البابا تواضروس يستقبل الدكتور يوسف بطرس غالي    نمو مبيعات تويوتا في أمريكا بنسبة 8% خلال العام الماضي    ارتفاع الأسهم الأمريكية في ختام التعاملات    ارتفاع أسعار النفط في ظل خطط أوبك بلس لتثبيت الإنتاج واستمرار الصراع بين روسيا وأوكرانيا    الطيران الإسرائيلى يشن غارات على بلدة الغازية جنوب لبنان    ترامب: لن أحتاج إلى تدخل المشرعين لإعادة القوات الأمريكية إلى فنزويلا    المفوضية الأوروبية تحذر أمريكا من استخدام الأمن القومي كذريعةً لضم جزيرة جرينلاند    خطة ال 18 شهرا، ترامب يرسم خريطة طريق لفنزويلا    وزير الرياضة وأبو ريدة ينقلان رسالة السيسي للاعبي وجهاز منتخب مصر عقب الفوز على بنين    عبدالملك: تاريخ الزمالك يجعله قادرا على تخطي الأزمات    أمم إفريقيا – حسام حسن: هدف صلاح في بنين تتويجا لمجهوده    تفاصيل جلسة الصلح بين طرفي واقعة خطف طفل كفر الشيخ.. صور    شقق لا يستطيع تذكرها، مفاجآت في أقوال شاكر محظور عن مصدر دخله وحجم ثروته الضخمة    سهير المرشدي: أحمد العوضي لازم ياخد باله من كلامه لأن الفنان قدوة    ماجدة زكي وأحمد عيد وهنادي مهنا وركين سعد ضمن نجوم "المتحدة" في رمضان    رسالة الميلاد 2026.. هدايا السماء للبشرية بين الفرح والستر والمحبة    باس راسها، مساعدة محمد رمضان تغير له حذاءه على المسرح في حفل إستاد القاهرة (فيديو)    طريقة عمل طاجن اللحمة بالقراصيا، لذيذ ومشرف في العزومات    مصرع شاب وإصابة 2 آخرين اصطدمت بهم سيارة تسير عكس الاتجاه بشبرا الخيمة    وزير الرياضة وأبو ريدة يجتمعان بمنتخب مصر    برشلونة يحسم صفقة جواو كانسيلو    باختصار.. مندوب أمريكا يدافع عن العملية العسكرية في فنزويلا أمام مجلس الأمن.. ممثل فنزويلا بالأمم المتحدة: بلادنا ضحية عدوان أمريكي بسبب ثرواتها الطبيعية.. الصحة اللبنانية: جريحان إثر غارة إسرائيلية على بريقع    رئيس بيلاروسيا يشيد بتقدم التعاون مع روسيا في مجالات الصناعة والدفاع    "أسوشيتد برس" تنشر مشهدًا تخيليًا لمحاكمة رئيس فنزويلا في نيويورك    التفاصيل الكاملة لحادث وكيل وزارة التموين بالقليوبية في حادث سير    إصابة شاب بطلق ناري في قرية حجازة قبلي جنوب قنا    الداخلية تكشف ملابسات واقعة سائق التوك توك والاعتداء عليه بالقوة    تسريب غاز.. الأجهزة الأمنية تكشف سبب وفاة شاب وفتاة داخل شقة بالتجمع    محافظ الجيزة يزور مقر الكنيسة الإنجيلية بالجيزة للتهنئة بعيد الميلاد المجيد    أسهم النفط الكندية تتراجع مع تصاعد المخاوف الجيوسياسية وتطورات فنزويلا    البنك المركزي يقرر تعطيل العمل بالبنوك يوم 7 يناير بمناسبة عيد الميلاد المجيد    أبرز تصريحات السيسي خلال متابعة تطوير صناعة الاتصالات: الجيل الخامس نقلة نوعية ودعم التصنيع المحلي أولوية وطنية    محمد علي خير يتساءل: ماذا ينتظر المصريون في 2026؟ ومصير خطة الحكومة لخفض الديون    خبير اقتصادي يضع خارطة طريق لخفض المديونية الحكومية وتعزيز الاقتصاد الإنتاجي    دار ليان تشارك بكتاب «نُقص أحسن القصص» ليُمنى عاطف في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026    النجمة السعودى يطلب استعارة مصطفى شوبير من الأهلى    هل يوجد وقت مثالي لتناول فيتامين «ب 12»؟.. خبراء يُجيبون    تعرف على مخاطر ارتفاع الكوليسترول على القلب والدماغ    مجلس الشيوخ يناقش تعديل قانون الضريبة العقارية والحكومة تطمئن المواطنين بشأن الطعون وحدود الإعفاء    بعد إحالته للجنايات.. والدة إحدى التلميذات بقضية اتهام سائق بالتحرش: التحاليل أظهرت آثاره على ملابسهن    بريطانيا: اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس خطوة جديدة نحو وقف القتال في أوكرانيا    الصحة توضح الموقف الوبائي للأمراض التنفسية وتؤكد المتابعة المستمرة والاكتشاف المبكر    أخبار 24 ساعة.. مبادرة حكومية موحدة لتحفيز الاستثمار فى الشركات الناشئة    ذكرى وفاة مها أبو عوف.. أزمات ومحن خبأتها خلف ابتسامتها الشهيرة ترويها شقيقتها    مروان عطية: نسعى لمواصلة مشوارنا في أمم أفريقيا وإسعاد الجماهير    محافظ الجيزة يهنئ الأقباط الإنجيليين بعيد الميلاد المجيد    محافظ الدقهلية: 11.359 ألف خدمة طبية وعلاجية وتثقيفية مجانية من القوافل الطبية المجانية خلال ديسمبر    قطاع الدراسات العليا والبحوث بجامعة أسيوط يُعلن تخصيص منحتين سنويًا لدراسة الدكتوراه    الرئيس والكنيسة وزيارة كل عام    رئيس جامعة كفر الشيخ: العدالة والهدوء المعيار الأساسي لامتحانات الفصل الدراسي الأول    شراكة إعلامية استراتيجية بين مؤسسة الأهرام والتليفزيون المصري    ننشر مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    "العمل": 7293 فرصة عمل جديدة في 12 محافظة    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    الفراعنة على مشارف الربع النهائي.. مباراة مصر وبنين في كأس الأمم الأفريقية 2025    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الأكثر مبيعاً".. صناعة نجوم زائفين أم ترويج مبرر؟
نشر في صوت البلد يوم 14 - 10 - 2020

تثير ظاهرة الكتب "الأكثر مبيعاً"أو "البيست سيللر"كثيراً من علامات الاستفهام الحائرة، سواء في سوق النشر أو في الوسط الثقافي، وتصل إلى حد الغضب والسخرية أحياناً، حين تخلو القوائم من الكتب ذات القيمة الفنية والأدبية.
ما المعايير التي تحكم هذه الظاهرة؟ وهل هي مجرد مؤشر على نشاط تجاري بحت؟ وأخيراً، إلى أي حد يمكن الوثوق بها، في ظل غياب مصادر تتسم بالشفافية والحياد حول الأرقام الحقيقية للمبيعات؟ في هذا التحقيق آراء مجموعة من الكتاب والباحثين المهتمين بهذه الظاهرة.
في البداية، يقول الباحث الكاتب الصحافي سامح فايز، صاحب كتاب "بيست سيللر - حكايات عن القراءة»، إن "ظاهرة البيست سيللر، أو الأكثر مبيعاً، تتضمن كثيراً من الزيف والوهم في عالمنا العربي». فقد تبين له خلال تأليفه الكتاب أن "بعض دور النشر تدفع ما يشبه الرشى في اتفاقيات مالية مع بعض مكتبات التوزيع الشهيرة كي تدرج كتاباً ما في قائمة أكثر الكتب مبيعاً، على غير الحقيقة، بهدف صنع (نجوم) من بعض المؤلفين لاجتذاب شرائح من القراء صغار السن والمراهقين الباحثين عن التسلية».
ويشير فايز إلى أن قوائم الأكثر مبيعاً تلعب دوراً حاسماً في تحديد توجهات القارئ الذي يدخل مكتبة ما، فيجد أن أمامه مئات العناوين التي تسبب له الحيرة، فيسارع بالشراء من قائمة "البيست سيللر». وعلى حد قوله: "أنا محرر متخصص في صناعة الكتب، أتابع بدقة عالم النشر. ومع ذلك، أفاجأ بأسماء مجهولة لمؤلفين ما أنزل الله بهم من سلطان تتصدر قوائم المبيعات!».
أداة ابتزاز
وترى القاصة الروائية رباب كساب أن ظاهرة الكتب الأكثر مبيعاً هي مجرد عملية تسويقية تستهدف بالأساس قارئاً غير متمرس يهتم بالتسلية فقط.
وتقول: "إن البحث عن التسلية السريعة أمر شائع في كل العالم، لكنه يجري في عالمنا العربي على حساب كُتاب يعنيهم فن الأدب بجمالياته ولغته وأسسه، لكن بات بعضهم يقيمهم بأعداد ما وزع من أعمالهم، وهذا أمر غير منصف تماماً، في ظل الوضع المتردي اقتصادياً من ناحية، وارتفاع أسعار الكتب وانخفاض الدخول، وتراجع معدلات القراءة عامة».
وتؤكد صاحبة المجموعة القصصية "بيضاء عاجية وسوداء أبنوسية"أنها لا تثق في قوائم الكتب الأكثر مبيعاً على الإطلاق، مبررة عدم ثقتها بأن بعض دور النشر تطبع بالكثير مائة أو مائة وخمسين نسخة، ثم تقول نفدت الطبعة الأولى، وهكذا تتوالى الطبعات التي لا تعني شيئاً بالمرة، بحيث تزف البشرى لنا في أشهر قليلة بنفاد الطبعة السادسة على سبيل المثال، وبالتالي قد يتصور بعضهم أن هذه الرواية قد باعت عشرات الآلاف من النسخ، في حين أنها لم توزع سوى المئات!
وترى "كساب"في سعي كثير من الكتاب للالتحاق بقطار "الأكثر مبيعاً"بأي شكل تأثراً ببريق فرحة وقتية، مثلما نجد أن كتاباً آخرين يسعون خلف جوائز بعينها، فيكتبون وفق شروط هذه الجوائز، ووفق ذائقة محكميها، وهؤلاء حقيقة يستحقون الشفقة ليس إلا.
وتخلص كساب إلى أن "قوائم الأكثر مبيعاً تستدعي مقارنة ظالمة، حيث يتم اتهام بعض الكتاب بالفشل لأنهم لا يتصدرون قوائم الأكثر مبيعاً! وبقدر ما هو شيء مقزز، فإنه مضحك، فمتى كان الكتاب المعنيون حقاً بالكتابة والأدب هم الأكثر مبيعاً؟ كثير من مبدعينا العظام لم تُعرف قيمة أعمالهم في حياتهم، لكن القيمة الحقيقية هي التي تبقى وتعيش، وليس أدب التسلية والأكثر مبيعاً».
العبرة بالأكثر تأثيراً
من جهته، يدافع الكاتب الصحافي محمد توفيق، رئيس التحرير في دار "ريشة"للنشر والتوزيع، عن ظاهرة الكتب الأكثر مبيعاً، مؤكداً أن أي رواج في سوق الكتب يصب في صالح الحركة الأدبية عموماً، بل إن مجرد النقاش في القضايا الثقافية لهو شيء جيد، بغض النظر عن تقييمنا لكتاب ما، سلباً أو إيجاباً، موضحاً أن أي كاتب يأتي بقارئ جديد إلى عالم القراءة يجب أن نقدر دوره، حتى لو تحول هذا الكاتب إلى مجرد بوابة يدخل من خلالها القارئ إلى عالم الكتب، ثم يتعرف لاحقاً على مؤلفين آخرين أكثر أهمية.
ويعد توفيق أن تهافت دور النشر على المؤلفين ممن لديهم قراء شيء طبيعي، في ضوء أن النشر هو في النهاية تجارة يهدف صاحبها للربح، لكن غير الطبيعي أن يصبح هذه هو المعيار الوحيد لتقييم الكاتب، لافتاً إلى أن هذا التقييم يتسبب في النهاية في ابتعاد كثير من الكُتاب الحقيقيين عن الكتابة، بينما يتصدر سوق الكتب بعض مشاهير "السوشيال ميديا»، ممن لا علاقة لهم بالكتابة الحقيقية.
ويستغرب توفيق الهجوم على قوائم الأكثر مبيعاً، قائلاً: "هي قوائم ترويجية بالأساس، هدفها زيادة الإقبال على شراء كتب بعينها، لكن هناك بالتأكيد كُتاب كبار يحتلون قوائم الأكثر مبيعاً على أرض الواقع قبل أرفف المكتبات، وهناك كتب مهمة عظيمة بين الأكثر مبيعاً، وبالتالي لا أفهم سر الهجوم على أي كتاب لمجرد أنه بين الأكثر مبيعاً، وكأن هذا عيباً في الكتاب، بينما هي ميزة حتى لو كانت هناك بعض الكتب غير الجيدة في تلك القائمة، فمع الوقت ستزول».
ويضيف توفيق: "بعضهم يستخدم مصطلح الأكثر مبيعاً وكأنه وصل بالفعل لقمة الهرم، رغم أن عدداً كبيراً من كبار الأدباء في تاريخ الوطن العربي لم يكونوا من الأكثر مبيعاً، وعلى رأسهم الأديب العالمي نجيب محفوظ الذي كان يسبقه في المبيعات عدد هائل من المؤلفين، معظمهم لا يتذكره أحد الآن، فالعبرة ليست بالأكثر مبيعاً، وإنما العبرة بالأكثر تأثيراً».
شاهد من أهلها
الكاتب الروائي باسم شرف له كتاب في أدب الرسائل، بعنوان "يا سلمى أنا الآن وحيد»، صنف طويلاً ضمن قوائم الأكثر مبيعاً. ويقول شرف إن "دار النشر، مثل أي شركة، تحتاج لمكسب، وتحتاج لجماهير. كما أن بعض الكتاب صاروا نجوماً، ولديهم قراء، وبالتالي من الطبيعي أن تتهافت دور النشر على هؤلاء الكتاب»، مشيراً إلى أن القيمة نسبية جداً، فهناك أعمال بسيطة للغاية تقدم للناشئين وتنجح، وليس من الصواب الهجوم عليها لأن هذه النوعية من الكتابات تستهدف نوعية مختلفة من القراء غير منشغلة بالعمق أو القيمة.
وحول كتابه، يقول: "حظي بمبيعات كبيرة وطبعات كثيرة، لكني بعده قدمت رواية (جرسون)، ففوجئت بانخفاض حاد في المبيعات، مقارنة بالكتاب السابق، والسبب يعود إلى طريقة السرد التي لم يتقبلها القراء الباحثون عن لغة خفيفة وبناء بسيط للغاية». ورغم ذلك، يرفض باسم الوثوق في قوائم "الأكثر مبيعاً»، في ظل عدم وجود مصادر محايدة ذات مصداقية لمبيعات الكتب في معظم البلدان العربية، موضحاً أن بعض دور النشر تطبع نسخاً قليلة، وتعلن نجاح الكتاب. لكن في النهاية، الكذب لن يصنع بطولة ولا نجاحاً، مهما أوهمتنا دور النشر بعدد زائف من الطبعات!
ويشدد باسم شرف على أهمية الوصول للقراء، من حيث تسويق العمل بشكل حديث لافت، مثل أي منتج فني، فلا يوجد فيلم سينمائي ينزل السوق دون ملصق دعائي أو إعلانات، فلماذا لا يفكر الكاتب مع دار النشر في خطط للتسويق بهذه العقلية؟
ظاهرة طبيعية
ورغم أن الكاتبة نهى محمود لم يصل أي من أعمالها لقوائم الأكثر مبيعاً، فإنها لا تنظر للظاهرة بغضب، حيث تعدها ظاهرة عالمية، في كل دور النشر والمكتبات، فهي متعلقة بحركة البيع والشراء، ولا علاقة لها بالقيمة الأدبية. ومع ذلك، فأي حراك هو بالأخير لصالح صناعة الكتاب.
وبحسب نهى محمود، فإن المشكلة تتمثل في المسؤول عن تقييم كتاب "البيست سيللر»، حيث هناك كتب تقدم متعة حقيقية، حتى لو اختلفنا في قيمة النوع الذي تقدمه، بينما هناك كتب ضعيفة في كل شيء، كالمحتوى واللغة، ومع ذلك نراها تغرق الأرصفة والمكتبات بأرقام طبعات كبيرة، معتبرة أن قوائم الأكثر مبيعاً، مثلها مثل القوائم القصيرة للجوائز الثقافية، فهي طريقة لإلقاء الضوء على الأعمال، وليس هناك ضمان لأن تحب كل ما ترشحه لك قوائم جائزة "البوكر"مثلاً، أو مرشحي وفائزي "نوبل"كل عام، وكذلك ليس هناك تأكيد لأن قوائم الأكثر مبيعاً هي المعيار الحقيقي لجودة الكتاب.
وحول سعي كثير من الكتاب للالتحاق بركب "الأكثر مبيعاً"بأي شكل، توضح نهى أن كل كاتب هدفه، بعد متعة الكتابة، أن يلقى ما كتبه رواجاً، ويتم رؤية تجربته وتقييمها بشكل عادل.
ولا ترى صاحبة رواية "سيرة توفيق الشهير بتوتو"أن مصطلح "الأكثر مبيعاً"يشكل بحد ذاته أداة ابتزاز في الوسط الأدبي، فأكثر الكتاب على قائمة المبيعات يتم انتقاد أعمالهم. كما يتحدث كثيرون عن كرههم لنوعية أدب "البوب آرت»، أو عدم جدية الأدب البوليسي أو الرومانسي، رغم رواج أسماء كثيرة في هذه الأنواع. الظاهرة التي تستحق التوقف عندها تتمثل في وجود عداء ظاهر، وأحياناً يبدو غير مبرر، لكتّاب "البيست سيللر»، ويتم غض الطرف عن حقيقة أن هناك كتباً قيمة جداً تلقى رواجاً، وتبقى على قوائم الأكثر مبيعاً لأشهر، ما يعد بكل الأحوال ظاهرة جيدة، حتى إن شابها بعض المجاملات.
تثير ظاهرة الكتب "الأكثر مبيعاً"أو "البيست سيللر"كثيراً من علامات الاستفهام الحائرة، سواء في سوق النشر أو في الوسط الثقافي، وتصل إلى حد الغضب والسخرية أحياناً، حين تخلو القوائم من الكتب ذات القيمة الفنية والأدبية.
ما المعايير التي تحكم هذه الظاهرة؟ وهل هي مجرد مؤشر على نشاط تجاري بحت؟ وأخيراً، إلى أي حد يمكن الوثوق بها، في ظل غياب مصادر تتسم بالشفافية والحياد حول الأرقام الحقيقية للمبيعات؟ في هذا التحقيق آراء مجموعة من الكتاب والباحثين المهتمين بهذه الظاهرة.
في البداية، يقول الباحث الكاتب الصحافي سامح فايز، صاحب كتاب "بيست سيللر - حكايات عن القراءة»، إن "ظاهرة البيست سيللر، أو الأكثر مبيعاً، تتضمن كثيراً من الزيف والوهم في عالمنا العربي». فقد تبين له خلال تأليفه الكتاب أن "بعض دور النشر تدفع ما يشبه الرشى في اتفاقيات مالية مع بعض مكتبات التوزيع الشهيرة كي تدرج كتاباً ما في قائمة أكثر الكتب مبيعاً، على غير الحقيقة، بهدف صنع (نجوم) من بعض المؤلفين لاجتذاب شرائح من القراء صغار السن والمراهقين الباحثين عن التسلية».
ويشير فايز إلى أن قوائم الأكثر مبيعاً تلعب دوراً حاسماً في تحديد توجهات القارئ الذي يدخل مكتبة ما، فيجد أن أمامه مئات العناوين التي تسبب له الحيرة، فيسارع بالشراء من قائمة "البيست سيللر». وعلى حد قوله: "أنا محرر متخصص في صناعة الكتب، أتابع بدقة عالم النشر. ومع ذلك، أفاجأ بأسماء مجهولة لمؤلفين ما أنزل الله بهم من سلطان تتصدر قوائم المبيعات!».
أداة ابتزاز
وترى القاصة الروائية رباب كساب أن ظاهرة الكتب الأكثر مبيعاً هي مجرد عملية تسويقية تستهدف بالأساس قارئاً غير متمرس يهتم بالتسلية فقط.
وتقول: "إن البحث عن التسلية السريعة أمر شائع في كل العالم، لكنه يجري في عالمنا العربي على حساب كُتاب يعنيهم فن الأدب بجمالياته ولغته وأسسه، لكن بات بعضهم يقيمهم بأعداد ما وزع من أعمالهم، وهذا أمر غير منصف تماماً، في ظل الوضع المتردي اقتصادياً من ناحية، وارتفاع أسعار الكتب وانخفاض الدخول، وتراجع معدلات القراءة عامة».
وتؤكد صاحبة المجموعة القصصية "بيضاء عاجية وسوداء أبنوسية"أنها لا تثق في قوائم الكتب الأكثر مبيعاً على الإطلاق، مبررة عدم ثقتها بأن بعض دور النشر تطبع بالكثير مائة أو مائة وخمسين نسخة، ثم تقول نفدت الطبعة الأولى، وهكذا تتوالى الطبعات التي لا تعني شيئاً بالمرة، بحيث تزف البشرى لنا في أشهر قليلة بنفاد الطبعة السادسة على سبيل المثال، وبالتالي قد يتصور بعضهم أن هذه الرواية قد باعت عشرات الآلاف من النسخ، في حين أنها لم توزع سوى المئات!
وترى "كساب"في سعي كثير من الكتاب للالتحاق بقطار "الأكثر مبيعاً"بأي شكل تأثراً ببريق فرحة وقتية، مثلما نجد أن كتاباً آخرين يسعون خلف جوائز بعينها، فيكتبون وفق شروط هذه الجوائز، ووفق ذائقة محكميها، وهؤلاء حقيقة يستحقون الشفقة ليس إلا.
وتخلص كساب إلى أن "قوائم الأكثر مبيعاً تستدعي مقارنة ظالمة، حيث يتم اتهام بعض الكتاب بالفشل لأنهم لا يتصدرون قوائم الأكثر مبيعاً! وبقدر ما هو شيء مقزز، فإنه مضحك، فمتى كان الكتاب المعنيون حقاً بالكتابة والأدب هم الأكثر مبيعاً؟ كثير من مبدعينا العظام لم تُعرف قيمة أعمالهم في حياتهم، لكن القيمة الحقيقية هي التي تبقى وتعيش، وليس أدب التسلية والأكثر مبيعاً».
العبرة بالأكثر تأثيراً
من جهته، يدافع الكاتب الصحافي محمد توفيق، رئيس التحرير في دار "ريشة"للنشر والتوزيع، عن ظاهرة الكتب الأكثر مبيعاً، مؤكداً أن أي رواج في سوق الكتب يصب في صالح الحركة الأدبية عموماً، بل إن مجرد النقاش في القضايا الثقافية لهو شيء جيد، بغض النظر عن تقييمنا لكتاب ما، سلباً أو إيجاباً، موضحاً أن أي كاتب يأتي بقارئ جديد إلى عالم القراءة يجب أن نقدر دوره، حتى لو تحول هذا الكاتب إلى مجرد بوابة يدخل من خلالها القارئ إلى عالم الكتب، ثم يتعرف لاحقاً على مؤلفين آخرين أكثر أهمية.
ويعد توفيق أن تهافت دور النشر على المؤلفين ممن لديهم قراء شيء طبيعي، في ضوء أن النشر هو في النهاية تجارة يهدف صاحبها للربح، لكن غير الطبيعي أن يصبح هذه هو المعيار الوحيد لتقييم الكاتب، لافتاً إلى أن هذا التقييم يتسبب في النهاية في ابتعاد كثير من الكُتاب الحقيقيين عن الكتابة، بينما يتصدر سوق الكتب بعض مشاهير "السوشيال ميديا»، ممن لا علاقة لهم بالكتابة الحقيقية.
ويستغرب توفيق الهجوم على قوائم الأكثر مبيعاً، قائلاً: "هي قوائم ترويجية بالأساس، هدفها زيادة الإقبال على شراء كتب بعينها، لكن هناك بالتأكيد كُتاب كبار يحتلون قوائم الأكثر مبيعاً على أرض الواقع قبل أرفف المكتبات، وهناك كتب مهمة عظيمة بين الأكثر مبيعاً، وبالتالي لا أفهم سر الهجوم على أي كتاب لمجرد أنه بين الأكثر مبيعاً، وكأن هذا عيباً في الكتاب، بينما هي ميزة حتى لو كانت هناك بعض الكتب غير الجيدة في تلك القائمة، فمع الوقت ستزول».
ويضيف توفيق: "بعضهم يستخدم مصطلح الأكثر مبيعاً وكأنه وصل بالفعل لقمة الهرم، رغم أن عدداً كبيراً من كبار الأدباء في تاريخ الوطن العربي لم يكونوا من الأكثر مبيعاً، وعلى رأسهم الأديب العالمي نجيب محفوظ الذي كان يسبقه في المبيعات عدد هائل من المؤلفين، معظمهم لا يتذكره أحد الآن، فالعبرة ليست بالأكثر مبيعاً، وإنما العبرة بالأكثر تأثيراً».
شاهد من أهلها
الكاتب الروائي باسم شرف له كتاب في أدب الرسائل، بعنوان "يا سلمى أنا الآن وحيد»، صنف طويلاً ضمن قوائم الأكثر مبيعاً. ويقول شرف إن "دار النشر، مثل أي شركة، تحتاج لمكسب، وتحتاج لجماهير. كما أن بعض الكتاب صاروا نجوماً، ولديهم قراء، وبالتالي من الطبيعي أن تتهافت دور النشر على هؤلاء الكتاب»، مشيراً إلى أن القيمة نسبية جداً، فهناك أعمال بسيطة للغاية تقدم للناشئين وتنجح، وليس من الصواب الهجوم عليها لأن هذه النوعية من الكتابات تستهدف نوعية مختلفة من القراء غير منشغلة بالعمق أو القيمة.
وحول كتابه، يقول: "حظي بمبيعات كبيرة وطبعات كثيرة، لكني بعده قدمت رواية (جرسون)، ففوجئت بانخفاض حاد في المبيعات، مقارنة بالكتاب السابق، والسبب يعود إلى طريقة السرد التي لم يتقبلها القراء الباحثون عن لغة خفيفة وبناء بسيط للغاية». ورغم ذلك، يرفض باسم الوثوق في قوائم "الأكثر مبيعاً»، في ظل عدم وجود مصادر محايدة ذات مصداقية لمبيعات الكتب في معظم البلدان العربية، موضحاً أن بعض دور النشر تطبع نسخاً قليلة، وتعلن نجاح الكتاب. لكن في النهاية، الكذب لن يصنع بطولة ولا نجاحاً، مهما أوهمتنا دور النشر بعدد زائف من الطبعات!
ويشدد باسم شرف على أهمية الوصول للقراء، من حيث تسويق العمل بشكل حديث لافت، مثل أي منتج فني، فلا يوجد فيلم سينمائي ينزل السوق دون ملصق دعائي أو إعلانات، فلماذا لا يفكر الكاتب مع دار النشر في خطط للتسويق بهذه العقلية؟
ظاهرة طبيعية
ورغم أن الكاتبة نهى محمود لم يصل أي من أعمالها لقوائم الأكثر مبيعاً، فإنها لا تنظر للظاهرة بغضب، حيث تعدها ظاهرة عالمية، في كل دور النشر والمكتبات، فهي متعلقة بحركة البيع والشراء، ولا علاقة لها بالقيمة الأدبية. ومع ذلك، فأي حراك هو بالأخير لصالح صناعة الكتاب.
وبحسب نهى محمود، فإن المشكلة تتمثل في المسؤول عن تقييم كتاب "البيست سيللر»، حيث هناك كتب تقدم متعة حقيقية، حتى لو اختلفنا في قيمة النوع الذي تقدمه، بينما هناك كتب ضعيفة في كل شيء، كالمحتوى واللغة، ومع ذلك نراها تغرق الأرصفة والمكتبات بأرقام طبعات كبيرة، معتبرة أن قوائم الأكثر مبيعاً، مثلها مثل القوائم القصيرة للجوائز الثقافية، فهي طريقة لإلقاء الضوء على الأعمال، وليس هناك ضمان لأن تحب كل ما ترشحه لك قوائم جائزة "البوكر"مثلاً، أو مرشحي وفائزي "نوبل"كل عام، وكذلك ليس هناك تأكيد لأن قوائم الأكثر مبيعاً هي المعيار الحقيقي لجودة الكتاب.
وحول سعي كثير من الكتاب للالتحاق بركب "الأكثر مبيعاً"بأي شكل، توضح نهى أن كل كاتب هدفه، بعد متعة الكتابة، أن يلقى ما كتبه رواجاً، ويتم رؤية تجربته وتقييمها بشكل عادل.
ولا ترى صاحبة رواية "سيرة توفيق الشهير بتوتو"أن مصطلح "الأكثر مبيعاً"يشكل بحد ذاته أداة ابتزاز في الوسط الأدبي، فأكثر الكتاب على قائمة المبيعات يتم انتقاد أعمالهم. كما يتحدث كثيرون عن كرههم لنوعية أدب "البوب آرت»، أو عدم جدية الأدب البوليسي أو الرومانسي، رغم رواج أسماء كثيرة في هذه الأنواع. الظاهرة التي تستحق التوقف عندها تتمثل في وجود عداء ظاهر، وأحياناً يبدو غير مبرر، لكتّاب "البيست سيللر»، ويتم غض الطرف عن حقيقة أن هناك كتباً قيمة جداً تلقى رواجاً، وتبقى على قوائم الأكثر مبيعاً لأشهر، ما يعد بكل الأحوال ظاهرة جيدة، حتى إن شابها بعض المجاملات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.