[مجرد اختلاف الناس على شخص ليس عيبا] مجرد اختلاف الناس على شخص ليس عيبا السنوسي محمد السنوسي قبل الربيع العربي كنا نقول: الإعلام يتابع الحدث وينقله لحظة بلحظة، لكن بعد هذا الربيع -الذي أسأل الله ألا ينقلب إلى خريف- يمكن أن نضيف إلى تلك المقولة، أن الإعلام أصبح جزءا من الحدث ذاته، وفي بعض الأحيان أصبح يفعل الحدث. فلا أحد ينكر دور الإعلام في فضح النظم المخلوعة في تونس ومصر وليبيا واليمن، وفي دعم ومساندة الثورة. لهذه الدرجة تعاظم دور الإعلام، حتى إنني قلت ذات مرة لصديقي: إن أكبر حزب عندنا في مصر هو "حزب الإعلام"، خاصة برامج التوك شو. وبالمناسبة، فإن تحول الإعلام إلى هذه الصورة هو أمر خطير وغير طبيعي، لأنه يعني أننا دخلنا إلى ساحة العمل السياسي بمفاهيم الإثارة ومعايير الصورة والتأثير الإعلامي، كما ذكرت د. هبة رءوف عزت في إحدى تدويناتها على صفحتها على فيسبوك. المهم أننا أمام وضع غير طبيعي، وهو أن يكون من يملك توجيه الرأي العام والتأثير فيه، ليس هو رجل السياسة ولا رجل الفكر والأدب ولا حتى رجل الدين، بل هو الإعلامي ومن خلفه صاحب رأس المال. فما بالك لو كان هذا الإعلامي مثل توفيق عكاشة الذي هو مثار جدل من النقيض إلى النقيض! البعض يرفعها إلى سابع سماء، والبعض الآخر يخفضه إلى عاشر أرض. البعض يرى فيه مثالا للجرأة والشجاعة والوعي، وآخرون يرون فيه نموذجا للخسة والعمالة والتزييف. طبعا ستقول: إن مجرد اختلاف الناس على شخص ليس عيبا، ووجود آراء متناقضة تجاه إعلامي ليس مذمة.. ربما كان مدحا. وأقول لك: حلمك عليّ! فمجرد الاختلاف فعلا ليس عيبا أو نقيصة، ولكن أن يكون الشخص المختلف عليه عنده القدرة على الكذب، وعلى تغيير مواقفه ومبادئه من النقيض إلى النقيض دون أدنى حرج وحياء ودون تفسير، فهنا تكون المشكلة مشكلتين، مشكلة عند رجل الإعلام هذا، ومشكلة عند من يؤيده ويتعامى عن وضوح الكذب والتناقض في مبادئه وآرائه. يعني مثلا عندما يقول توفيق عكاشة إن أحمد شفيق وعمرو موسى لا يصلح أحدهما لحكم مصر، ويتهمهما بالتبعية لأمريكا، ثم نجده بعد ذلك يؤيد باستماتة أحمد شفيق دون أن يذكر لنا متى غير رأيه ولماذا، فإن المشكلة ليست في عكاشة فحسب، بل فيمن يصدقه ويؤيده دون أن يعطينا تفسيرا مقنعا لذلك. مثال آخر، أقسم عكاشة أن مصر لا يصلح لحكمها إلا الرئيس حسني مبارك، ثم بعد خلعه إذا به يلعنه ويلعن نظامه الفاسد، على حد قوله.. فكيف نقرأ هذا التناقض؟! مثال ثالث، يعرض عكاشة صورا لمذابح، يزعم أن الإخوان في تونس ارتكبوها هناك في الشعب التونسي.. يقصد عكاشة أن يحذر من انتخاب الإخوان عندنا في مصر.. ثم يتضح أن ذلك كذب وأن تونس رفعت ضده قضية، فكيف نصدق هذا الإعلامي الذي لا يتورع عن تشويه خصومه؟! مثال رابع، يقول الأستاذ توفيق عكاشة: إنه شاهد عيان على عدم رحمة د. محمد مرسي بالفقراء لأن أجرة كشفه في عيادته مرتفعة تبلغ 300 جنيه مما تسبب في وفاة مواطن، مع العلم أن د. مرسي كما هو معلوم لكل الناس -إلا عكاشة- دكتور في الهندسة، وليس الطب. (ملاحظة: أنا لا أمانع أبدا في ألا يؤيد عكاشة مرسي؛ هذا حقه وهو حر، بس بالأصول). وللحق أقول: إن الأستاذ توفيق عكاشة ليس مجرد فرد، بل هو ظاهرة لرجل الإعلام حين يرتبط بالسلطة ورجال الأعمال، أكثر من ارتباطه بمهنته وقيمها وأكثر من ارتباطه بالجمهور الذي يتابعه، والذي له الحق عليه في تحري الصدق والتحلي بالأخلاق الإنسانية فضلا عن الأخلاق المهنية. إن هذا الإعلام بهذا الثالوث (الإعلام/ السلطة/ الثروة) هو ثالوث مدمر، يهدم المجتمع ويشيع الفوضى، ولا يبني دولة ولا يحقق استقرارًا. ودعوني أتساءل: كيف يمكن أن ينام رجل الإعلام قرير العين مرتاح الضمير وهو يخون آداب المهنة وأبجديات الإعلام على الهواء مباشرة وفي الطريق العام ؟! كيف يمكن أن تستقر ثورتنا على بر الأمان ونحن نرى أطرافا تتجاذبها ناحية اليمين وناحية اليسار، وليست المشكلة برأيي في التجاذب والاختلاف، بل في أن البعض وهو يمارس حقه في الاختلاف يلجأ إلى الأساليب المحرمة دوليا وإنسانيا، ولا يتورع عن الكذب والتزوير والتزييف. لقد هزتني كلمات محكمة القضاء الإداري مؤخرا، والتي قالت إنها "تبين لها تلفظ عكاشة بألفاظ تعف المحكمة عن ذكرها". فماذا بقي إذن من آداب يمكن أن ندفع ثورتنا بها إلى الأمام، ونورِّثها للأجيال الناشئة؟! ألهذه الدرجة صار فضاؤنا الإعلامي مستباحا لكل من يتحرش به وينتهك الذوق العام ويزيف الوعي والتاريخ ويستهين بالوطن والمواطن؟! لا تعليق..