ما يزال يصنف في التراث باعتباره، أحمق الحمقى، على الإطلاق، ولم يتفوق عليه أي أحمق، في كل زمان ومكان، ويبدو أن مفردة «هنبكة» أو «همبكة»، كما تستخدم في العامية المصرية، بمعنى الكلام الفارغ، ترجع إليه بطريقة ما. إنه يزيد بن ثروان الثعلبي، الذي اشتهر باسم «هنبقة»، لسبب غير معلوم، ووفق اشتقاق لغوي ليس مفهومًا، فالهنبوقة في المعجم، هي المزمار، والجمع هنابيق.
أيًا كان.. إن «هنبقة» ذاك، كان رجلًا أعيا الناس بما يقترف من تصرفات، وما يرتكب من غباوات، فصار العرب يضربون الأمثال به.
ويحتل «هنبقة» مساحة لا بأس بها، من صفحات كتاب «أخبار الحمقى والمغفلين» لابن الجوزي، ومما يروى من مآثره، أنه ضيّع بعيرًا، فأخذ ينادي بكل ما أوتيت أحباله الصوتية من قوة، بأنه سيمنح البعير لمن يعثر عليه، فسأله الناس، فيمَّ ضياع الجهد، إذا كان في الحالين، لن يحظى بضالته، فقال: للوجدان حلاوة! ويقال إنه جعل في عنقه قلادة، صنعها من العظام والأحجار والأصداف، وكانت قبيحة منفرّة، ولما سُئل عن سرها أجاب: حتى أعرف نفسي فلا أضلها، وذات ليل خادعه أخوه، وحرر القلادة من عنقه، فصحا من نومه مفزوعًا، وشرع يفتش عنها، حتى رأها في عنق أخيه، فقال: أنت أنا، فمن أنا؟
رجل يعرف نفسه بقلادة، فإن لم يجدها يضلها، ويجعل المكافأة لمن يأتي ببعيره الشارد، أن يحصل على البعير، يستحق بالطبع أن يضرب به المثل في الحماقة، ويتوج لعصور أميرًا للمغفلين قاطبةً، لكن يبدو أن الإخوان، بعد أن حكموا نازعوه المكانة، فأسقطوه من كرسيه، وهم بطبعهم مصابون بسعار الكراسي.. أية كراسي.
إنهم أحمق من «هنبقة»، فصاحبنا، لا يعرف نفسه بغير القلادة، أما الإخوان، فلا يعرفون أنفسهم بقلادة، أو بغير قلادة، ولا تستطيع عيونهم أن تبصر أن رئيسهم، دخل الاتحادية، في غفلة تاريخية، وأنه لولا الليمون لما استسيغ.
حماقة مركبة، فيها جهل بحقيقة الأنا، وأيضًا جهل بصورة هذه الأنا، لدى الآخرين. كل الزخم والفوران الذي يموج في الشارع المصري، وكل الذين لعنوا أم مشروع النهضة وأباه، مجرد «اثنين ثلاثة في حارة مزنوقة». الحماقة حماقتان.. والخيبة خيبتان.. والغباوة «مضاعفة أضعافًا»! على أن جهل الإخوان بحقيقة مكانتهم، وبرأي الشارع فيهم، ليس وحده نصيبهم من الجهل، ولا من الجهالة، فيكفي أن تسمع واحدًا منهم، يتحدث عن كاريزما الرئيس، وقوة شخصيته، ونجاحاته المبهرة، حتى تتذكر على الفور عبارة العبقري الراحل، جلال عامر «بعض الناس لا يعرفون عن المخ شيئًا إلا أنه لذيذ في الساندويتشات»! كاريزما محمد مرسي! هذا عنوان كتاب يستحق أن يكون من أهم كتب الفكاهة، في تراث الأدب العربي، وربما العالمي، والأرجح أنه سيحقق شهرة وخلودًا، لم يحظ بهما «أخبار الحمقى والمغفلين» لابن الجوزي، ولا «البخلاء» للجاحظ، ولعل الكتاب الوحيد الذي قد يصمد في منافسته، هو كتاب «عام من الإنجازات»، الذي يتولى وزير الإعلام صلاح عبدالمقصود، مسؤولية إصداره عن وزارته، لتسجيل ما يقال أنه إنجازات، حققها محمد مرسي، في سنة أولى رئاسة!
ولا تقف حماقات الإخوان، عند حد، كاريزما مرسي وإنجازاته، فأشنع تجلياتهم، تتبدى حالما يشعرون بالتوتر، فعندئذٍ تتجسد المساخر، وتتوالد الحماقات من رحم الحماقات، ويَصدُقُ عليهم وصف معارضيهم بأنهم خرفان، ينطحون ويرفسون، على غير هدى.
في هذه الأيام، ومع النجاح الكبير الذي حققته حملة «تمرد»، ومع تنامي شعور الجماعة، بأنها قد تدق المسمار الأخير، في نعش نظامهم، ومع بلوغ عدد استمارات سحب الثقة من الرئيس، بضعة وعشرة ملايين، انطلقت أفاعي الجنون والحماقة، من نفوس الإخوان، وصاروا يتخبطون كأن مسًا من الجن، قد أصابهم، فإذا بالحماقات الكبرى تندلق من أفواههم، وإذا بجهابذة السمع والطاعة، يعلنون بأنهم سيلاحقون شباب «تمرد»، بتهمة السعي لقلب نظام الحكم.
ترى أين اختبأ هؤلاء وقت توزيع العقول؟ وهل قال شباب حملة «تمرد» شيئًا آخر؟ ولماذا يا ترى وقّع الملايين على الاستمارات؟ أليسوا يريدون إسقاط النظام، بعد أن بان على أصله، وانكشف قبحه؟
سحب الثقة، يعني الرغبة في إسقاط الحكم، عبر وسيلة ديمقراطية سليمة، وهي الانتخابات المبكرة.. فإن لم يفهم الإخوان ورئيسهم، هذه الحقيقة بالغة الوضوح، فهذا سبب يكفي لأن نؤيد «تمرد»، وندعم كل جهد يرمي إلى سحب الثقة منه، فالمرحلة الراهنة، لا تحتمل هذا القدر غير المسبوق، من الحماقة.
أحسب أن «هنبقة» شخصيًا، لو جاء إلى زماننا، وشهد ما يصدر عن الإخوان من حماقات، لاستلقى على قفاه، غارقًا في ضحكات ساخرة، ولعله بعد أن ينتهي من الضحك، يغرق في نوبة بكاء مرير، ولربما لطم خديه تفجعًا، على حال مصر، في زمن حماقة الإخوان