عمرو صالح: التوترات الجيوسياسية ترفع أسعار الطاقة والغذاء وتضغط على الاقتصاد العالمي    سعر الدولار مساء اليوم 3 إبريل 2026    قطع المياه عن 8 قرى بالسنبلاوين الأحد المقبل لمدة 9 ساعات    واشنطن بوست: المقاتلة التي تحطمت في جنوب إيران يرجح أنها من طراز إف-15 إي    رسائل السيسي ل زيلينسكي: ضرورة خفض التوتر الراهن بالمنطقة.. ندين ونرفض الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية.. ندعم مساعي التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة الروسية الأوكرانية    حصار باب العامود: الاحتلال يغلق مدخل شارع نابلس ويمنع المصلين من الوصول للأقصى    تأهب دفاعي كويتي: اعتراض صواريخ ومسيرات "معادية" في أجواء البلاد    فوز الزمالك على سموحة 26-25 في دوري المحترفين لكرة اليد    هنا جودة تكتب التاريخ.. أول مصرية وأفريقية تبلغ ربع نهائي كأس العالم لتنس الطاولة    السيطرة على حريق مفاجئ بمنطقة ألعاب أطفال بجوار مستشفى الأحرار في الزقازيق (صور)    نائب محافظ الدقهلية يتفقد مخبز "المحافظة" لمتابعة انتظام صرف الخبز والالتزام بالأوزان    أوقاف الأقصر تنظّم قافلة واعظات بعنوان "اليتامى العظماء في الإسلام"    افتتاح مسجد الرحمن بقرية زاوية الناوية بمركز ببا في بني سويف    انقطاع مياه الشرب لمدة 5 ساعات عن عدد من المناطق بالفيوم مساء اليوم    طلب إحاطة لمراجعة اتساق الاستراتيجية الصناعية مع أزمة الطاقة    «نيويورك تايمز» تكشف كواليس إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي    السيسي يؤكد ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لوقف الحرب بالمنطقة    بالصور| جولات ميدانية ل"البحوث الزراعية" لمتابعة تأثير التغيرات المناخية على المحاصيل    إعلام الوزراء: لا صحة لرفض شحنات فراولة مصرية مصدرة للخارج لاحتوائها على مواد مسرطنة    تشكيل إنبي أمام بيراميدز في كأس مصر    مدرب ليفربول يعلن غياب أليسون بيكر حتى نهاية الموسم    بحضور رئيس الاتحاد الدولي.. وزير الشباب يفتتح بطولة كأس العالم للجمباز الفني    مؤتمر أرتيتا: انسحاب 11 لاعبا من منتخباتهم؟ نحن صادقون بشأن حالة كل لاعب    مدرب برشلونة يُدين الهتافات العنصرية في مباراة مصر وإسبانيا    إسرائيل تعلن استئناف تشغيل حقل ليفياثان للغاز الطبيعي بعد توقفه لأكثر من شهر    هل أثرت العاصفة الرملية بليبيا على مصر؟ الأرصاد تجيب    إصابة 10 أشخاص فى حادث مروري بالإسماعيلية    ضبط المتهم بمحاولة دهس طفل عمدا في قنا    ضبط شخصين أوهما المواطنين بقدرتهما على استرداد الحقوق المتنازع عليها بالقاهرة    محافظ الدقهلية: تحرير 141 مخالفة تموينية خلال يوم واحد    القبض على المتهم بسرقة خلاط مياه من مسجد في الشرقية    عروض المهرجان المسرحي الدولي لشباب الجنوب تنير قرى قنا    عرض فيلم "إشعار بالموت" في دور السينما 8 أبريل    احتفالات يوم اليتيم في البحيرة، كرنفالات ووجبات وعروض للأطفال (فيديو)    دار الإفتاء: الشريعة الإسلامية تضع الأيتام في مكانة ومنزلة خاصة    انطلاق النسخة 14 من مؤتمر "الجامعات قاطرات التنمية الوطنية" 19 أبريل    إنجاز غير مسبوق.. تعليم الأقصر يحصد مراكز متقدمة في مسابقة الإذاعة المدرسية بجميع المراحل التعليمية    التلفزيون الإيراني يعلن مكافأة لمن يقبضون على طياري المقاتلة الأمريكية    توفير 3 وظائف لذوي الهمم ضمن خطة «العمل» لتطبيق نسبة ال 5    مكتبة الإسكندرية تناقش "المعرفة البريطانية في تاريخ عُمان والمشرق العربي"    وزارة الأوقاف تُحيي ذكرى رحيل القارئ الشيخ محمد أحمد شبيب..قارئ العبور والنصر    بسام راضي يستقبل وفد الكنيسة المصرية بروما    الصحة: افتتاح وحدة تطعيمات بمركز الخدمات الطبية للجهات القضائية في منطقة التوفيقية بالقاهرة    الصحة تطلق عددا من الفعاليات احتفالا باليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد    وزير الصحة الفلسطيني: غزة على حافة تفشي الأوبئة مع تصاعد خطر القوارض    رفع 80 طن مخلفات خلال حملات النظافة بقرى مركز البداري بأسيوط    المركز القومي للسينما يقيم فعاليات نادي سينما الإسماعيلية    ضبط 277 قطعة أثرية بحوزة شخص في المنيا    خطر انهيار لبنان.. العدوان الإسرائيلي يدفع الدولة إلى حافة الهاوية    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    فضل عظيم وسنة نبوية..... فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    أفضل أدعية الرزق والسكينة فى يوم الجمعة...فرصة عظيمة لا تُعوّض    حملات مكثفة لضبط مواعيد الغلق وتحرير 984 مخالفة خلال 24 ساعة    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    أشرف قاسم: جماهير الزمالك كلمة السر.. والفريق مطالب بالعلامة الكاملة لحسم لقب الدوري    إبراهيم عبد المجيد ينتقد انتخابات اتحاد الكتاب: لماذا يضم المجلس 30 عضوًا؟    دياب يشعل الإشادات: مصطفى غريب مفاجأة "هي كيميا" وموهبته تخطف الأنظار بين الضحك والدراما    «الشيوخ» يبحث دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل وتحويلهم إلى قوة إنتاجية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خالد عزب يكتب: نحو منظور إسلامي لعلم الآثار
نشر في الدستور الأصلي يوم 31 - 01 - 2013

نشأ علم الأثار في أوروبا نتيجة للاهتمام بمخلفات الإنسان المادية، وكان أبرز حدث ارتبط بهذه النشأة قيام ميدتشي بغإيطاليا بعرض ما لديها من تحف وأعمال فنية في بهو ملحق بقصرها في مدينة فلورنسا. وتتابعت بعد ذلك هذه الأجنحة حتى أضحت القصور تشكل المتاحف الكبرى مثل متحف اللوفر بباريس.

وأخذ الولع بالحضارات القديمة ومخلفاتها يزداد يومًا بعد يوم في أوروبا، حتى أخذ علم الآثار يأخذ شكلاً جديدًا أحدث انقلابًا في معرفة الإنسان بتاريخه وتطوره، مما أدى إلى اكتشاف حضارات ومدنيات سبقت حضارة الرومان ومدنيتهم بعشرات القرون، الأمر الذي أدى إلى تغير آراء مؤرخي الحضارات والذين كانوا يحصرون أصول المدنية البشرية وجذورها في تراث اليونان وحضارتهم.

صاحب هذه المرحلة اكتشاف مدينتي هركولانيوم وبومبي اللتان دمرهما بركان فيزوف الشهير، وما صاحب حملة نابليون من علماء سجلوا آثار مصر الفرعونية والإسلامية في كتاب وصف مصر، وهو الأمر الذي أثار اهتمام الأوروبيين بحضارات مصر والشرق الأدنى القديمة. فضلاً عن قيام اللورد انجن بفك قسم كبير من منحوتات البارثنون ونقلها إلى المتحف البريطاني بلندن حيث عرضت فيه هذه المنحوتات اعتبارًا من 1816م. ومن هنا يسجل العلماء من خلال هذه الأحداث المتتالية مولد علم الآثار.

وامتد هذا العلم بعد ذلك وأصبحت له قواعده، ولم يعد شيئًا فرديًا يختص به الأفراد، بل أصبحت له هيئات منظمة من الأكاديميات والمعاهد والجامعات مما أحدث منافسة مستمرة بين هذه الهيئات العلمية أدت بالضرورة إلى ارتفاع مستوى العلم وتعدد علمائه ومتخصصيه وانتشاره.

وتعددت تعريفات علم الآثار غير أن أكثرها شمولاً هو التعريف التالي: "علم الآثار.. علم التحري عن الأصول المادية لحضارة الإنسان، ومن ثم فهو علم الوفاء للقديم والحرص على تتبع مسيرة التطور التي سلكتها الحضارة البشرية في عصورها الماضية عن طريق استقراء الشواهد المادية من تراث هذه العصور واستخلاص القيم الثقافية والعلمية والجمالية من كل ما أبدعته قرائح الإنسان وأحاسيسه وعلومه، ومن كل ما شكلته يده وآلاته تجسيدًا لمعتقداته وفنونه في مختلف مناحيها الثابتة والمنقولة، وهو كذلك العلم الذي يدرس الآثار لذاتها ولخلفياتها لأنها في مفهومه ليست أطوالاً وعروضًا ورسومًا وأشكالاً وبساطة وجمالاً فقط، وإنما هي وقائع ملموسة تتحدث بلسان أهلها وزمانها إيجابًا وسلبًا، ولا تنفصل عن كيانهم في الزمان والمكان والتأمل والخيال ولو كانت آثارًا ساذجة غير مكتوبة".

وهذا العلم يهتم بالمادة أولاً المحسوسة وما خلفها من ثقافات، لذا كان لمنهج البحث عن المادة أثر فيه، فاعتبر وصف الأثر أهم من مضمونه، ونال منهج الفن للفن منه، حيث البحث عن جماليات الأثر دون البحث عن الفلسفة التي صاغت هذه الجماليات. وأثرت مناهج العلوم الغربية بشدة. ووقفنا نحن عاجزين مقلدين لهذه المناهج، غير مبتكرين وساعد على ذلك أن المجتمع انقسم قسمين؛ قسم يرى في الآثار تلك النظرة التقليدية التي ترى إهمال آثار السابقين وهدم ما يتنافى منها مع بعض القواعد الشرعية كالتماثيل والصور والمعابد. ولكن هؤلاء لم يقدموا لنا إجابة قانعة هل نعامل آثار حضارات المسلمين نفس المعاملة؟ أم أن لها وضعًا خاصًا؟ لم يتعرض له الفقهاء السابقين لكون عصورهم لم تنظر إلى هذا الأمر.

والقسم الآخر اتخذ المنهج الغربي في دراسة الآثار والنظر إليها فعظمها ومجدها دون أن ينتقد الانحراف العقائدي لدى الأمم السابقة، ودون أن يأخذ باعتباره أن هذا العلم من العلوم الإنسانية التي يجب أن يكون لنا فيها منهج يستمد ركائزه من تراثنا الحضاري.

وبين هؤلاء وهؤلاء وقف العديد من الباحثين والمثقفين حائرين إلى أي الفريقين يكون الاتجاه. وفي الأسطر التالية سنسطر محاولة للوصول إلى رؤية أخرى للتعامل مع هذا العلم.

نشأة الكون
حفلت الدراسات الأثرية بالعديد من الرؤى لنشأة الكون وأسبابه، وهذه النظرة لم تكن في بعض الأحيان سوى نظرة تسجيلية دونما تدخل، وهذه الرؤى بعضها يتفق مع ما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية حول نشأة الكون، وحول وجود إله واحد ذا قدرة خارقة. فتصف النصوص المصرية القديمة إله الكون كما يلي: "خلق هذا الإله نفسه بنفسه، شكل نفسه بنفسه دون أب أو أم"، ولم يوصف إله الكون بأنه مذكر أو مؤنث، ووصف بأنه الواحد الأحد ونشأ في الكون قبل كل شيء؛ أليست هذه الصفات تذكرنا بسورة الإخلاص "قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًأ أحد"، إن هذه النقطة في حاجة إلى مزيد من البحث والدراسة، ولكن إثبات صحة أن المصريين القدماء والعراقيين القدماء كانوا يرون للكون إلهًا خلفه له صفات محددة لن تحتاج إلى بحث إذ هي واضحة تمامًا. ولكن البحث سيتركز على تخليص الدراسات الأثرية من الانحرافات العقائدية التي شابت الديانات القديمة.

وننتقل من ذلك إلى نقطة أخرى وهي إيمان المصريين القدماء بإله واحد. فالتوحيد عرف منذ عصور ما قبل التاريخ، وهو ما أثبتته الدراسات الآثارية الحديثة، حيث ظهر مصطلح الرب، وهذا الرب له صفات منها أنه خفي، الوحيد، العظيم الكبير، الرفيع. وهي صفات تشير إلى الوحدانية.

وتشير العديد من الدلائل الأثرية إلى نعرفة قدماء المصريين للتوحيد في عصر الدولة القديمة، ولكن يبدو ان المصريين حرفوا الديانة السماوية الأولى التي كان يؤمن بها أبو البشر آدم، فلم يكتفوا باسم واحد للخالق، ولم ينزهوه تمامًا عن التشبيه، ولم ينكروا تعدد المعبودات إلى جانبه.

وعلى ذلك لم يكن ما دعا إلى إخناتون من توحيد قادمًا من فراغ هو مبتدعه، بل قائمًا على أصول. ولكن يبقى الفرق بين ما نطرحه من خلال هذه الدراسة وبين رؤية الآخرين لهذه النصوص، هو التفسير وفق المنظور والرؤية. فهم يرون ويحملون النصوص الواضحة والصريحة في هذا الشأن ما لم تقله وما لا تحتمله. فالأصل عندهم هو تعدد الآلهة الذي نشأ منه بعد ذلك فكرة التوحيد عند المصريين القدماء. على العكس مما نراه لأننا نؤمن بالواحد القهار. وهم لا يرونه ولا يؤمنون به، وهذه هي رؤية علماء المصريات من الغربيين بصفة خاصة.

الإنسان
ينظر المسلمين إلى الإنسان ككائن حي ميزه الله تعالى على سائر البشر ولذا جاء في كتاب الله تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم". ولكن بعض البشر يضنون على البشر ما فضلهم الله به. فيرون أن الإنسان تطور من الحيوان حتى ظهرت منه أربعة أنواع بادت ثلاثة منها، هي نوع "القرد البشري"، ونوع الإنسان القرد المنتصب القامة والمتمثل فيما يعرف بإنسان جاوة وإنسان الصين الذي عاش قبل 5 مليون سنة، ونوع إنسان نياندرتال الذي عاش في الفترة ما بين 120000: 35000 سنة مضت. أما النوع الرابع فهو الإنسان العاقل الذي يعمر الكرة الأرضية الآن. وللأسف يأخذ بعض العلماء المسلمين هذه النظرية ويروجون لها من خلال علم آثار ما قبل التاريخ. علمًا بأن هذه نظريات غير قاطعة ولا يوجد عليها دليل مؤكد. لأن إنسان هذه العصور لم تصلنا منه سوى بقايا عظمية لا تنبئ إلا عن وجوده فقط على الأرض.

ومن الأمور الملفتة للنظر أن الأوروبيين لم يروا في الإنسان المعاصر في أوروبا محور الحضارة المعاصرة فقط بل رأوه أيضًا محور حضارات ما قبل اتاريخ فجعلوا منشأ الفنون البدائية في أوروبا وقارنوا ما عاصرها من فنون بها على أنها الأصل، علمًا بأن الاكتشافات الآثرية الحديثة والقديمة تثبت أن الإنسان عاش في مناطق الحضارات القديمة قبل سكناه لأوروبا.

وعصور ما قبل الكتابة كما نسميها هي عصور صامتة اعتمد فيها الإنسان على نقل الرواية التاريخية مشافهة، وبذلك لعبت الذاكرة دورًا محوريًا في حياة إنسان تلك العصور، ولكن بدءًا من معرفة الإنسان الكتابة وصلتنا سجلات مادية ملموسة نستطيع من خلالها أن نؤرخ له.


العربية أصل اللغات
يميل علماء الآثار إلى القول بأن الإنسان اكتسب اللغة من خلال محاكاة الأصوات التي تصدر من الحيوان والرياح وغيرها، كما تفعل الببغاء التي هي دون الإنسان في الإدراك. وهذا عكس ما نؤمن به؛ فاللغة العربية ليست من اللغات التي نشأت من اختلاط الإنسان بالمحيط الذي يعيش فيه، فهي ليست مأخوذة من أصوات الحيوانات والعالم المحيط المتحرك حوله، لأنها لغة الله، وهي من مصدر أصلي لا ريب فيه، وغير مقتبسة من لغات أخرى ولا من محاكاة الأصوات الصادرة من حيوان أو إنسان أو رياح أو غيرها، بل هي لغة قائمة بذاتها، علمها الله لآدم عليه السلام "وعلم آدم الأسماء كلها". وهي أولى اللغات وأولها استعمالاً على وجه البسيطة، ثم انتشرت مع نزول آدم وحواء من الجنة بعرفة، وهي ليست من اللغات المسماة السامية. لأن آدم مقدم على سام في الوجود.
والقول باللغات السامية أمر غير ذا صحة، إذ أن هذه اللغات خرجت من الجزيرة العربية مع هجرة قبائلها إلى العراق والشام. ولذا أجمع العديد من الباحثين على تسميتها بالجزرية. وليست السامية. وهذه اللغات هي الأكدية والبابلية والآشورية والآرامية وغيرها. ذات أصل واحد هو العربية. ويتجلى التقارب بينها في جوانب أساسية هي:
1- اعتمادها بصورة أساسية على الحروف الصحيحة وليس حروف العلة، كما هو الحال في اللغة الآرية. ثم أن فيها حروفًا صحيحة إضافية غير موجودة في اللغات الآرية كالحرف اللهوى "ط" والحنكي "ق" والسنى الصافر "ص" والحلقي "خ".
2- أن الغالبية العظمى من الكلمات بها مشتقة من أفعال ذات جذور ثلاثية.
3- وجود جنسين فقط هما المذكر والمؤنث وعدم وجود ما يعرف بلا مؤنث ولا مذكر.
4- وجود مجموعة كبيرة من المفردات في هذه اللغات تتطابق لفظًا ومعنى.
وكان اليهودي النمساوي شلوتسر أطلق على هذه اللغات "السامية". متجاهلاً أنها خرجت من الجزيرة العربية وأن العامل الجغرافي تنسب إليها اللغات كاللغة البابلية والسومرية نسبة إلى أرض سومر. فضلاً عن أن هؤلاء القوم لا يوجد تطابق خصائص وملامح بينهم. وهو أمر يراه شلوتسر بين الساميين إذ يذهب بعد ذلك إلى قضية نقاء العنصر ومعاداة السامية بطريقة غير مباشرة. والحديث عن أصل مشترك للساميين على النحو الذي جاء فيه التوراة لا يقوم على أساس تاريخي، فقائمة النسب التوراتية لا تتفق مع الحقائق التاريخية. وأصبح في حكم المؤكد لدى العديد من الأثريين أن اللغات الموجودة في بلاد الرافدين والشام والحبشة واليمن والجزيرة العربية خرجت من أصل واحد أراه العربية، وأن القول بلغات سامية أصبح واهيًا ولا دليل عليه.
وأصبح من المؤكد أن اللغة المصرية والكوشية (اللغات السودانية) والبربرية ذات أصل واحد. وأنها هي واللغات الجزرية مشتقة من لغة مشتركة. هذا ما يتحدث عنه بعض الأثريين دون توضيح ودون نشر مفصل لهذه القضية. واللغة المشتركة هي اللغة العربية، إذ بين اللغة العربية وبين لغة قدماء المصريين سمات مشتركة بل أن الأمر وصل إلى وحدة قواعد النحو بينهما.
أليس كل هذا كافيًا لأن نصحح الخطأ الشائع أو الأخطاء الشائعة ونعود إلى القول بأن أصل اللغات هي العربية، وأن اللغات القديمة تشعبت منها. أليس الدليل الأثري كافيًا لدحض الافتراءات حول هذه القضية. خاصة أنه دليل مادي يشاهد بالعين وبالتالي لا يقبل الجدال حوله.
ولكن ما هي الأهداف التي نسعى إليها من إعادة النظر في المنهج الحالي لعلم الآثار في البلاد الإسلامية؟
إن هناك أهداف عديدة ومتشعبة ولكن نستطيع أن ننتقي بعضها لنتحدث عنها بإيجاز إذ أن الحديث عنها يحتاج إلى مساحة أكبر من المساحة المطروحة حاليًا.
أول هذه الأهداف هو العظة والعبرة، وهما أمران شدد عليهما الإسلام، إذ أن تمجيد آثار الأولين أمر غير شرعي. ولقد حث الإسلام على الاتعاظ من حال الأولين "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين" سورة النمل آية 69، وهذا التأمل في آثار السابقين ينتج عنه اتعاظ يتحول إلى سلوك ونهج علمي في واقع ملتزم بأمر الله ونهيه. وهذا أمر بالسياحة في الأرض لمزيد من الاتعاظ.
ولو أدركنا ما حولنا من آثار لعرفنا أن حولنا آيات، يقول الله تعالى في سورة ق "أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد" آية 15. وهذه الآية تحققت في مصر إذ حدث زلزال بها في أوائل القرن السابع الميلادي قبل الفتح الإسلامي بسنوات، دمر أجزاء كبيرة من دلتا النيل وقراها، ومازالت شواهد هذا الزلزال باقية في مطوبس وسيدي سالم وفوة ودمنهور وتل بسطا تلال أثرية عبارة عن مدن وقرى مدمرة. هذا الزلزال أدى إلى تناقص سكان مصر بشدة خاصة في شمال الدلتا حيث تتركز العناصر اليونانية والرومانية المحتلة وكأن الله تعالى يمهد أرض مصر للفاتحين. وهذا يفسر سهولة فتح الدلتا عند فتح عمرو بن العاص مصر.
والهدف الآخر توظيف علم الآثار في مجال مقارنة الأديان للوصول إلى هدفين أن أصل الأديان واحد. وأن الأديان الوثنية ديانات محرفة. وأن الديانات السماوية حرفت وتأثرت بالديانات الوثنية. والشواهد الأثرية على ذلك عديدة فتوراة موسى كتبت باللغة المصرية القديمة ولم تكتب بالعبرية؛ فأين التوراة الأصلية؟
اهتم الغرب بتوظيف التراث في خدمة أهدافه التربوية ولذا نشأ عندهم علم يسمى "التربية المتحفية" نجهله نحن لجهلنا، بل نفاجئ برجال وشباب ما يعرف بالصحوة الإسلامية يرون أنه لا توجد فائدة مرجوة من الحفاظ على التراث المعماري الإسلامي والمتاحف الإسلامية، ونسوا أنه يمكن أن نستفيد منها في صياغة الطفل المسلم كما يفعل الغرب، فزيارة الطفل والشاب المسلم لمنازل رشيد أو جدة أو فاس مثلاً والتي يوضح تخطيطها وعناصرها مدى احترام أجدادنا لخصوصية المنزل، والتي صيغت وفقًا لتعاليم الدين الإسلامي، واحترامهم لحقوق الجار، أليس لهذا وقع طيب في نفوسهم، وزيارتهم لقلعة حربية كقلعة حلب توضح مدى الجهد الذي بذله أجدادنا في الدفاع عن ديار الإسلام ونحببهم في الجهاد من خلالها، ونربطهم من خلال الأحداث التاريخية التي وقعت حول هذه القلعة بتاريخهم مما يثبت لديهم المعلومة التاريخية الصحيحة، وزيارتهم لبيمارستان (مستشفى إسلامي) كالبيمارستان النوري بدمشق مصحوبة بشرح وافي عن دور الأطباء المسلمين به والخدمات التي يقدمها للمرضى. أليس في ذلك تحبيب لهم في الطب ودور المسلمين الحضاري فيه. وزيارتهم للوكائل التجارية كوكالة الغوري بالقاهرة، تبين لهم كيف أنها كانت بورصات عالمية تعقد بها الصفقات، كيف أنها خططت ليكون بها مخازن بالدور الأرضي ومسجد ومساكن للتجار بالأدوار العلوية. كل هذا يوضح لهم أيضًا أن الفندقة وعلوم الضيافة كان المسلمون سباقين فيها، وزيارتهم للرباع وتوضيح أنها كانت مجمعات سكنية لفقراء المسلمين وأنه كان أسفلها سوق تجاري كبير؛ يبين لهم أن فكرة المجمعات السكنية التجارية التي يسكنها الأغنياء اليوم فكرة إسلامية اقتبسها المعماري الغربي من المسلمين. وزيارتهم للمدارس افسلامية كالمدرسة المستنصرية في بغداد، ومدرسة السلطان حسن بالقاهرة تجعلهم يوقنون أن الجامعات فكرة نقلت عن الحضارة الإسلامية إلى الغرب. فقد كانت كل مدرسة تضم مناهج لتدريس الفلك والطب والحساب والعلوم الدينية، وزيارتهم لمتحف إسلامي ولقسم العملات به مثلاً ومشاهدتهم لدنانير عبد الملك بن مروان تبين لهم الجهد الذي بذله هذا الخليفة لبناء دولة مسلمة مستقلة اقتصاديًا عن الدولة البيزنطية.
إن هذا كله يقودنا إلى أهمية إدخال التربية المتحفية في الدراسات التاريخية بمدارسنا، بل وربطها بمناهج المواد العلمية كالرياضيات والعلوم وغيرها.
وهناك كارثة نعيش فيها منذ القرن الماضي وهي انفصام الدراسات المتعلقة بالتراث المعماري الإسلامي عن مضمونه. فالدراسات الآثارية وكذلك الهندسية بكليات الهندسة تدرس هذا التراث من خلال منهجين الأول وصفي يهتم بوصف الشكل المعماري للأثر وكأنه وحدة قائمة بذاته، لا رابط بينه وبين ثقافة المجتمع، ولا بينه وبين المنشآت المحيطة به، ولا بينه وبين روح العصر. فكأن هذا الأثر وحدة تخضع للبحث الأثري المادي الجاف.
والمنهج الآخر هو منهج التأصيل المعماري لكل عنصر زخرفي إسلامي حتى يذهب به المأصل إلى جذور فرعونية أو يونانية بهدف تجريد المسلمين من كل إبداع فني خاص بهم. وللأسف الشديد جرى كثيرين من الآثاريين المسلمين خلف هذا المنهج دون وعي منهم.
ونشأ عن هذا كله النظر إلى العمارة الإسلامية بصورة شكلية لدى المهندسين المعماريين. فصار لديهم مفهوم العمارة ينحصر في مشربية على واجهة العمارة أو طبق نجمي على باب بالمنزل أو مقرنص يستخدم كحلية في الواجهة. فهم معذرون لأنهم لم يدرسوا العمارة الإسلامية من خلال فقة العمارة الذي صاغها وجعل لها قوانين التزم بها كل مسلم، ولم تلزمه بها السلطات. ولم يعرفوا أن وراء فقة العمارة منظومة متكاملة من القيم ورؤية حضارية لوجود الإنسان في هذا الكون.
وبعد.. هذه محاولة لوضع منظور أو رؤية إسلامية لعلم الاثار، وهي مشروع لكتاب أعده أشمل وبه نقاط تفصيلية أكثر. ولذا فالأمر يحتاج إلى سنوات أخرى من البحث ويحتاج إلى رأي آخرين فيه سواء أكان نقدًا أو تمحيصًا أو إضافة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.