محمود محي الدين: رغم عملي في جهات دولية عديدة «ولكني جاي من كفر شكر»    بلومبيرج: شركات طيران تطالب إدارة ترامب بدعم 2.5 مليار دولار بسبب نقص الوقود    مرحلة حسم لقب الدوري، الأهلي وبيراميدز في صراع المنافسة على اللحاق بالزمالك    طقس اليوم الإثنين.. تقلبات جوية أجواء شتوية مفاجئة    محمود محي الدين: القطاع الخاص يطالب الآن بالفرصة.. ويجب تخارج الدولة من القطاعات التي يستطيع إدارتها    محمود محي الدين: ما يشغلني هو النمو والتضخم لا سعر الصرف    "مايكل" يشعل دور السينما عالميًا.. عرض أسطوري يعيد ملك البوب إلى الحياة من جديد    «اللعبة 5» يقترب من خط النهاية.. سباق مع الزمن لإنهاء التصوير وكوميديا جديدة تلوح في الأفق    استشاري مناعة يحذر: إضافة مياه الأكسجين للألبان لإخفاء طعمها الفاسد تسبب تهتكا ونزيفا في الأمعاء    بالأسماء، انقطاع مياه الشرب 12 ساعة اليوم بالدقهلية    إعلام عبري: أزمة نقص حادة بالصواريخ الاعتراضية في إسرائيل    أسعار النفط ترتفع عقب إلغاء جولة المفاوضات بين واشنطن وطهران    من "سطلانة" إلى هوليوود.. حمدي بتشان يكشف كواليس نجاح غير متوقع وأسرار رحلة بدأت ب500 جنيه    لافروف: موسكو منفتحة على الحوار مع واشنطن بشأن تسوية الأزمة الأوكرانية    جيش مالي يواصل العمليات ضد المسلحين    خطوات استخراج بطاقة شخصية بدل فاقد 2026 عبر السجل المدني والإنترنت    البرنامج النووي ومضيق هرمز، إيران ترسل خطوطها الحمراء لأمريكا عبر باكستان    مثَّلا بجثمانه والتقطا صورة «سيلفي».. إحالة المتهمين بقتل شاب في الإسكندرية إلى المفتي    ترامب: خطاب الكراهية لدى الديمقراطيين خطير على البلاد    الرياضة: تنسيق مع البنك المركزي لمراقبة أموال المراهنات    قائد اليونيفيل: مستمرون فى أداء مهامنا بروح الوحدة واليقظة فى لبنان    رويترز: أسعار النفط تقفز أكثر من 2 % مع تعثر المحادثات بين أمريكا وإيران    الأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام تنظم الملتقى التوظيفي الأول لخريجيها    أبرزها الأهلي مع بيراميدز، مواعيد مباريات اليوم الإثنين والقنوات الناقلة    عروض مسرح الطفل بكفر الشيخ تتواصل ب"محكمة الحواديت" ضمن فعاليات قصور الثقافة    من الاستوديو، الملحن محمد يحيى يكشف عن أغنيته الجديدة (فيديو)    رئيس المركز الكاثوليكي للسينما: نستعد لليوبيل الماسي للمهرجان ب 20 جائزة لتكريم الفنانين والمثقفين    قطر وإيران تبحثان الجهود الرامية إلى تحقيق السلام    دراسة يابانية: الحليب يقلل خطر السكتة الدماغية    انقلاب سيارة نقل محملة بمواد بناء على الطريق الأوسطي في أكتوبر    حبس 25 شابًا وفتاة شرعوا في إقامة حفل مخالف للآداب داخل فيلا في أكتوبر    كرة سلة - مدرب الأهلي: لن نركز على السلبيات.. وسنشاهد أخطائنا ونصححها    اليوم.. مناقشة «مضارب الأهواء» و«فن الشارع» بصالون إدوار الخراط    «شوقي ضيف.. شيخ النحاة وعالم اللغة».. إصدار جديد يرصد مسيرة قنديل العربية في هيئة الكتاب    الصحة اللبنانية: 14 شهيدًا و37 مصابًا في غارات إسرائيلية على لبنان    قطع المياه 24 ساعة، بدء أعمال ربط المرحلة الثالثة بمحطة العزب بالفيوم    تأجيل محاكمة عامل متهم بقتل بطل كاراتيه بكفر الشيخ لجلسة 30 أبريل الجارى    تحرير 165 مخالفة وضبط كميات دقيق وسلع مجهولة المصدر في حملات تموينية بالدقهلية    عبدالجليل: الزمالك يتفوق بالمرتدات.. ومحمد شريف الأنسب لقيادة هجوم الأهلي أمام بيراميدز    نيس ينهي آمال نانت للبقاء مباشرة بالتعادل مع مارسيليا في الدوري    التعادل السلبي يحسم قمة ميلان ويوفنتوس في الدوري الإيطالي    القسم الثاني (ب) – نادي قوص: ندرس الانسحاب لمشاركة سوهاج بالشباب في مباراته    جامعة المنيا: 2.3 مليون جنيه مكافآت للنشر الدولي ل207 باحثين خلال 2025    الأنبا بولا: "محضر الخطوبة" في قانون الأسرة المسيحية بصيغة جديدة ملزمة.. وشهادات وفحوصات قبل إتمامها    محافظ الدقهلية يتفقد أعمال تعزيز الخدمات وإنشاء غرفة عمليات بممشى المنصورة    رئيس حي غرب المنصورة يتابع ميدانيًا أعمال رفع كفاءة الحدائق والمسطحات الخضراء بنطاق الحي    إخماد حريق اندلع داخل مخزن فى مدينة نصر    انتشال جثة طالب غرق بنهر النيل أثناء الاستحمام بمنشأة القناطر    جامعة المنيا: زيادة عدد الأطباء المقيمين إلى 249 طبيبًا دعمًا للمستشفيات الجامعية    "التعليم": 20 ألف فرصة عمل لخريجي المدارس الفنية داخل وخارج مصر    حكم المصافحة بين المصلين.. "الإفتاء" توضح    هل الشبكة من حق المخطوبة بعد وفاة الخاطب؟ أمينة الفتوى تجيب    سيناء.. قرار واختيار    "قصر العيني" تقود مبادرة توعوية لدعم مرضى باركنسون ومقدمي الرعاية بجامعة القاهرة    وزير الصحة يتابع أعمال اللجنة العليا للمسؤولية الطبية وسلامة المريض    نائب ينتقد المراهنات الرياضية في مصر: تناقض واضح بين الواقع والقانون    رمضان عبد المعز: أفضل أوقات الدعاء بعد الصلوات المكتوبة وفى جوف الليل    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مارون بغدادي الباحث عن هوية لبنان
نشر في صوت البلد يوم 07 - 07 - 2016

كان فوز الفيلم اللبناني “فيلم كتير كبير” للمخرج ميرجان بوشعيا بجائزة “النجمة الذهبية” في مهرجان مراكش السينمائي الدولي الأخير، مفاجأة كبيرة ليس فقط لأن الجائزة جاءت من لجنة تحكيم كبيرة ترأسها المخرج الأميركي المرموق فرنسيس كوبولا، بل إن الفيلم من الإنتاج المستقل الصغير محدود الإمكانيات. ومن ناحية أخرى الفيلم يمثل قطيعة مع موضوع الحرب الأهلية اللبنانية الذي طغى على مجمل إنتاج الأفلام اللبنانية خلال أكثر من خمسة وعشرين عاما.
كانت المخرجة نادين لبكي في فيلميها “سكر بنات” (2007) و”هلق لوين” (2011) قد ناقشت هشاشة الوضع اللبناني في الداخل الذي يمكن أن ينفجر في أيّ لحظة نتيجة خلافات طائفية، لكنها تنتصر في فيلميها للمرأة ودورها في مقاومة مناخ التعصب والكراهية، وهو نفس ما يحذّر منه على صعيد كوميدي فيلم “فيلم كتير كبير”، أي أن أشباح الحرب الأهلية لم تبتعد تماما عن مخيلة السينمائيين اللبنانيين من الأجيال الشابة التي إما أنها لم تعاصر الحرب إلا في طفولتها، أو لم تعاصرها على الإطلاق.
ومن الممكن القول إن المخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي، هو مخرج الحرب الأهلية اللبنانية بامتياز، ويعتبر من قلائل السينمائيين العرب الذين استطاعوا بجرأة اقتحام صناعة السينما في الغرب، معبّرا في معظم الأفلام التي أخرجها عن أفكاره وهواجسه ورؤيته الخاصة لما شهده وطنه لبنان من أحداث درامية جسيمة على مدار أكثر من خمس عشرة سنة هي عمر الحرب الأهلية اللبنانية، وما نتج عنها من جراح عميقة لا تزال غائرة في الذاكرة.. ذاكرة كل من عايشوا أحداثها الأليمة.
درس بغدادي السينما في باريس ثم عاد إلى لبنان ليخرج فيلمه الروائي الطويل الأول “بيروت يا بيروت” عام 1975 في بداية الحرب الأهلية اللبنانية. غير أن هذا الفيلم تأخّر عرضه لعدة سنوات فلم يعرض سوى عام 1979، ومع توسع الحرب وبروز طابعها الطائفي، تم إتلاف أشرطته.
في هذا الفيلم الذي أسند بطولته إلى الممثل المصري عزت العلايلي، يبتعد بغدادي تماما عن القوالب الشائعة في السينما المصرية واللبنانية، لكي يطرح موضوعا حميميا عن مدينته بيروت التي تحلّق فوقها سحب داكنة تنذر بالخطر القادم، خطر الانفجار. ولذا يمكن القول إن رؤية بغدادي في فيلمه الأول كانت بمثابة نبوءة بما سيقع بعد قليل.
انضم بغدادي إلى جبهة الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، وأصبح السينمائي الرسمي لهذه الحركة عن قناعة. ومن هنا جاءت أغلب أفلامه الوثائقية والتسجيلية، ونذكر منها” “الجنوب بخير طمنونا عنكم”، “الأكثرية صامدة”، “كفر كلا”، “تحية لكمال جنبلاط”، “أجمل الاأهات”، “الشهيد”، “كلنا للوطن”، و”حكاية قرية وحرب”.
الإدانة
غير أن مارون بغدادي مع تفكك السلطة في لبنان من جراء الحرب ووقوع عملية الاستقطاب الحاد في أوساط المثقفين على أسس طائفية، انتقل أولا إلى تصوير الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل في خطاباته على شرائط الفيديو، ثم اتخذ موقفه الخاص من الصراع اللبناني الذي يتلخص في إدانة كل الأطراف. هذا الموقف ربما كان هو ما سيدفعه فيما بعد إلى الهجرة إلى فرنسا.
بعد “تحية إلى كمال جنبلاط” (1977) أخرج بغدادي في عام 1979 فيلما وثائقيا طويلا هو “كلنا للوطن” من إنتاج الحركة الوطنية اللبنانية، وتصوير حسن النعماني ووضع له الموسيقى مارسيل خليفة. وهو فيلم من مقاس 16 مم بالألوان، يصور من خلال مقابلات مع أشخاص متعددين، سواء من رجال الشارع اللبناني أو قيادات في حركة المقاومة في الجنوب اللبناني، على خلفية التدخلات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وفيه يمزج بغدادي بشكل ساخر، بين لقطات للأطفال وهم يجاهدون لترديد كلمات النشيد الوطني اللبناني مع لقطات من الحرب الأهلية والخطابات الرنانة لزعماء الميليشيات المختلفة والاستعدادات العسكرية.
قبله في عام 1978 كان بغدادي قد أخرج فيلما وثائقيا قصيرا (24 دقيقة) بعنوان “حكاية قرية وحرب” وكان الفيلم يوثق للغزو الإسرائيلي للأراضي اللبنانية ويتضمن مقابلات مع عدد من سكان القرى الجنوبية الذين يصفون معاناتهم تحت الاحتلال. وقد عرض هذا الفيلم في الأمم المتحدة بناء على طلب من غسان تويني المندوب اللبناني في المنظمة الدولية، ولعب بالتالي دورا كبيرا في صدور القرار 425 الذي يطالب بانسحاب إسرائيل من لبنان.
حروب صغيرة
وفي عام 1982، أخرج بغدادي فيلمه الروائي الثاني الذي ربما كان أهم أفلامه وأكثرها صمودا للزمن. هذا الفيلم هو “حروب صغيرة” الذي تعاون معه على تنفيذه تقنيون من فرنسا والولايات المتحدة وحصل على تمويل فرنسي لإنجازه.
في “حروب صغيرة” يعبر مارون بغدادي عن “فلسفته” الخاصة إزاء ما يجري في لبنان من خلال شخصيات من اليمين ومن اليسار، من الطوائف الرئيسية المتصارعة” المارونيون والدروز والشيعة.
هنا شخصيات تتميز باستشراء الروح القبلية في نفوسها، تلعب بها المصالح الطبقية، تجعلها تتخفى في شعاراتها، غير أنها في الحقيقة شخصيات ضائعة تبحث عن نفسها في خرائب بيروت، فلا تجد لها أثرا، ومن ثم يصبح البديل الأكثر إلحاحا أمامها هو التطلّع للهجرة إلى الخارج.
في “حروب صغيرة” اتضحت أكثر موهبة مارون بغدادي وحساسيته السينمائية العالية في التّعامل مع الصورة وحركة الكاميرا، في التحكم في الإيقاع العام لفيلمه، وفي التعامل مع الممثلين، والأهم، في اقتناص لحظات مشحونة بالصدق في واقع شديد السخونة والتوتر.
غير أن بغدادي بعد أن أنجز هذا الفيلم، وجد نفسه عاجزا عن العمل في ظلّ سينما لا وجود لها حسب المعطيات العلمية المعروفة، فليست هناك بنية اقتصادية أو تقنية، كما أن قاعدة الجمهور تفتتت، فكان أن حزم أمره واتخذ من باريس موطنا له. وبدأ مارون العمل في نطاق السينما الفرنسية مستثمرا خبرته السابقة في لبنان، دون أن يتخلى عن هاجسه اللبناني بالطبع.
إن ما يميز حالة مارون بغدادي ربما كان شعوره الشخصي الحاد بأزمة “الهوية” هل هي هوية لبنانية أم متوسطية أم عربية أم كل هذه الهويات مجتمعة، وكيف يمكن انطلاقا من الوعي بهذه الاشكالية التعامل مع العلاقة بين الشرق والغرب، وهو الموضوع الذي سيفرض نفسه على الفيلمين التاليين له؟
في فيلم “الرجل المحجّب” الذي أخرجه في فرنسا عام 1987 وقام ببطولته ميشيل بيكولي وبيير جيرادو وميشال ألبرتيني، يناقش مارون بغدادي موضوع الحرب اللبنانية كما تنعكس على أبناء الجالية اللبنانية من المهاجرين في باريس.
طبيب لبناني عاد مؤخرا من بيروت إلى باريس لكي يبحث عن ابنته الشابة التي تركها وحدها قبل أربع سنوات في العاصمة الفرنسية لكي يجنّبها ويلات الحرب في بلدها. هو يعود منهكا محطما من جرّاء التجربة، تجربة الحرب التي شارك فيها، لكنه من ناحية أخرى مكلف بمهمة لا يستطيع التنصل منها، فلكي تسمح له الميليشيا التي ينتمي إليها بالاستقرار في باريس، عليه أن يقوم أولا بقتل شاب يدعى “كمال” تمرد على العشيرة نفسها وانغمس يعمل في باريس في تجارة المخدرات وشرائط الفيديو الإباحية.
لكن ابنة الطبيب ترتبط بعلاقة عاطفية مع كمال، وترى في أبيها مثلا أعلى باعتباره مناضلا من أجل لبنان بأسرها، لكن كمال يهدم هذه الصورة عندما يجعل الفتاة تشاهد شريطا مصورا يظهر فيه الأب وهو يمارس القتل وسفك الدماء في لبنان تحت شعارات طائفية. وهناك من ناحية أخرى، أبناء العشيرة أو الطائفة الأخرى الذين يحاولون اختطاف الفتاة وقتلها انتقاما من والدها.
من الناحية الفنية ينتمي الفيلم الى مدرسة تعرف ب”الفيلم- نوار”، وهو تعبير أطلقه نقاد فرنسا واستقر كمصطلح من مصطلحات النقد السينمائي، على الأفلام البوليسية التي ظهرت في فرنسا وأميركا في الأربعينيات من القرن الماضي وتميزت بأجوائها الغامضة، وإضاءتها الخافتة، وشخصياتها التي تدفعها الأقدار إلى مصائرها دفعا. ورغم الوجود المباشر لموضوع الصراع الداخلي اللبناني في هذا الفيلم، فقد رفض مارون بغدادي اعتباره فيلما عن الحرب اللبنانية، بل كان يصر على اعتباره فيلما عن مدينتين لكل منهما سحره الخاص: باريس وبيروت، معتبرا رحلة الشخصيات بينهما رحلة عبر الخيال تترك تأثيرها عليهم جميعا.
خارج الحياة
الموضوع اللبناني ظلّ يلحّ على مارون بغدادي فأخرج بعد هذا فيلما بعنوان “لبنان أرض السمن والعسل” من نوع الدراما التسجيلية، صنعه لحساب التلفزيون الفرنسي، عن تجربة الأطباء الفرنسيين في العمل في المستشفيات اللبنانية زمن الحرب.
غير أن أكثر أفلام بغدادي إثارة للجدل كان فيلم “خارج الحياة” الذي أخرجه عام 1991 عن مذكرات الصحفي الفرنسي روجيه أوك خلال فترة احتجازه كرهينة في بيروت لمدة 362 يوما عامي 19821983. والفيلم من الإنتاج الفرنسي، ورغم أن أجزاء كثيرة منه مصورة في بيروت بل وناطقة باللغة العربية، فقد رأى البعض أن موضوعه يبدو وقد صنع طبقا للمواصفات الشائعة في السينما الغربية حول موضوع الحرب اللبنانية. هنا نرى استخداما واضحا للقوالب والأنماط المألوفة في أجهزة الإعلام المصور في الغرب للتنظيمات الإسلامية الشيعية.
ورغم أن الموضوع سياسي بالضرورة إلا أن تركيزه الأساسي هو على إبراز المأساة الإنسانية التي تعرض لها الصحفي الفرنسي تجعل الفيلم يتوقف عند تقسيمة “الأشرار والأخيار”، أو بالأحرى يصور شخصياته اللبنانية وقد بلغت درجة النذالة المطلقة، والفرنسي ضحية بائسة لا يمكنه الحصول على أدنى قسط من التعاطف من جانب خاطفيه رغم تأكيده المتواصل لهم بأنه يحب بلدهم، بل ويتمادى في تأكيد حبّه لهم عندما يقوم بغناء إحدى أغاني فيروز بصوته بالاشتراك مع أحد مختطفيه!
كان “خارج الحياة” رغم ذلك، وسيظل بلا شك، أفضل أفلام مارون بغدادي من الناحية الفنية ففيه سيطرة مدهشة على كل تفاصيل العمل السينمائي: الحركة والمونتاج والتصوير والتمثيل. لذلك لم يكن مفاجئا أن يحصل على جائزة خاصة من لجنة التحكيم في مهرجان “كان” السينمائي في العام نفسه.
الفيلم الفرنسي
أما آخر ما أخرجه مارون بغدادي من أفلام فكان فيلم “ابنة الهواء” عن القصة الحقيقية لامرأة قامت بأكبر مغامرة من نوعها في فرنسا خلال العقد الماضي، عندما استأجرت طائرة مروحية وأغارت على سجن لإطلاق سراح حبيبها، ونجحت المحاولة بالفعل. وكان دافع المرأة هو الحبّ.
ورغم بساطة الفكرة، إلا أن بغدادي صنع منها عملا كبيرا بكل معنى الكلمة، لقد جعل من فيلمه أنشودة للجهد والمخاطرة الإنسانية، واحتفالا بالعاطفة المتأججة التي لا تعرف حدودا. وكان النجاح الهائل الذي استقبل به الجمهور هذا الفيلم أكبر نجاح في أوروبا لفيلم من إخراج مخرج عربي.
وإذا ما لخّصنا أهمية مارون بغدادي وسرّ تميزه بين أقرانه من السينمائيين العرب واللبنانيين، فسوف نرى أنه كان أكثرهم تأثرا في أعماله بواقع الحرب في بلده، بل إنه كان بالأحرى، نتاجا لها. ورغم ما قد يشوب بعض هذه الأفلام من سلبيات أو جوانب قصور، إلا أن محصلة عمل بغدادي ظلت تدور بصدق حول موضوعة الانتماء. وكان قد خبر تجربة العمل السياسي المباشر في لبنان، وقد ظل يدور سلبا أو إيجابا حول فكرة الانتماء إلى كيان أكبر من مجرد العشيرة أو الطائفة أو الحزب السياسي. وبما أن لبنان الذي كان يعرفه في الماضي، لم يعد كما كان، كيانا متماسكا ولو من الظاهر، فقد اختار مارون بغدادي الانتماء إلى عالم السينما، يعبر من خلالها عن أفكاره ورؤاه إلى أن رحل في ميتة تراجيدية كأنها مشهد من مشاهد أفلامه الدامية.
....
ناقد سينمائي من مصر
كان فوز الفيلم اللبناني “فيلم كتير كبير” للمخرج ميرجان بوشعيا بجائزة “النجمة الذهبية” في مهرجان مراكش السينمائي الدولي الأخير، مفاجأة كبيرة ليس فقط لأن الجائزة جاءت من لجنة تحكيم كبيرة ترأسها المخرج الأميركي المرموق فرنسيس كوبولا، بل إن الفيلم من الإنتاج المستقل الصغير محدود الإمكانيات. ومن ناحية أخرى الفيلم يمثل قطيعة مع موضوع الحرب الأهلية اللبنانية الذي طغى على مجمل إنتاج الأفلام اللبنانية خلال أكثر من خمسة وعشرين عاما.
كانت المخرجة نادين لبكي في فيلميها “سكر بنات” (2007) و”هلق لوين” (2011) قد ناقشت هشاشة الوضع اللبناني في الداخل الذي يمكن أن ينفجر في أيّ لحظة نتيجة خلافات طائفية، لكنها تنتصر في فيلميها للمرأة ودورها في مقاومة مناخ التعصب والكراهية، وهو نفس ما يحذّر منه على صعيد كوميدي فيلم “فيلم كتير كبير”، أي أن أشباح الحرب الأهلية لم تبتعد تماما عن مخيلة السينمائيين اللبنانيين من الأجيال الشابة التي إما أنها لم تعاصر الحرب إلا في طفولتها، أو لم تعاصرها على الإطلاق.
ومن الممكن القول إن المخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي، هو مخرج الحرب الأهلية اللبنانية بامتياز، ويعتبر من قلائل السينمائيين العرب الذين استطاعوا بجرأة اقتحام صناعة السينما في الغرب، معبّرا في معظم الأفلام التي أخرجها عن أفكاره وهواجسه ورؤيته الخاصة لما شهده وطنه لبنان من أحداث درامية جسيمة على مدار أكثر من خمس عشرة سنة هي عمر الحرب الأهلية اللبنانية، وما نتج عنها من جراح عميقة لا تزال غائرة في الذاكرة.. ذاكرة كل من عايشوا أحداثها الأليمة.
درس بغدادي السينما في باريس ثم عاد إلى لبنان ليخرج فيلمه الروائي الطويل الأول “بيروت يا بيروت” عام 1975 في بداية الحرب الأهلية اللبنانية. غير أن هذا الفيلم تأخّر عرضه لعدة سنوات فلم يعرض سوى عام 1979، ومع توسع الحرب وبروز طابعها الطائفي، تم إتلاف أشرطته.
في هذا الفيلم الذي أسند بطولته إلى الممثل المصري عزت العلايلي، يبتعد بغدادي تماما عن القوالب الشائعة في السينما المصرية واللبنانية، لكي يطرح موضوعا حميميا عن مدينته بيروت التي تحلّق فوقها سحب داكنة تنذر بالخطر القادم، خطر الانفجار. ولذا يمكن القول إن رؤية بغدادي في فيلمه الأول كانت بمثابة نبوءة بما سيقع بعد قليل.
انضم بغدادي إلى جبهة الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، وأصبح السينمائي الرسمي لهذه الحركة عن قناعة. ومن هنا جاءت أغلب أفلامه الوثائقية والتسجيلية، ونذكر منها” “الجنوب بخير طمنونا عنكم”، “الأكثرية صامدة”، “كفر كلا”، “تحية لكمال جنبلاط”، “أجمل الاأهات”، “الشهيد”، “كلنا للوطن”، و”حكاية قرية وحرب”.
الإدانة
غير أن مارون بغدادي مع تفكك السلطة في لبنان من جراء الحرب ووقوع عملية الاستقطاب الحاد في أوساط المثقفين على أسس طائفية، انتقل أولا إلى تصوير الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل في خطاباته على شرائط الفيديو، ثم اتخذ موقفه الخاص من الصراع اللبناني الذي يتلخص في إدانة كل الأطراف. هذا الموقف ربما كان هو ما سيدفعه فيما بعد إلى الهجرة إلى فرنسا.
بعد “تحية إلى كمال جنبلاط” (1977) أخرج بغدادي في عام 1979 فيلما وثائقيا طويلا هو “كلنا للوطن” من إنتاج الحركة الوطنية اللبنانية، وتصوير حسن النعماني ووضع له الموسيقى مارسيل خليفة. وهو فيلم من مقاس 16 مم بالألوان، يصور من خلال مقابلات مع أشخاص متعددين، سواء من رجال الشارع اللبناني أو قيادات في حركة المقاومة في الجنوب اللبناني، على خلفية التدخلات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وفيه يمزج بغدادي بشكل ساخر، بين لقطات للأطفال وهم يجاهدون لترديد كلمات النشيد الوطني اللبناني مع لقطات من الحرب الأهلية والخطابات الرنانة لزعماء الميليشيات المختلفة والاستعدادات العسكرية.
قبله في عام 1978 كان بغدادي قد أخرج فيلما وثائقيا قصيرا (24 دقيقة) بعنوان “حكاية قرية وحرب” وكان الفيلم يوثق للغزو الإسرائيلي للأراضي اللبنانية ويتضمن مقابلات مع عدد من سكان القرى الجنوبية الذين يصفون معاناتهم تحت الاحتلال. وقد عرض هذا الفيلم في الأمم المتحدة بناء على طلب من غسان تويني المندوب اللبناني في المنظمة الدولية، ولعب بالتالي دورا كبيرا في صدور القرار 425 الذي يطالب بانسحاب إسرائيل من لبنان.
حروب صغيرة
وفي عام 1982، أخرج بغدادي فيلمه الروائي الثاني الذي ربما كان أهم أفلامه وأكثرها صمودا للزمن. هذا الفيلم هو “حروب صغيرة” الذي تعاون معه على تنفيذه تقنيون من فرنسا والولايات المتحدة وحصل على تمويل فرنسي لإنجازه.
في “حروب صغيرة” يعبر مارون بغدادي عن “فلسفته” الخاصة إزاء ما يجري في لبنان من خلال شخصيات من اليمين ومن اليسار، من الطوائف الرئيسية المتصارعة” المارونيون والدروز والشيعة.
هنا شخصيات تتميز باستشراء الروح القبلية في نفوسها، تلعب بها المصالح الطبقية، تجعلها تتخفى في شعاراتها، غير أنها في الحقيقة شخصيات ضائعة تبحث عن نفسها في خرائب بيروت، فلا تجد لها أثرا، ومن ثم يصبح البديل الأكثر إلحاحا أمامها هو التطلّع للهجرة إلى الخارج.
في “حروب صغيرة” اتضحت أكثر موهبة مارون بغدادي وحساسيته السينمائية العالية في التّعامل مع الصورة وحركة الكاميرا، في التحكم في الإيقاع العام لفيلمه، وفي التعامل مع الممثلين، والأهم، في اقتناص لحظات مشحونة بالصدق في واقع شديد السخونة والتوتر.
غير أن بغدادي بعد أن أنجز هذا الفيلم، وجد نفسه عاجزا عن العمل في ظلّ سينما لا وجود لها حسب المعطيات العلمية المعروفة، فليست هناك بنية اقتصادية أو تقنية، كما أن قاعدة الجمهور تفتتت، فكان أن حزم أمره واتخذ من باريس موطنا له. وبدأ مارون العمل في نطاق السينما الفرنسية مستثمرا خبرته السابقة في لبنان، دون أن يتخلى عن هاجسه اللبناني بالطبع.
إن ما يميز حالة مارون بغدادي ربما كان شعوره الشخصي الحاد بأزمة “الهوية” هل هي هوية لبنانية أم متوسطية أم عربية أم كل هذه الهويات مجتمعة، وكيف يمكن انطلاقا من الوعي بهذه الاشكالية التعامل مع العلاقة بين الشرق والغرب، وهو الموضوع الذي سيفرض نفسه على الفيلمين التاليين له؟
في فيلم “الرجل المحجّب” الذي أخرجه في فرنسا عام 1987 وقام ببطولته ميشيل بيكولي وبيير جيرادو وميشال ألبرتيني، يناقش مارون بغدادي موضوع الحرب اللبنانية كما تنعكس على أبناء الجالية اللبنانية من المهاجرين في باريس.
طبيب لبناني عاد مؤخرا من بيروت إلى باريس لكي يبحث عن ابنته الشابة التي تركها وحدها قبل أربع سنوات في العاصمة الفرنسية لكي يجنّبها ويلات الحرب في بلدها. هو يعود منهكا محطما من جرّاء التجربة، تجربة الحرب التي شارك فيها، لكنه من ناحية أخرى مكلف بمهمة لا يستطيع التنصل منها، فلكي تسمح له الميليشيا التي ينتمي إليها بالاستقرار في باريس، عليه أن يقوم أولا بقتل شاب يدعى “كمال” تمرد على العشيرة نفسها وانغمس يعمل في باريس في تجارة المخدرات وشرائط الفيديو الإباحية.
لكن ابنة الطبيب ترتبط بعلاقة عاطفية مع كمال، وترى في أبيها مثلا أعلى باعتباره مناضلا من أجل لبنان بأسرها، لكن كمال يهدم هذه الصورة عندما يجعل الفتاة تشاهد شريطا مصورا يظهر فيه الأب وهو يمارس القتل وسفك الدماء في لبنان تحت شعارات طائفية. وهناك من ناحية أخرى، أبناء العشيرة أو الطائفة الأخرى الذين يحاولون اختطاف الفتاة وقتلها انتقاما من والدها.
من الناحية الفنية ينتمي الفيلم الى مدرسة تعرف ب”الفيلم- نوار”، وهو تعبير أطلقه نقاد فرنسا واستقر كمصطلح من مصطلحات النقد السينمائي، على الأفلام البوليسية التي ظهرت في فرنسا وأميركا في الأربعينيات من القرن الماضي وتميزت بأجوائها الغامضة، وإضاءتها الخافتة، وشخصياتها التي تدفعها الأقدار إلى مصائرها دفعا. ورغم الوجود المباشر لموضوع الصراع الداخلي اللبناني في هذا الفيلم، فقد رفض مارون بغدادي اعتباره فيلما عن الحرب اللبنانية، بل كان يصر على اعتباره فيلما عن مدينتين لكل منهما سحره الخاص: باريس وبيروت، معتبرا رحلة الشخصيات بينهما رحلة عبر الخيال تترك تأثيرها عليهم جميعا.
خارج الحياة
الموضوع اللبناني ظلّ يلحّ على مارون بغدادي فأخرج بعد هذا فيلما بعنوان “لبنان أرض السمن والعسل” من نوع الدراما التسجيلية، صنعه لحساب التلفزيون الفرنسي، عن تجربة الأطباء الفرنسيين في العمل في المستشفيات اللبنانية زمن الحرب.
غير أن أكثر أفلام بغدادي إثارة للجدل كان فيلم “خارج الحياة” الذي أخرجه عام 1991 عن مذكرات الصحفي الفرنسي روجيه أوك خلال فترة احتجازه كرهينة في بيروت لمدة 362 يوما عامي 19821983. والفيلم من الإنتاج الفرنسي، ورغم أن أجزاء كثيرة منه مصورة في بيروت بل وناطقة باللغة العربية، فقد رأى البعض أن موضوعه يبدو وقد صنع طبقا للمواصفات الشائعة في السينما الغربية حول موضوع الحرب اللبنانية. هنا نرى استخداما واضحا للقوالب والأنماط المألوفة في أجهزة الإعلام المصور في الغرب للتنظيمات الإسلامية الشيعية.
ورغم أن الموضوع سياسي بالضرورة إلا أن تركيزه الأساسي هو على إبراز المأساة الإنسانية التي تعرض لها الصحفي الفرنسي تجعل الفيلم يتوقف عند تقسيمة “الأشرار والأخيار”، أو بالأحرى يصور شخصياته اللبنانية وقد بلغت درجة النذالة المطلقة، والفرنسي ضحية بائسة لا يمكنه الحصول على أدنى قسط من التعاطف من جانب خاطفيه رغم تأكيده المتواصل لهم بأنه يحب بلدهم، بل ويتمادى في تأكيد حبّه لهم عندما يقوم بغناء إحدى أغاني فيروز بصوته بالاشتراك مع أحد مختطفيه!
كان “خارج الحياة” رغم ذلك، وسيظل بلا شك، أفضل أفلام مارون بغدادي من الناحية الفنية ففيه سيطرة مدهشة على كل تفاصيل العمل السينمائي: الحركة والمونتاج والتصوير والتمثيل. لذلك لم يكن مفاجئا أن يحصل على جائزة خاصة من لجنة التحكيم في مهرجان “كان” السينمائي في العام نفسه.
الفيلم الفرنسي
أما آخر ما أخرجه مارون بغدادي من أفلام فكان فيلم “ابنة الهواء” عن القصة الحقيقية لامرأة قامت بأكبر مغامرة من نوعها في فرنسا خلال العقد الماضي، عندما استأجرت طائرة مروحية وأغارت على سجن لإطلاق سراح حبيبها، ونجحت المحاولة بالفعل. وكان دافع المرأة هو الحبّ.
ورغم بساطة الفكرة، إلا أن بغدادي صنع منها عملا كبيرا بكل معنى الكلمة، لقد جعل من فيلمه أنشودة للجهد والمخاطرة الإنسانية، واحتفالا بالعاطفة المتأججة التي لا تعرف حدودا. وكان النجاح الهائل الذي استقبل به الجمهور هذا الفيلم أكبر نجاح في أوروبا لفيلم من إخراج مخرج عربي.
وإذا ما لخّصنا أهمية مارون بغدادي وسرّ تميزه بين أقرانه من السينمائيين العرب واللبنانيين، فسوف نرى أنه كان أكثرهم تأثرا في أعماله بواقع الحرب في بلده، بل إنه كان بالأحرى، نتاجا لها. ورغم ما قد يشوب بعض هذه الأفلام من سلبيات أو جوانب قصور، إلا أن محصلة عمل بغدادي ظلت تدور بصدق حول موضوعة الانتماء. وكان قد خبر تجربة العمل السياسي المباشر في لبنان، وقد ظل يدور سلبا أو إيجابا حول فكرة الانتماء إلى كيان أكبر من مجرد العشيرة أو الطائفة أو الحزب السياسي. وبما أن لبنان الذي كان يعرفه في الماضي، لم يعد كما كان، كيانا متماسكا ولو من الظاهر، فقد اختار مارون بغدادي الانتماء إلى عالم السينما، يعبر من خلالها عن أفكاره ورؤاه إلى أن رحل في ميتة تراجيدية كأنها مشهد من مشاهد أفلامه الدامية.
....
ناقد سينمائي من مصر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.