«سِبت فراغ كبير».. من أكثر أغانى الألبوم الأخير لعمرو دياب «الليلة» التصاقا بذهن المستمعين، وأن تتجرأ وتحاول تحليل أو نقد إحدى أغنيات عمرو دياب فهذا أصعب من نقد الفريق أول عبد الفتاح السيسى ذات نفسه (آه والله زامبؤلك كده).
الكلمات لمجدى النجار، وهو من جيل بدايات عمرو دياب، وله العديد من النجاحات معه مثل: «هلا هلا (1986)»- «ميال (1988)» (تخيل أن «ميال» كانت من 25 سنة، ده احنا كبرنا طحن يا جدع)- «ماتخافيش (1990)»، وكان له نصيب الأسد من جميع ألبومات الهضبة خلال التسعينيات بالتناوب مع د.مدحت العدل، ثم اختفى فى بداية الألفيات تحت ضغط شعراء جيل الألفيات المرعب «أيمن بهجت قمر- أمير طعيمة- خالد تاج.. وغيرهم»، بالإضافة إلى الشاعر بهاء الدين محمد، ثم عاد النجار إلى التألق فى النصف الأخير من عقد الألفيات بنجاحات أهمها «أصلها بتفرق- تجربة وعدت- وأخيرا سبت فراغ كبير» اللحن لخليل مصطفى، وهو أيضا من جيل بدايات عمرو دياب، وله أغان مميزة منها: «خالصين (1987)- كلمينى (1988)- شوقنا (1989)» ليغيب سنوات ويعود فى ألبوم «الليلة (2013)» بأغنيات ثلاث: «سبت فراغ كبير- عدت الأيام- يا قلبها».
التوزيع الموسيقى جاء لعادل حقى الذى بدأ تعامله مع الهضبة بأغنيتين فى ألبوم «كمل كلامك (2005)»، ثم ألبومى «أصلها بتفرق- بناديك تعالى»، ليقوم بتوزيع 6 أغنيات فى ألبوم «الليلة»،
نجاح الأغنية جاء بسبب جملة «سبت فراغ كبير» كلاما ولحنا وأداء.
حيث أبدع النجار فى اقتناص هذا «الإفيه» ليستخدمه ببراعة فى مقدمة الأغنية، ولكن للأسف باقى كلمات الأغنية لم تكن بنفس البراعة، يعنى الدخول مثلا:
سبت فراغ كبير عندى والله حبيبى حبيبى.. وانت هناك بعيد مش بعيد عنى حبيبى.
(إيه بقى؟ يعنى حبيبى حبيبى مرتين ورا بعض دى سببها إيه؟)
ثم لماذا اضطر النجار إلى استغلال كلمة «حبيبى» مرة ثالثة وفى نفس البيت؟ يمكن عشان القافية بتاعة حبيبى دى مافيهاش غير نصيبى أو لهيبى أو دارى بى (ودباديبى لو الغنوة لمصطفى قمر). حافظ النجار على وحدة البناء بالتركيز على المفردات التى توصل إلى المستمع الحالة الوجدانية التى يشعر بها الحبيب فى غياب محبوبه (كل ده تمام وعلى عينى وعلى راسى) ولكن عندما نصل إلى مقطع: «صعبة أوى الحياة.. صعبة من غيرنا انا وانت».
يجب أن نسأل أنفسنا.. ما معنى «صعبة من غيرنا انا وانت»؟
النجار كان نفسه يقول «صعبة من غير ما نكون انا وانت مع بعض»، ولكن ما كتبه معناه أنه لا حبيبه موجود، فالحياة ولا هو كمان موجود (يعنى الله يرحمهم بقى) ونلاحظ أيضا فى المقطع الأخير:
«من غيرك بموت واسمى عايش حد تانى.. ببكى من غير صوت وسط دوامة أمانى».
فبغض النظر عن المقصود بدوامة الأمانى وغض البصر عن كيفية البكاء من غير صوت، وهو تعبير تكرر فى أغان كثيرة دون سبب، والمقصود يبكى من غير دموع (لأنه أكيد عيب أوى يطلع صوت وهو بيعيط)، وبالتغاضى عن ذلك كله نجد أن الجناس السمعى (إذا جاز التعبير) مش موجود فى كلمتى: بموت وصوت (مش عشان آخرهم واو وتاء يبقوا لايقين على بعض).
اللحن جاء من مقام «البياتى» وهو مقام شرقى يحتوى على الربع تون «السيكا»، وعمرو دياب حريص دايما على غناء المقامات الشرقية وبدون حليات متكلفة، ليحافظ على أناقة الأداء وحداثته، رغما عن المقام القديم المستخدم (شرقى عمراوى يعنى).
وأبدع خليل مصطفى فى لحن جملة «سبت فراغ كبير» التى جاءت من طبقة عالية نسبيا، وكأنها صرخة ألم من الشوق والحنين للمحبوب الغايب، ولكن تكرار نفس الجملة اللحنية طوال الأغنيةربما سبب رتابة للمستمع، فحاول خليل كسر هذه الرتابة بعمل مقطع لحنى مختلف (بريدج): «مهما غبت سنين عن عينى.. ابتسامتك ضى عينى».
وهى جملة رائعة كلاما ولحنا ولا يعيبها إلا كلمة «حبيبى» التى جاءت مرة رابعة ثم خامسة فسادسة فى نهاية البريدج لتعبر عن قلة حيلة الشاعر رغم إبداعه فى هذا المقطع تحديدا.
التوزيع الموسيقى لعادل حقى جاء بسيطا ومناسبا للأغنية واستخدم عادل (الجيتار- الأكورديون- الكولة)، ولكن عابه استخدام نفس الجملة اللحنية لتكون جملة الدخول واللزمة الموسيقية أيضا اتباعا ل«طريقة حميد الشاعرى» التى أثبتت نجاحها كثيرا خصوصا مع عمرو دياب، كما اعتمد عادل على إيقاع «slow rock» ليؤصل الحالة الجنائيزية التى يعبر عنها «مود» الأغنية، وفضل عادل عدم استخدام وتريات، وربما يكون ذلك ليتماشى التوزيع مع بساطة المعنى وليفسح مجالا أكبر للجملة اللحنية «المليودى». ولكن ما علاقة محمد مرسى بهذه الأغنية؟
اتصور أن هذه الأغنية تعبر بشكل واضح ومباشر عن أحاسيس أنصار الرئيس المعزول شوقا إلى طلته وحزنا على الفراغ الكبير الذى تركه فى حياتهم، فأبدل أفراحهم بأحزان، فهم لا يتخيلون حياتهم دونه، وأغلبهم يعتقد اعتقادا راسخا أنه ولا ريب سيعود يوما ما.
(زى واحد ماعرفهوش باعت إيميل جماعى إلى ألوف الناس منهم أنه بيحلل فيه الموقف السياسى وبيتوقع رجوع الرئيس المعزول خلال 23 يوم بالظبط، اشمعنى 23 مش عارف الصراحة)
لكن عموما أنا أحترم هذه المشاعر المخلصة بغض النظر عن موقفى السياسى منهم ومنها ومنه. أيضا محمد مرسى ترك فراغا كبيرا فى حياة المعارضين، كنا نصحو يوميا لنتندر على قراراته الغريبة وبياناته الدستورية العجيبة وتصريحاته المريبة (زى سلامة الخاطفين والمخطوفين كده) فكان عامل جو حلو الصراحة.
فراغ كبير تركه المعزول فى حياة أغلب الإعلاميين وأكثرهم شوقا للمعزول وأيامه «باسم يوسف» الذى بنى مجده وشهرته على موهبته الحقيقية (هو وفريق العمل) فى كشف السياسيين عامة وتيار الإسلام السياسى خاصة بعد ثورة 25 يناير وحتى ثورة 30 يونيو. ولهذا بالأصالة عن نفسى وبالنيابة عن المؤيدين والمعارضين وباسم يوسف وفريق عمله نقول جميعا للرئيس المعزول محمد مرسى: سبت فراغ كبير.