لا أفهم حدوث ثورة بدون حملات تطهير . ليقل من يريد أنى متطرفة . لقد تطرفوا فينا فساداً والتطهير ليس مطلباً , أنه ضرورة لتنظيف وإعادة بناء ما تم هدمه بخطط فاسدة على نحو متعمد , إنه إزالة روث عمليات الإفساد ونتائجها وتقبيح الحياة ودفع الناس إلى الانتحار لو لم تطالهم المعتقلات . ولو اعتبرنا بأن هدف التطهير يتناقض من الأساس مع مبادئ الحرية وحقوق الإنسان ( لا أتكلم عن إعدامات بالجملة غير قانونية رغم حدوثها فى تاريخ ثورات البشرية) فإننا نكون متربصين بالهدف الذى قامت الثورة لتحقيقه .. لأن فعل التطهير يعنى فى صورته الشاملة تغيير الوعى العام حتى للفاسد الذى كان مسئولاً فى رئاسة حى أو محافظة , وقبول عدم التطهير يعنى ما هو أكثر من خذلان وهزيمة للثورة . إنه حكم إعدام عليها حين تصل الأمور إلى حافة دفعها للاعتذار عن نفسها . الشعب يريد تطهير البلاد , بعد إسقاط النظام . النظام لم يسقط والبلاد لم تتطهر , بمعنى المؤسسات والأدمغة والقوانين على كل مستوياتها . نحتاج ثورة فى الإعلام و القضاء مثلاً وأخرى فى القوانين لتحريرها من كل العوالق كعمليات التفصيل والحياكة لتمرير ما استحدث أصلاً لتكريس فساد وسيطرة أحزاب أو طبقات أو , فى النوع , الرجل على المرأة . أقولها على مسئوليتى الشخصية لكل معترض . وإلا لماذا تقوم الثورات ؟ . أليس لأنها ترفض بكل حزم وعنف , حتى وإن كانت أو بدأت سلمية , استمرار الوضع السابق عليها بكل مكوناته ؟ . ما معنى استشهاد وتعذيب وخطف الناس إن لم يكن كل هذا سبباً لقيام الثورات وتأجيج إوارها متى انفجرت ؟ . ما معنى أن أثور على شئ ثم , بدون أن يتحقق هدفى وتثمر نتيجة ثورتى أتسامح وخلاص وأعود إلى بيتى لأستكمل مهانتى وأبتلع ذلى ؟! . الأساس أن الثورات تسعى من بين مساعيها إلى خلخلة البنية التحتية – إن شئت – للعقل الجمعى لكى يستوعب " معنى " الثورة . المعنى الذى يقوم على " الحق " فى تصحيح كل المعانى المقلوبة التى كانت حاكمة قبلها , معانى العدالة والحرية والحق فى معاملة إنسانية وتفرعات ذلك بأشكالها . لهذا أرى أن كلمة ثورة ذاتها تعنى التطهير الذى لا مفر منه نظراً لطبيعتها ومعناها كفعل رافض ومعترض على ما هو قائم طالما ما يقوم يخاصم المعانى الإنسانية لحياة كريمة تليق ببشر لا يرتضون بغير معاملتهم كبشر لهم حقوق وعليهم واجبات . العدل ليس أساس الملك فقط . بل أساس كل العلاقات الإنسانية . لا يستطيع الابن أن يحب أباه و أمه , وليس فقط أشقاءه , دون عدل . الظلم هو المادة الخام لكل ثورة . حادثة ابن الأكرمين مشهورة فى تاريخ عمر بن الخطاب . غلام قبطى يتسابق مع ابن عمرو بن العاص فى مصر . يكسب الغلام القبطى فيضربه بالسوط ابن عمرو لأنه تجرأ على أن يكسب " ابن الأكرمين " ليذهب الغلام مع والده للمدينة المنورة طلباً للعدل من أمير المؤمنين فيأمر عمر الغاضب, القبطى أن يضرب ابن الأكرمين ويفعل الولد إعمالاً لمبدأ العين بالعين والسن بالسن وفى القصة تفاصيل مثل عرض عمر على الولد ضرب رأس الأب عمرو بن العاص بوصف المضروب أو المجلود تعرض للضرب استقواء بسلطان الأب . وطبعاً أصدق القصة لكثرة الحكايات عن عدل عمر وضميره الحى . مشهدان يتقابلان أمامى بأسى عميق . المواطن عزت محمد فهمى عبد العليم موظف بالمعاش صفعه رجل الأعمال فريد خميس نائب الوطنى السابق بمجلس الشورى أثناء تواجده أمام جمعية المستثمرين بمدينة العاشر من رمضان لمقابلة رئيس الوزراء فى مظلمة إبان زياة د. شرف للمدينة . من الصحف عرفنا أن المواطن الذى أُهينت كرامته وتضاعف ظلمه ذكر أن خميس ورجاله قاموا بسبه بالأم والدين فى ذكرى وفاتها . لم أشاهد البرنامج التليفزيونى ( محطة مصر على قناة مودرن حرية ) الذى ظهر فيه المواطن لكن الصحف أعلمتنا أن رجال خميس حاولوا الصلح مع المواطن ( رشوة يعنى ) وطلبوا من المذيع عدم إظهار المُهان فى البرنامج ( واسطة يعنى ) . وما كان محزناً أننا علمنا أن محافظ الشرقية الجديد صديقنا منذ سنوات بالوسط الثقافى د. عزازى بعد توسطه لاحتواء الموقف نفى قيام الملياردير بصفع المواطن بحسب ما أوردته الصحف . المواطن المُهان يعتصم ويقول بإصرار " من حقى أن أصفعه " . المشهد المقابل , النقيض , المبتذل هو مشهد التحية العسكرية التى أداها ضباط الشرطة العسكرية والداخلية للمتهم الحبيب العادلى وهو يخرج من قفص أكاديمية الشرطة حيث يُحاكم على قتل مواطنين مصريين هو وسيده المتهم المخلوع الذى يكابر بإنكار التهم كلها. لغة الجسد التى أظهرت تعملق وانتفاخ مفاجئين على أجساد ومشية العادلى وأبناء الرئيس المخلوع وهم يخرجون , مقارنة بانكماش وتراجع أجساد المفزوعين من الضباط الذين تدربوا على الهرولة وتقبيل الأيادى ( سلوكا وإن لم يكن فعلاً وقد حدثت فى مؤسستى الصحفية الحكومية ذات يوم من زميل تجاه رئيس المؤسسة عضو مجلس الشورى والحزب الوطنى ورئيس جريدته المسماة وقتها " مايو " ).. هذا الأداء أمام وزيرهم الطاغية الذى مرغ كرامة المصريين فى وزارته عبر 14 عاما بأمر رئيسه المستلقى فى قاعة محاكمته ينكر كل مسئولية عن قتل الناس وخطف من لا زالوا مفقودين منهم يعنى أن الصفعة التى يريد أن ينزل بها كل مواطن مظلوم على ظالمه , على مدبرى موقعة الجمل وما قبلها , ما زالت تمارسها أيادٍ وقلوب فاسدة لم تسمع عن حدوث ثورة فى مصر , لأنها ثورة ليست لها أيادٍ فى كل مكان مثل أعدائها ومقتنصيها , لأنها ثورة بيضاء من غير سوء , لأنها ثورة لم تحكم وتُلام مع ذلك , كما لو كانت تحكم وما زلنا فى شرنقة دولة العواجيز الفاسدة . لو كان الضباط الذين ميزوا وكرموا العادلى وجمال وعلاء شاهدوا فيلماً آخر على أرض الواقع حيث المحاكم الثورية الشعبية من المؤكد كان سلوكهم سيكون عكسياً بل ومنافقاً لصناع القرار الذين سيكونون الثوار الحاكمين وقتها ,.. لرأينا ورأى المتهمون ما أمروا به طوال عقود ضد معارضيهم فى السجون يحدث لهم , ضرب بالأحذية أو باليد على الوجه والقفا و سائر الجسد أو انتهاكهم مع كوكتيل " التعليق " والسباب بأقذع الأفاظ التى لن يملكوا الرد عليها , ولكانت أياديهم الملطخة بصفقات وعمولات ثمن وتوطئة لنهب مصر وغيرها من جرائم مصفدة بالكلابشات ولبدوا منكسرين شأن كل مساكين البلد وليسوا ملوكاً قادرين . طبعاً لا يحق ضرب أو تعذيب أى متهم أصلاً , لا حاجة لتوكيد معانٍ بديهية لطالما داسها الطغاة , ولا معنى لشكر مبارك أنه ليس القذافى وصالح وبشار لأننا لسنا بصدد مقارنة درجات الجريمة . فالجريمة لم يكن يجب أن تحدث أصلاً ووجهة نظر الحكام والملوك فى مفهوم الجريمة من الواضح أنه مقطوع الصلة عن وجهة نظر شعوبهم لنفس الكلمة . فقط أحاول تأمل سيناريو مخالف , لو كان حدث . أتحسر ليس على عدم دموية الثورة بقدر ما أتألم من استمرار نفس الإفساد وتعاظمه وتآزره أكثر الآن كما أسمع وتردنى المعلومات بشأن مواقع ومؤسسات أخرى فى مصر لن أتعرض لذكرها الآن , وتتواصل حملة إعلامية تتيح فرصة المرافعة للنظام الذى لم يسقط والحزب الذى انحل وينازع , عن نفسيهما . لو كانت الثورة جذرية وأقل رحمة لما حدثت كل أحداث الفتنة الطائفية فى تقديرى . وقد أفادنا الكاتب علاء الأسوانى بأن " التسجيلات مُسِحت " فى إشارة إلى مسح تسجيلات الضباط الذين تستوجب تحيتهم للمتهمين محاكمتهم لاستفزاز مشاعر الشعب ومخالفة القانون . إذا كان هذا ما شاهدناه بأعيننا بينما نجلس فى بيوتنا , فما الذى لا نراه ولا يتم تصويره ؟ . إن " الخضة " التى أصابت طائفة عبيد الإحسانات من بعض المنتفعين من عصر المخلوع حتى لتهجم إحداهن على أم شهيد بالضرب خارج قاعة المحكمة التى مُنِع أهالى الشهداء من دخولها, " الخضة " التى حدثت لبعض أبناء المحافظين الجدد ك " ابن الأكرمين " ومقصودى ابن محافظ الدقهلية الجديد ( الحزب الوطنى سابقاً ) والذى هو , أى الابن , أحد " الأدمين " لصفحة " آسف يا ريس " , صاحب الشتائم المبتذلة ضد الثورة والشهيد خالد سعيد , تلك " الخضة " أو الرجة هى المرض المزدوج بداخل تركيبة نفسية وليدة مزيج من الانتفاع بالفساد والعبودية المستدامة . إنها بيوت ربت أولادها وبناتها على تقبيل يد الكبير المحسنة لأربابها ولو تشققت تلك اليد ذاتها من كثرة أعمال القتل والتنكيل فى حق الناس خارج البيت , بيوت علمت أبناءها أن سرقة حق غيرك هى حقك الأصيل الذى لا يحق لأية حشرة بشرية منازعتك عليه أو المطالبة به , إنها من طبائع الأمور طالما أولاد ..... ( الأكرمين ) جاءوا الدنيا ثم أن العين لا تعلو على الحاجب وإلا فوراً , سيتم فقؤها! أقول لفريد خميس الذى لو كان رأى عنفاً من الثورة ضد أمثاله وطبقته : من حقنا جميعا ً أن نصفعك رداً على إهانة من أهنتنا فيه حين صفعته . هل كنت ستصفع عزت محمد فهمى عبد العليم لو كان ثرياً أو من الفلول ؟ . هل كنت ستضربه لو كان ممن تمت " توصيتك " لصالحه عند من تراهم السادة الذين تنتمى إليهم سيادتك ؟ . هل كنت ستضربه لو كانت ثورتنا دموية والمشانق الفعلية منصوبة والمحاكم أصدرت أحكاماً رادعة بإعدامات فى الشهور الماضية على رجال الأعمال والوطنى ؟ . التأكيد من حق عزت محمد فهمى الذى يواصل اعتصامه أن يضربك حتى يهدأ . هذا هو العدل أو أن يحبسك على الأقل وسيظل متألماً لعدم ضربك على وجهك . أنت ومن مثلك ممن يعتدون على الناس ثم يسعون إلى رشوتهم كى يسكتوا عن حقوقهم لأنكم فى أعماقكم تؤمنون أنكم من " طينة أعلى " منهم والدنيا بنظركم طبقات , فى أعماقكم " تحتقرون " الفقراء وقليلى الشأن الاجتماعى . أمثالك لا يشرفنا وجودهم فى مصر . فهل تروقك الهجرة إلى السعودية أو الخليج العربى ؟ لأن البلاد التى تروقك الهجرة إليها لن تسمح لك برفع يدك على أحد وستتعرض أنت للسجن فيها على عدوانك الدنئ وغيرالمبرر إنسانياً على الآخرين , الذى لا مبرر له سوى فساد طويتك التى تجعلك تراهم يستحقون الإهانة لمجرد أنهم فقراء وبلا تأثير .