يتزايد لأول مرة بتاريخ الكون "الصخب" حول الاحتفال بذكرى ثورة، ويتمادى الصاخبون ويُساندهم قوى إعلامية بكت عند سماع خطاب مبارك، وأخرى مدحته وبشّرت بقدوم جمال للحكم، وكثيرون شاهدنا صورهم مع رموز نظام المخلوع في مناسبات شخصية. وشاهدت مؤخرا شابا اسمه خالد منصور طالَب بثقة -لا أعرف مصدرها- كل من يريد الاحتفال بالثورة بأن يحتفل بعيدا عن التحرير، فمن سيذهب للتحرير هو المحتقن، و"يجب" مراعاة ذلك. ولأول مرة نجد المحتقن يطالب من لا يعاني الاحتقان بالذهاب بعيدا؛ فالأصح أن يعالج المحتقن نفسه من الاحتقان؛ حتى لا يتحوّل إلى مرض مزمن يقضي عليه، وتنتقل العدوى إلى المحيطين به. وتناسى خالد منصور وكل مَن يُردّدون كلامه أنهم لا يمتلكون لا الثورة ولا التحرير ولا مصر، فقد ثبت أن 17% من المصريين شاركوا بالثورة أي قرابة 13 مليونا، ولم "يرحمنا" الخالق عز وجل من الفرعون المخلوع لنختار بملء إرادتنا فراعنة صغار يحتضنهم الإعلام الذي تحاصره ملايين علامات الاستفهام، ويتقافزون من فضائية لأخرى؛ ليتطاولوا علينا ويأمرونا بما يرونه. ونذكّر خالد منصور؛ وهو عضو في حركة "مصرنا" التي تضم معز مسعود، وقد شاهدته بنفسي في الفضائية المصرية ببرنامج "مصر النهارده" وهو يناشد المصريين ليلة تنحي المخلوع بألا يذهبوا للتحرير، وكان يقول كلاما سيئا عن الموجودين بالتحرير. فإذا كان خالد منصور يعرف ذلك ويتجاهله؛ فهذا خطأ فادح، وإذا لم يكن يعلم مع من يتحالف فهذه خطيئة. أما إذا كان يعرف ويتسامح لأن مصر "تحتاجنا" جميعا وهو ما يردده "نجم" مصر النهارده أيام المخلوع د. معتز عبد الفتاح والثائر الآن، وصاحب مقولة كلنا "من" النظام. وأعترض على أننا جميعا من النظام فمن ينطبق عليه هذه الكلمة من "استفاد" فقط من نظام المخلوع أيا كانت هذه الاستفادة. ولذا فإن "ترحيب" خالد منصور بمعز وعبد الفتاح واتساع صدره لهما "وضيقه" بمن سيحتفل بالثورة؛ يؤكد أن احتقانه وصل لدرجة توهم أنها "مصرهم" وليست مصرنا جميعا. والبعض يرفض الاحتفال"احتراما" لدماء الشهداء، وهو رأي نبيل له كل الاحترام، ونهمس لصاحبه بكل الود.. الاحتفال بالحشود الكبيرة والمطالبة بالقصاص من قتلة الثوار سيرسل رسالة واضحة لكل الأطراف التي تتعمّد تأجيل المحاكمات، و"ستعجل" بها كما كان للضغط الشعبي -بعد توفيق الرحمن بالطبع- الدور الحاسم في إدخال أول فرعون مصري قفص الاتهام. ويرفض البعض الاحتفال؛ خوفا من حدوث أخطار.. كما أخبرتني شابة ورددت بأن علينا الذهاب بوعي كبير، وألا نسمح لأحد باستدراجنا لما نرفض، وأن نجعله يوما من أيام الثورة؛ لنغتسل فيه من الغوغاء والتشويش والصراخ الذي عانيناه جميعا مؤخرا، ولنتعاهد على استكمال ثورتنا السلمية النظيفة، وإغلاق الأبواب والنوافذ أمام من يريدونها فوضى لتخريب الثورة. ومن يصر بغضب وعناد من مدعيّ النخبة على رفض الاحتفال بأول ذكرى للثورة؛ فإنه يعاني عدم وضوح للرؤية، فالبعض لا ينظف الزجاج الذي يرى منه الآخر ويتعمد ذلك؛ لأنه يثق أن ما سيراه سيغضبه. ومن ذلك رؤية أن الشعب قد أفاق وتنبه لحقوقه، وأنه أذكى مما يتوقعون، والدليل على ذلك رفضه للمشاركة في مليونيات "تستدرجه" للمطالبة بمجلس رئاسي مدني يختاره المجلس العسكري؛ كما قال خالد منصور ومن يماثلونه. بينما تدفقت الملايين لإسقاط وثيقة السلمي التي تعطي للمجلس العسكري حقوقا أعلى من إرادة الشعب، وهو ما قبلّها عبد الجليل مصطفى -رئيس الجمعية الوطنية للتغيير- وغيره من المنادين بمقاطعة الاحتفال بالثورة. سنذهب لنحتفل بالثورة؛ لنشكر الرحمن الذي نصرنا في أيام قلائل بخلع مبارك "وزحزحة" نظامه، بينما أخوتنا بكل من سوريا واليمن ما زالوا يعانون، كما دفع أخوتنا بليبيا الثمن الباهظ لحريتهم. سنحتفل لأننا لا نعاني الاحتقان العقلي الذي يوهمنا أن نظام له جذور أكثر من ثلاثين عاما سيتم "تبخره" في عام واحد. سنحتفل لنشكر الرحمن؛ فمن كان في نعمة ولم يشكر خرج منها ولم يشعر. سنحتفل ونشكر القوي الجبار القائل: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. سنحتفل لنضاعف الثقة بالرحمن وحسن الظن به، ثم لنزيد الثقة بقوة الشعب، ولنحصل على جرعات إيجابية تضاعف من قوتنا المعنوية، وتزيد من صلابة إرادتنا؛ "لمواجهة" المحاولات القادمة لتعطيل تسليم السلطة للشعب ولإجهاض الثورة، ولتثبيت "جوهر" نظام مبارك بوجوه جديدة. سنحتفل لأننا نحترم مصرنا، وندعو بالفردوس الأعلى لشهدائنا، ونجهض محاولات "تقزيم" أهداف الثورة، وتحويلها إلى رحيل المجلس العسكري "فورا". وسنطالب بمحاسبة كل من أخطأ من المجلس العسكري فهم ليسوا آلهة؛ بل بشر ولا بد من محاسبة من تجاوز منهم في حق الشعب، فقد ولي زمن الإفلات من الحساب للأبد. سنحتفل لأننا نحترم دماء الشهداء، ونرفض المتاجرة بهم.. فمن "العار" استغلال استشهاد الشيخ عماد ورفاقه؛ للمطالبة في التحرير بتشكيل مجلس رئاسي مدني يضم مرشحا رسب في انتخابات مجلس الشعب الحالية، وهو جورج إسحاق.. فقد سمعت بنفسي الشيخ هشام عطية وهو يخطب بالتحرير مطالبا بتشكيل مجلس رئاسي يضم إسحاق، وهو الذي قال قبل الثورة لمن ذهب معهم لأمريكا لعقد مؤتمر، ثم لم ينضم إليهم وقام بأنشطة تخصه، وعندما عاتبوه قال: "اعتبروني ضحكت عليكم، وابحثوا في جوجل؛ لإنه زي القطن ما بيكذبش". سنحتفل لأننا لا نعطي عقولنا وقلوبنا لكبار المذيعين والإعلاميين الذين قال عنهم د. صفوت العالم خير الأعلام لم يتعاملون بأمانة مع الشعب بعد الثورة. سنحتفل لأننا لا نعاني الاحتقان العقلي، ونمتلك القدرة العقلية على الفرح "المشروع" بما تحقق، ومواصلة الانتباه -بيقظة مطمئنة وليست مذعورة- للأهداف الحقيقية للثورة، ومنها العدالة الاجتماعية التي لن تتحقق إلا بإنهاء سيطرة رجال الأعمال على كل من الحكم والإعلام الذي سيتم به غسيل عقول للمصريين. وسنحتفل لأن من أهداف الثورة الحرية، ولن تتحقق ما دام هناك أشخاص يفرضون أنفسهم للحديث كأوصياء على المصريين، فالشعب اختار ممثليه بالبرلمان، وسيختار رئيسه بكامل حريته، وسيتابعهم بجدية وبصرامة.. ومن يحاول خداع الشعب أو الاستهانة به؛ سيلقى مصيرا يستحقه.. فما بالنا بمن يحاول سرقة إرادتنا بالوصاية؟ ومن يتجاهل ذلك ويصنع الطبقات تلو الطبقات على الزجاج الذي ينظر من ورائه على ما يحدث بمصر، سيصطدم رأسه بالزجاج بأقرب مما تتخيل. سنحتفل لأننا لا نعاني الاحتقان في البصيرة، وندرك جيدا أنه لا توجد ثورة بالعالم تحقق أهدافها في عام واحد، ولا تقضي على أعدائها في هذه الفترة، ولم يحدث ذلك حتى في السينما. سنحتفل ليدرك أنصار الثورة المضادة مكانهم ومكانتهم، وأنهم لن يرهبوننا بالتخويف من النزول للتحرير. ولن نرتدي السواد فمصر "نزعت" السواد يوم خلع مبارك، ولن نرتديه مجددا بفضل الرحمن. سنحتفل لأننا لا نعاني احتقانا في الفهم؛ فزعماء رفضوا الاحتفال هم من ناضلوا لتأجيل الانتخابات لإطالة عمرهم. سنحتفل لأننا نرفض أن يقودنا خالد أبو النجا وجيهان فاضل وإيمان البحر درويش، الرافضين للاحتفال. سنحتفل ونحترم حق من يختار "الاحتقان"، وندعو له بصدق وباحترام بسرعة التعافي وبالفرح الجميل، والاستعداد لمواصلة الثورة بقلوب ذكية، وعقول لا يسيطر عليها أحد. سنحتفل بخلع مبارك وجمال وعزمي وسرور والشريف وعز، ونحضر لاحتفالات قادمة بخلع المزيد والمزيد والمزيد.