة    الري: حصاد 500 ألف متر مكعب من مياه الأمطار خلال يومي الأربعاء والخميس    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : حبنا لآل البيت من الإيمان 00!؟    رغم الهجمات المستمرة علي العراق .. مليارات من العتبة الحسينية لإيران    صاحب الفضيلة الشيخ سعد الفقى يكتب عن : الدكتور / السيد عبد الباري الذي اعرفه؟    جمال العاصي: لاعبو الأهلي تحولوا لرجال أعمال.. والكورة لم تعد نمرة واحد    برلماني: قضية الماجستير والدكتوراه أمن قومي وليست مجرد أزمة توظيف    إياد نصار: ترجمة «صحاب الأرض» أولى خطوات العالمية.. والمسلسل انتصر للإنسان الفلسطيني    نائبة العدل نيفين فارس تتقدم باقتراحين برغبة لتعزيز القوة الناعمة وتفعيل دور «القومي للبحوث»    حبس 4 أشخاص لاتهامهم بالاتجار في المواد المخدرة بأكتوبر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. حسين عبد البصير يكتب: نجيب محفوظ ومصر الفرعونية
نشر في الدستور الأصلي يوم 10 - 09 - 2011

يعتبر عمنا الأكبر نجيب محفوظ من أوائل وأفضل الأدباء المصريين الذين كتبوا عن مصر الفرعونية. فقد كتب الرجل عددا لابأس به من أعماله عن تاريخ وآثار تلك الحضارة العريقة. وقامت أعماله على الدقة الأدبية والصياغة الفنية الفائقة وصدق المعلومة التاريخية وبعث الأجواء القديمة باقتدار. وقد بنى معمار معظم أعماله الفنى على قصة أدبية ذات بعد سياسى وأسطورى أو على قصة متواترة من التراث أو على حدث تاريخى معروف أو عن شخصية ملكية مثيرة.
وقد يبدو غريبا لدى البعض اهتمام نجيب محفوظ الكبير بمصر الفرعونية، غير أن هذا الاهتمام له ما يبرره من أسباب عديدة. فقد بدأ حب كاتبنا الأكبر نجيب محفوظ لمصر الفرعونية مبكرا حين كان طفلا صغيرا يعيش فى منطقة سيدنا الحسين ثم فى حى العباسية الشرقية العريق بعد ذلك؛ إذ كانت أمه المرأة المصرية البسيطة ذات الحس الحضارى العفوى والعميق تأخذ ابنها الصغير لزيارة الأماكن الأثرية خصوصا المتحف المصرى بوسط القاهرة. ولم يكن نجيب الطفل يعرف لماذا تقوم هذه المرأة البسيطة بهذه الزيارات لتلك الأماكن التاريخية الخالدة، وظل هذا السؤال دون إجابة إلى نهاية حياة كاتبنا الكبير. ومن خلال هذه الزيارات المعتادة لمعالم حضارة وتاريخ مصر الفرعونية بدأ شغف وحب الطفل الصغير بهذه الحضارة وتاريخها وآثارها يزادان دون وعى منه.
ونظرا لتعلق كاتبنا الكبير بثورة 1919 وزعيمها الخالد سعد زغلول وتأثره العظيم بتوجهات ونتائج الثورة وما بثته من بعث وإحياء لمصر وحضارتها الخالدة، ازداد وعيه ووعى المصريين بمجد حضارتهم الغابرة للرد على محاولات المستعمر البريطانى الغاشم المستمرة لطمس الهوية المصرية حتى يظل ذلك الاحتلال البغيض جاثما على صدر مصر والمصريين لسنوات طويلة. وكان من حسن الطالع أن تم اكتشاف مقبرة الفرعون الذهبى الملك الصغير توت عنخ آمون يوم 4 نوفمبر 1922 على يد الإنجليزى هيوارد كارتر فى فترة زمنية قصيرة من قيام الثورة مما أكد صدق وحدس زعيم الثورة ورجالها من أن مصر دولة عظيمة ذات حضارة رائدة وأنها تستحق الاستقلال ووضعا أفضل مما هى عليه الآن.
وبدأ نجيب محفوظ خطوات عملية فى تأصيل وعى المصريين بتراثهم الحضارى العريق، فقام فى الصيف فى نهاية مرحلة دراسته الثانوية بترجمة كتاب "مصر القديمة" للمؤلف جيمس بيكى؛ وذلك كى يحسن من لغته الإنجليزية، ثم أرسله بعد ذلك إلى الأستاذ سلامة موسى الذى أصدره فى دار النشر الخاصة به وأرسل منه نسخة بالبريد للطالب نجيب محفوظ. ومن هنا نشأت علاقة قوية بين التلميذ نجيب محفوظ وأستاذه وأبيه الروحى سلامة موسى الذى توسم خيرا فى الكاتب الشاب وآمن به وبموهبته وتعهده برعايته. ونشر هذا الكتاب عام 1932. وكانت ترجمة هذا الكاتب خير مران ومقدمة لمحفوظ للتعرف على مفردات الحضارة المصرية القديمة فضلا عن فنية وأدبية وأسلوبية الكتابة عنها، وترك هذا الكاتب الصغير أثرا عميقا فى نفس محفوظ سوف يؤتى ثماره الأدبية لاحقا فى صور إبداعية عديدة عبر مسيرة أديبنا الطويلة. وبدلا من أن يدرس نجيب محفوظ الأدب كما كان يخطط، التحق بقسم الفلسفة فى كلية الآداب فى جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) تأثرا بأستاذه سلامة موسى وغيره من كبار المفكريين المصريين فى أوائل القرن العشرين الميلادى أمثال عباس محمود العقاد ود. محمد حسين هيكل ود. طه حسين وتوفيق الحكيم وإبراهيم عبد القادر المازنى وغيرهم. ومكث نجيب محفوظ فى دراسة الفلسفة بتلك الجامعة من عام 1930-1934. وفى هذه الفترة الجامعية ونظرا لولعه الشديد بمصر القديمة وحضارتها، كان محفوظ يتردد على قسم الآثار المصرية القديمة بنفس الكلية ليتعلم ويستمع إلى محاضرات أساتذتها من علماء المصريات الأجانب عن مصر القديمة وآثارها وتاريخها، فضلا عن دراسته وقراءاته الذاتية عنها.
وكان نجيب محفوظ قد بدأ بكتابة المقال الفلسفى متأثرا بدراسته، وشرع بالفعل فى إعداد وكتابة رسالة للماجستير فى الفلسفة عن موضوع "الفلسفة الجمالية عند الشيخ مصطفى عبد الرازق"، غير أن تأثره بالأدب كان أقوى، فترك البحث الأكاديمى وانغمس إلى أذنيه فى كتابة الأدب، لكنه لم يهجر الفلسفة أو تهجره كلية فظهرت مرارا فى كتاباته الأدبية، ويعد واحدا من أوائل الروائيين العرب الذين مزجوا فى كتاباتهم بين الأدب والفلسفة معيدا بذلك ذكر ومسيرة فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة "أبو حيان التوحيدى".
وتأثر أيضا نجيب محفوظ بأستاذه الأدبى الكاتب الكبير توفيق الحكيم وروايته الفذة "عودة الروح" التى استوحى فيها توفيق الحكيم أسطورة إيزيس وأوزيريس من أجل بعث وإحياء مصر والأمة المصرية كما تم بعث وإحياء أوزيريس عن طريق زوجته المخلصة إيزيس. وكما صرح نجيب محفوظ أكثر من مرة فإن رواية "عودة الروح" للحكيم كانت المدرسة الكبرى التى تعلم فيها هو وجيله من الأدباء المصريين فى أوائل القرن العشرين الميلادى. وكان زميل نجيب محفوظ ورفيق دربه الأدبى الأديب عادل كامل قد كتب رواية عن ملك مصر أخناتون أطلق عليها "ملك من شعاع".
وبعد أن هجر نجيب محفوظ كتابة المقال الفلسفى، اتجه كلية إلى كتابة القصة القصيرة.
وكان من ثمار بداية الإنتاج الأدبى عند أديبنا الشاب ما يقرب من ثمانين قصة نشر أغلبها محفوظ فى الصحف والمجلات فى تلك الفترة خصوصا فى مجلة الرسالة التى كان يرأس تحريرها أستاذه سلامة موسى. وجمع عددا من قصص بداياته الأدبية ونشرها فى مجموعته القصصية الأولى "همس الجنون" عام 1938 (تأثرا -أغلب الظن- باسم الديوان الشعرى لميخائيل نعيمة "همس الجفون"). وكان من بين قصص هذه المجموعة، قصتان أحدهما تتماس مع مصر الفرعونية، والأخرى تدور أحداثها فى مصر القديمة. القصة الأولى تسمى "يقظة المومياء"، والأخرى تدعى "صوت من العالم الآخر".

وتأثرا بما فعله السير الإنجليزى والتر سكوت عندما كتب تاريخ إنجلترا فى شكل روائى، خطط نجيب محفوظ لكتابة أربعين رواية عن تاريخ مصر، غير أنه لم يكتب منها إلا ثلاث روايات هى "عبث الأقدار" (عام 1939)، "رادوبيس" (عام 1943) و"كفاح طيبة" (عام 1944)، وماتت الروايات السبع والثلاثون الباقية بالسكتة كما قال نجيب محفوظ نفسه. وكان السبب وراء هذا التحول أن مصر وأحداثها السياسية آنذاك جذبت بشدة نجيب محفوظ أكثر مما جذبته مصر القديمة وأحداثها على الرغم من أن روايات مصر الفرعونية لم تكن تتحدث عن مصر القديمة فحسب بل كانت تلقى بظلالها على مصر المعاصرة وأحداثها آنذاك؛ إذ كان نجيب محفوظ يحلو له أن يصنف نفسه ب "أديب الحاضر" فى مواجهة النوعين الآخرين من الأدباء: أديب الماضى وأديب المستقبل. وعلى الرغم من انشغال محفوظ بالواقع المصرى المعيش ابتداء من روايته الشهيرة "القاهرة الجديدة" (عام 1945)، لم ينس غرامه القديمة بفاتنته، مصر الفرعونية، فكتب واحدة من أهم رواياته فى عقد الثمانينات من القرن العشرين أعنى رواية "العائش فى الحقيقة" (عام 1985) والتى كتبها من وجهة نظره المصرية البحتة عن فرعون التوحيد، الملك المصرى الفليسوف، "أخناتون"، وأغلب الظن أن فكرة هذه الرواية ظلت تطارد عقل ومخيلة نجيب محفوظ زمنا طويلا منذ أن خطط أن يكتب تاريخ مصر بشكل روائى فى بداياته الأدبية؛ إذ لايمكن تخيل كتابة تاريخ مصر دون الحديث عن الفرعون الشهير أخناتون ودعوته الدينية المثيرة. وبعد اغتيال الرئيس السادات، أجرى محفوظ محاكمة ومواجهة روائية بين حكام مصر منذ البداية وتحديدا من عهد الملك مينا موحد القطرين وأول ملك لمصر الموحدة إلى عهد الرئيس محمد أنور السادات فى عمل أدبى جديد فى نوعه يصعب تصنيفه يدعى "أمام العرش" (حوار بين الحكام) عام 1983. ويوضح هذا العمل القصير الفذ تشعب وعمق وتنوع ثقافة نجيب محفوظ وإلمامه بتاريخ مصر وأبرز معالمه ورجاله عبر العصور ووجهة نظره الشخصية فى ما مر بمصر من أحداث طيبة كانت أو غير طيبة فى قالب أدبى فريد.
وتعتبر ثلاثية نجيب محفوظ الفرعونية "عبث الأقدار"، و"رادوبيس"، و"كفاح طيبة"، ورواية "العائش فى الحقيقة" هى الأعمال الروائية الفرعونية فى مسيرة أديبنا الطويلة.
وتعد رواية "عبث الأقدار" (عام 1939) أول رواية كتبها الأستاذ نجيب محفوظ فى مسيرته الأدبية وكذلك أول رواية فرعونية هدف بها بدء مسيرة لم تكتمل تقص تاريخ مصر بشكل قصصى. وتدور أحداث هذه الرواية فى عصر بناة الأهرام العظام، وأعنى عصر الدولة القديمة وتحديدا فى عصر الأسرة الرابعة فى عهد الملك المعروف "خوفو"، بانى الهرم الأكبر بهضبة الجيزة، العجيبة الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا السبعة القديمة. وكان محفوظ أطلق عليها اسم"حكمة خوفو"، غير أن أستاذه سلامة موسى غير الاسم إلى الاسم الحالى "عبث الأقدار". وبنى محفوظ هذه الرواية على قصة مصرية قديمة تسمى "قصة خوفو والسحرة" أو ما يعرف ب "بردية وستكار" نسبة إلى السيدة التى اشترت هذه البردية والمحفوظة حاليا فى المتحف المصرى ببرلين بألمانيا. وتحكى القصة ما دار فى مجلس الملك خوفو واستماعه للساحر "جدى" ونبوءة زوال حكم خوفو من بعده لملوك الأسرة الخامسة التى تلت أسرة الملك خوفو فى الحكم.
وكانت رواية "رادوبيس" (عام 1943) الثانية فى الثلاثية الفرعونية المحفوظية. وتدور أحداثها حول الغانية الحسناء والفاتنة "رادوبيس"، جميلة جزيرة "آبو" (أو إلفنتين) فى الجنوب بالقرب من أسوان الحالية، التى عشقها علية القوم وصفوة رجال المملكة المصرية وعلى رأسهم الفرعون نفسه. وكان هذا الملك الشاب فاسدا ومتهورا، على عكس زوجته الملكة نيتو قريس التى كانت تتمتع بحكمة كبيرة. وفى نهاية الرواية، قتل ذلك الملك الفاسد وانتحرت عشيقته الغانية رادوبيس.
والرواية الثالثة والأخيرة فى الثلاثية الفرعونية هى رواية "كفاح طيبة" (عام 1944)، وتقص قصة كفاح شعب مصر الطويل ضد احتلال الهكسوس للأرض المصرية. وتنتهى أحداث الرواية بانتصار مصر بقيادة الملك أحمس على الهكسوس وطردهم من مصر إلى فلسطين. وقد قرأ الناقد الأدبى سيد قطب هذه الرواية وأوصى بإقرارها على طلبة المدارس كى يتعلموا منها تاريخ مصر والدرس الذى قدمته من أجل طرد المحتل المغتصب وتحرير الأرض المصرية.
وتعد رواية "العائش فى الحقيقة" (عام 1985) آخر ما كتب كاتبنا الكبير من أعمال عن مصر الفرعونية، وفيها يسرد محفوظ قصة فرعون مصر الأشهر "أخناتون" من خلال إعادة سرد قصة حياته وفترة حكمة من منظوز من عايشوا تلك الفترة المثيرة والحرجة من تاريخ مصر القديمة. وعلى تعدد وتنوع وكثرة الأعمال الإبداعية عن أخناتون وسيرته وفترة حكمه، تبقى رواية نجيب محفوظ عنه من أبدع الأعمال الفنية عن فرعون التوحيد.
وعلى هذا لم ينسحب بساط مصر القديمة الساحر من أدب نجيب محفوظ، وإنما ظهرت مصر القديمة متخفية تحت ستار فى هيئة أفكار وشذرات نثرية، أو استوحى أحداثها ومعالمها دون مباشرة هنا وهناك فى أدبه الرائع عبر مسيرته الإبداعية الحافلة.
وتظهر هذه الأعمال حب محفوظ الجم لمصر القديمة ولحضارتها وإيمانه الكبير بمصر والمصريين وعظمة الشعب المصرى وتحضره وقدرته على النهضة ثانية وتحقيق المعجزات إذ وجد القيادة الصالحة والقدوة الطيبة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.