رئيس الطائفة الإنجيلية يشارك في احتفال رأس السنة الميلادية بكنيسة مصر الجديدة    رئيس البورصة المصرية: أغلب الشركات أبدوا موافقة على قرار مد التداول لنصف ساعة إضافية    سوريا.. قتيل وإصابات في صفوف الأمن بانتحاري يستهدف دورية في حلب    مواعيد مباريات دور ال 16 بأمم أفريقيا 2025    مصرع وإصابة 4 أشخاص في حادث بقنا    أحمد السقا عن سليمان عيد: مقدرتش أدفنه    ختام أنشطة البرنامج التدريبى للطاقة الشمسية فى بنبان بأسوان    محافظ الأقصر يسير على كورنيش النيل لمسافة 5 كيلومترات لمشاركة المواطنين استقبال العام الميلادي الجديد    خالد عكاشة: مصر أنجزت السلام بجهد وطني خالص وتدير أزمات الإقليم بصلابة    الرئيس الإيراني يدعو إلى التضامن بدلا من الاحتجاجات    خلال مشاركته المحتفلين بالعام الجديد في احتفالية شركة العاصمة الجديدة رئيس الوزراء يؤكد لدينا مؤشرات إيجابية تُبشر بسنوات من التقدم والتنمية    مدير التربية والتعليم يتفقد ورش تدريب المعلمين الجدد بالإسكندرية | صور    حبس الأب وصديقه فى واقعة خطف طفل بكفر الشيخ وعرضهما غدا على محكمة الجنح    رئيس جامعة كفر الشيخ يتفقد مطعم المدن الجامعية للاطمئنان على جودة التغذية| صور    أحمد السقا يحسم الجدل حول عودته لطليقته مها الصغير    إليسا ب حفل العاصمة الجديدة: أحلى ليلة رأس السنة مع الشعب المصرى.. صور    أم الدنيا    الإفتاء: الدعاءُ في آخر العام بالمغفرة وفي أولِه بالإعانة من جملة الدعاء المشروع    مستشفيات جامعة بني سويف: إنقاذ مريضة مصابة بورم خبيث في بطانة الرحم والمبيض    محافظ الجيزة: أسواق اليوم الواحد حققت نجاحًا كبيرًا وافتتاح سوق جديد بإمبابة الأسبوع المقبل    كاف يعلن الاحتكام للقرعة لحسم صدارة المجموعة السادسة بأمم أفريقيا    28 يناير.. الحكم على طالبات مشاجرة مدرسة التجمع    كنوز| «الضاحك الباكي» يغرد في حفل تكريم كوكب الشرق    العثور على جثة شخص أمام مسجد عبد الرحيم القنائي بقنا    العملة الإيرانية تهوي إلى أدنى مستوى تاريخي وتفاقم الضغوط على الأسواق    معتز التوني عن نجاح بودكاست فضفضت أوي: القصة بدأت مع إبراهيم فايق    عن اقتصاد السّوق واقتصاديات السُّوء    إكسترا نيوز: التصويت بانتخابات النواب يسير بسلاسة ويسر    هل يجوز الحرمان من الميراث بسبب الجحود أو شهادة الزور؟.. أمين الفتوى يجيب    ظهور مميز ل رامز جلال من داخل الحرم المكي    أمم أفريقيا 2025| انطلاق مباراة السودان وبوركينا فاسو    صلاح يواصل استعداداته لمواجهة بنين في ثمن نهائي أمم أفريقيا 2025    وزير «الصحة» يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لإحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد    خالد الجندي: الله يُكلم كل عبد بلغته يوم القيامة.. فيديو    "التعليم الفلسطينية": 7486 طالبًا استشهدوا في غزة والضفة الغربية منذ بداية 2025    وزير الصحة يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لاحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد المجيد    الداخلية تضبط تشكيلًا عصابيًا للنصب بانتحال صفة موظفي بنوك    بشرى سارة لأهالي أبو المطامير: بدء تنفيذ مستشفي مركزي على مساحة 5 أفدنة    حصاد 2025.. جامعة العاصمة ترسخ الوعي الوطني من خلال حصادًا نوعيًا للأنشطة العسكرية والتثقيفية    ذات يوم 31 ديسمبر 1915.. السلطان حسين كامل يستقبل الطالب طه حسين.. اتهامات لخطيب الجمعة بالكفر لإساءة استخدامه سورة "عبس وتولى" نفاقا للسلطان الذى قابل "الأعمى"    دون أي مجاملات.. السيسي: انتقاء أفضل العناصر للالتحاق بدورات الأكاديمية العسكرية المصرية    حصاد 2025| منتخب مصر يتأهل للمونديال ويتألق في أمم أفريقيا.. ووداع كأس العرب النقطة السلبية    دينيس براون: الأوضاع الإنسانية الراهنة في السودان صادمة للغاية    إيمري يوضح سبب عدم مصافحته أرتيتا بعد رباعية أرسنال    إجازة السبت والأحد لطلاب مدارس جولة الإعادة في انتخابات النواب بأسوان    وزارة الصحة: صرف الألبان العلاجية للمصابين بأمراض التمثيل الغذائى بالمجان    إصابة 8 عاملات في حادث انقلاب ميكروباص بالطريق الصحراوي القاهرة–الإسكندرية بالبحيرة    صقور الجديان في مهمة الفوز.. السودان يواجه بوركينا فاسو اليوم في كأس أمم إفريقيا 2025    "القومي للمسرح" يطلق مبادرة"2026.. عامًا للاحتفاء بالفنانين المعاصرين"    السودان يواجه بوركينا فاسو في مباراة حاسمة.. صقور الجديان يسعون للوصافة بكأس أمم إفريقيا    السودان وبوركينا فاسو في مواجهة حاسمة بكأس أمم إفريقيا 2025.. تعرف على موعد المباراة والقنوات الناقلة    رابط التقديم للطلاب في المدارس المصرية اليابانية للعام الدراسي 2026/2027.. يبدأ غدا    محافظ أسيوط: عام 2025 شهد تقديم أكثر من 14 مليون خدمة طبية للمواطنين بالمحافظة    «اتصال» وImpact Management توقعان مذكرة تفاهم لدعم التوسع الإقليمي لشركات تكنولوجيا المعلومات المصرية    قصف وإطلاق نار اسرائيلي يستهدف مناطق بقطاع غزة    مصرع طفل صدمه قطار أثناء عبوره مزلقان العامرية بالفيوم    توتر متصاعد في البحر الأسود بعد هجوم مسيّرات على ميناء توابسه    رضوى الشربيني عن قرار المتحدة بمقاطعة مشاهير اللايفات: انتصار للمجتهدين ضد صناع الضجيج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"ذهب مع الريح" يمنع تلفزيونيا بتهمة العنصرية
نشر في صوت البلد يوم 12 - 06 - 2020

أكثر من 80 سنة على إنتاجه وعرضه في الصالات وتحوله إلى أكثر فيلم تحقيقاً للإيرادات (بحسابات فرق التضخّم)، عاد فيلم "ذهب مع الريح" للمخرج فيكتور فليمينغ إلى الواجهة. تحفة السينما الأميركية هي اليوم، نجمة وسائط التواصل الاجتماعي، وتصدّرت كلّ الأخبار الفنية والثقافية، وذلك بعدما أقدمت شبكة تلفزيون HBO Max على سحب الفيلم من جدول برامجها، بحجّة أنه ينطوي على فصول معادية للأميركيين من أصول أفريقية الذين كانوا يعيشون في الجنوب، خلال الحرب الأهلية الأميركية، وتُعتبر، بمعايير اليوم، عنصرية.
"ذهب مع الريح" يُعد أهم رابع فيلم أميركي بحسب قائمة أعدّها "معهد الفيلم الأميركي". استفتاءات شعبية عدة على مر الزمن وضعت الفيلم على رأس قائمة الأفلام المفضّلة لدى الأميركيين. إلا أن كثراً من الأكاديميين يعتبرونه عملاً يحرّف التاريخ ولا يرد الاعتبار بشكل كاف إلى ضحايا العبودية. اتهامات بالعنصرية لم تفلت منها أيضاً أفلام مثل "مولد أمة" لغريفيث ووسترنات لجون فورد.
ردا على مقتل فلويد
القناة سحبت الفيلم من خدمة البثّ الخاصة بها، تنفيذاً لقرار يأتي في أعقاب الاحتجاجات العنيفة التي عمت المدن الأميركية بعد مقتل جورج فلويد خنقاً تحت قدم شرطي أبيض في مينيابوليس، جريمة حملت طابعاً عنصرياً وأغضبت الشارع الأميركي، فقامت انتفاضة شعبية واسعة النطاق ترفع شعار "حياة السود مهمة"، حتى أن بعض التماثيل في الأماكن العامة، التي تجسّد شخصيات تاريخية ارتبطت بتجارة الرقّ لم تفلت من غضب المحتجين، فتم إنزالها من قاعدتها وأُلقيت في النهر.
"ذهب مع الريح" عمل سينمائي أشهر من أن يُعرَّف، مقتبس من رواية شهيرة بالعنوان نفسه لمارغريت ميتشل، صدرت في العام 1936، وتروي فصولاً من سيرة سكارليت أوهارا، ابنة عائلة ثرية من الجنوب تدير مزرعة قطن إبان الحرب الأهلية الأميركية (1861 -1865). في مقدّمة الفيلم هناك قصّة حب، إلا أن السياق الذي تدور فيه الأحداث يضطلع بدور مهم في تشكيل ملامح الحكاية. مشكلة البعض مع هذا الفيلم هي أنه ممعن في الرومانسية، ويقارب موضوع العبودية بشيء من التهميش. مشكلة أخرى تبرز أيضاً عند المنتقدين: ادعاء الرواية بأن النضال كان من أجل استقلالية الجنوب السياسية المهددة من قبل الشمال، لا لأن الجنوب كان متمسكاً بالعبودية، وهذا في ذاته، بحسب البعض، تشويه للتاريخ.
طمس التاريخ
لكن، هل هذا يبرر طمس التاريخ؟ فهناك الكثير من الأفلام التاريخية التي تقدّم قراءات غير موضوعية لأحداث تاريخية تعود إلى أزمنة غابرة، ولا يتفق عليها الجميع، فهل يجوز تهميشها؟ ومَن يحق له أصلاً ممارسة هذه الوصاية الفنية على الآخرين؟ ربما لو لم يتعلق الأمر بملحمة سينمائية ذائعة الصيت ك "ذهب مع الريح" لما اهتم أحد بهذا الخبر. لكننا أمام فيلم كبير يعتبره النقّاد السينمائيون ذروة الفنّ الكلاسيكي، وقد تربت عليه أجيال عدة في جميع أنحاء العالم، وهو قبل أي شيء آخر، نصّ سينمائي ممتاز إخراجاً وتصويراً وتمثيلاً وموسيقى، فاز بعشر جوائز "أوسكار"، منها جائزة أفضل ممثّلة في دور ثانوي لهاتي ماكدانيال عن دور الخادمة السوداء التي اضطلعت به في الفيلم، لتصبح أول ممثّلة سوداء تنال هذه الجائزة.
في رأي HBO Max أن الفيلم الذي يصوّر المظالم العرقية التي كانت شائعة في أميركا، كان مناسباً بلا شك للحقبة التي أُنتج فيها، لكن المفاهيم اليوم تغيرت والعالم تطور والكثير ممّا كان مقبولاً في الماضي يحتاج اليوم إلى شرح كي لا يؤخذ كشيء بديهي. أما الأقليات المهمّشة فلم تعد كذلك؛ بات لها دور فعال داخل المجتمع. من هنا، جاء الشعور بأن إبقاء هذا الفيلم داخل البرمجة الخاصة بالقناة، من دون الإحاطة بتفسير أو تنديد بتلك الممارسات هو أمر غير مسؤول، علماً أن الفيلم سيُعرض من جديد على الشبكة مصحوباً بمناقشة لسياقه التاريخي تحمل إدانة واضحة وصريحة للعنصرية. إذاً، إنها محاولة لإعادة وضع الفيلم في سياقه التاريخي والزمني، ولا يمكن وصف الخطوة التي أقدمت عليها المحطة بالرقابة.
مزايدة فولكلورية
كثر من المعلّقين على الحدث، وربما أكون منهم، اعتبروا ممارسة كهذه تدليساً سياسياً ومزايدة فولكلورية لا فائدة منها سوى الخضوع للعبة الليبراليين، وفي أفضل حال بلوغ مستويات جديدة من تطبيق ما بات يُعرف بالصوابية السياسية، خصوصاً أن الفيلم عن حقبة ماضية، لا يكمن نكران ما حصل فيها، وهو لا يدعو، كما يدعي البعض، إلى العبودية، بل يعرضها ويصفها. هناك حتى مَن ذهب أبعد من هذا في الاتهام، واعتبر أن المسألة برمتها تقع في خانة التجاذبات السياسية بين الديمقراطيين والجمهوريين، عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية (نوفمبر - تشرين الثاني 2020)، مذكّراً بكلام الرئيس دونالد ترمب بعد فوز "بارازيت" بجائزة ال"أوسكار"، حيث قال إن على الأميركيين أن ينجزوا أفلاماً على نسق "ذهب مع الريح". فهل يُمكن النظر إلى سحب الفيلم كنوع من تصفية حساب مع رئيس بات كثر من الأميركيين يبغضونه وينتظرون رحيله؟
أياً يكن، فأميركا، ومعها بعض الدول الأوروبية، تحاول منذ بضع سنوات إعادة النظر في تاريخها غير المشرف أحياناً، لكتابته من جديد، فتشكيل وعي يليق بالإنسان في القرن الحادي والعشرين. إنسان يستطيع أن يعيش مع الآخر بسلام ووئام. والفنّ، هو المتهم الأول والضحية الرئيسية في هذه المعركة الجديدة، كي لا نقول إنه كبش محرقة. فهل يجوز العبث بالأعمال القديمة التي هي وليدة زمنها، وشاهدة على فترة محددة، وإن كانت شاهدة زور أحياناً. وهل تحطيم الأصنام، سيحسّن الحاضر؟ ثم، في هذا الزمن الذي تغلب عليه الصوابية السياسية، هل من المنطقي الدعوة إلى أن تشارك جهات عدة في كتابة سيناريو أي فيلم، كي تتمثّل من خلاله كلّ الأقليات. أي فنّ سيولد من هذا المنطق القائم على المحاصصة؟
وصاية سياسية
في أي حال، تبيّن في الفترة الأخيرة، أن وصاية الصوابية السياسية على الفنّ أخطر بأشواط من وصاية السلطات التقليدية. السلطة يمكن الوصول معها إلى تفاهم أو الالتفاف على محظوراتها، وفي أسوأ الأحوال المراهنة على تبدّل مصالحها. أما الصوابية السياسية فيبدو أنها في الطريق إلى صوغ الذوق المعولم الجديد، وصولاً إلى أن تصبح المرجعية الأخلاقية الوحيدة في هذا الزمن. فسنتعاطى حينها مع فنّ مساوم يرضي الجميع، فنّ بلا لون أو "طعم".
وبحسب جون ريدلي، كاتب السيناريو الذي وضع نصّ "12 سنة عبداً" لستيف ماكوين، يمجّد الفيلم الجنوب قبل اندلاع الحرب الأهلية. لا يتجاهل فقط الرعب المرتبط بالعبودية في تلك الفترة، بل وأيضاً فيه الكثير من التنميط في حقّ الناس الملونين. أما المخرج الأفرو أميركي سبايك لي الذي لطالما روى سيرة نضال أبناء جلدته على الشاشة، فيقول إن "ذهب مع الريح" هو أحد دوافع استمرار العقلية العنصرية عند الأميركيين، ذلك أنه يقارب الجنوب الأميركي والعبودية من باب الرومانسية، ومن خلال القول إن لا علاقة بين الحرب الأهلية والعبودية. في نظره، أن في أفلام كهذه تكمن القوة الناعمة للسينما كأداة توظيف. الفكرة النمطية كلما تكررت، ترسّخت أكثر في الأذهان، لتتحوّل أخيراً إلى حقيقة. يرى سبايك لي أن "ذهب مع الريح" ليس الفيلم الوحيد الذي يندرج في هذا التقليد الذي أضرّ بالأميركيين من أصول أفريقية كثيراً.
من سخرية القدر أن الطلب على الفيلم على موقع "أمازون" ازداد مند انتشار خبر سحب الفيلم من HBO Max، ليبلغ المرتبة الأولى في قائمة الأكثر طلباً. وقد يكون هذا درساً للوبيات التي تحرك قضايا لا قيمة لها في زمن كورونا والضائقة الاقتصادية، وتحاول فرض مفاهيمها الخاصة، وهي غالباً مفاهيم ضيقة، على الفنّ وعلى كلّ شيء لا يتماشى مع أجندتها السياسية ونظرتها إلى الأخلاق. لكن في دول قائمة على مؤسسات وعلى تقديس حرية الرأي، لا يعدو الأمر أحياناً أكثر من ضجّة أعلامية مفتعلة.
أكثر من 80 سنة على إنتاجه وعرضه في الصالات وتحوله إلى أكثر فيلم تحقيقاً للإيرادات (بحسابات فرق التضخّم)، عاد فيلم "ذهب مع الريح" للمخرج فيكتور فليمينغ إلى الواجهة. تحفة السينما الأميركية هي اليوم، نجمة وسائط التواصل الاجتماعي، وتصدّرت كلّ الأخبار الفنية والثقافية، وذلك بعدما أقدمت شبكة تلفزيون HBO Max على سحب الفيلم من جدول برامجها، بحجّة أنه ينطوي على فصول معادية للأميركيين من أصول أفريقية الذين كانوا يعيشون في الجنوب، خلال الحرب الأهلية الأميركية، وتُعتبر، بمعايير اليوم، عنصرية.
"ذهب مع الريح" يُعد أهم رابع فيلم أميركي بحسب قائمة أعدّها "معهد الفيلم الأميركي". استفتاءات شعبية عدة على مر الزمن وضعت الفيلم على رأس قائمة الأفلام المفضّلة لدى الأميركيين. إلا أن كثراً من الأكاديميين يعتبرونه عملاً يحرّف التاريخ ولا يرد الاعتبار بشكل كاف إلى ضحايا العبودية. اتهامات بالعنصرية لم تفلت منها أيضاً أفلام مثل "مولد أمة" لغريفيث ووسترنات لجون فورد.
ردا على مقتل فلويد
القناة سحبت الفيلم من خدمة البثّ الخاصة بها، تنفيذاً لقرار يأتي في أعقاب الاحتجاجات العنيفة التي عمت المدن الأميركية بعد مقتل جورج فلويد خنقاً تحت قدم شرطي أبيض في مينيابوليس، جريمة حملت طابعاً عنصرياً وأغضبت الشارع الأميركي، فقامت انتفاضة شعبية واسعة النطاق ترفع شعار "حياة السود مهمة"، حتى أن بعض التماثيل في الأماكن العامة، التي تجسّد شخصيات تاريخية ارتبطت بتجارة الرقّ لم تفلت من غضب المحتجين، فتم إنزالها من قاعدتها وأُلقيت في النهر.
"ذهب مع الريح" عمل سينمائي أشهر من أن يُعرَّف، مقتبس من رواية شهيرة بالعنوان نفسه لمارغريت ميتشل، صدرت في العام 1936، وتروي فصولاً من سيرة سكارليت أوهارا، ابنة عائلة ثرية من الجنوب تدير مزرعة قطن إبان الحرب الأهلية الأميركية (1861 -1865). في مقدّمة الفيلم هناك قصّة حب، إلا أن السياق الذي تدور فيه الأحداث يضطلع بدور مهم في تشكيل ملامح الحكاية. مشكلة البعض مع هذا الفيلم هي أنه ممعن في الرومانسية، ويقارب موضوع العبودية بشيء من التهميش. مشكلة أخرى تبرز أيضاً عند المنتقدين: ادعاء الرواية بأن النضال كان من أجل استقلالية الجنوب السياسية المهددة من قبل الشمال، لا لأن الجنوب كان متمسكاً بالعبودية، وهذا في ذاته، بحسب البعض، تشويه للتاريخ.
طمس التاريخ
لكن، هل هذا يبرر طمس التاريخ؟ فهناك الكثير من الأفلام التاريخية التي تقدّم قراءات غير موضوعية لأحداث تاريخية تعود إلى أزمنة غابرة، ولا يتفق عليها الجميع، فهل يجوز تهميشها؟ ومَن يحق له أصلاً ممارسة هذه الوصاية الفنية على الآخرين؟ ربما لو لم يتعلق الأمر بملحمة سينمائية ذائعة الصيت ك "ذهب مع الريح" لما اهتم أحد بهذا الخبر. لكننا أمام فيلم كبير يعتبره النقّاد السينمائيون ذروة الفنّ الكلاسيكي، وقد تربت عليه أجيال عدة في جميع أنحاء العالم، وهو قبل أي شيء آخر، نصّ سينمائي ممتاز إخراجاً وتصويراً وتمثيلاً وموسيقى، فاز بعشر جوائز "أوسكار"، منها جائزة أفضل ممثّلة في دور ثانوي لهاتي ماكدانيال عن دور الخادمة السوداء التي اضطلعت به في الفيلم، لتصبح أول ممثّلة سوداء تنال هذه الجائزة.
في رأي HBO Max أن الفيلم الذي يصوّر المظالم العرقية التي كانت شائعة في أميركا، كان مناسباً بلا شك للحقبة التي أُنتج فيها، لكن المفاهيم اليوم تغيرت والعالم تطور والكثير ممّا كان مقبولاً في الماضي يحتاج اليوم إلى شرح كي لا يؤخذ كشيء بديهي. أما الأقليات المهمّشة فلم تعد كذلك؛ بات لها دور فعال داخل المجتمع. من هنا، جاء الشعور بأن إبقاء هذا الفيلم داخل البرمجة الخاصة بالقناة، من دون الإحاطة بتفسير أو تنديد بتلك الممارسات هو أمر غير مسؤول، علماً أن الفيلم سيُعرض من جديد على الشبكة مصحوباً بمناقشة لسياقه التاريخي تحمل إدانة واضحة وصريحة للعنصرية. إذاً، إنها محاولة لإعادة وضع الفيلم في سياقه التاريخي والزمني، ولا يمكن وصف الخطوة التي أقدمت عليها المحطة بالرقابة.
مزايدة فولكلورية
كثر من المعلّقين على الحدث، وربما أكون منهم، اعتبروا ممارسة كهذه تدليساً سياسياً ومزايدة فولكلورية لا فائدة منها سوى الخضوع للعبة الليبراليين، وفي أفضل حال بلوغ مستويات جديدة من تطبيق ما بات يُعرف بالصوابية السياسية، خصوصاً أن الفيلم عن حقبة ماضية، لا يكمن نكران ما حصل فيها، وهو لا يدعو، كما يدعي البعض، إلى العبودية، بل يعرضها ويصفها. هناك حتى مَن ذهب أبعد من هذا في الاتهام، واعتبر أن المسألة برمتها تقع في خانة التجاذبات السياسية بين الديمقراطيين والجمهوريين، عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية (نوفمبر - تشرين الثاني 2020)، مذكّراً بكلام الرئيس دونالد ترمب بعد فوز "بارازيت" بجائزة ال"أوسكار"، حيث قال إن على الأميركيين أن ينجزوا أفلاماً على نسق "ذهب مع الريح". فهل يُمكن النظر إلى سحب الفيلم كنوع من تصفية حساب مع رئيس بات كثر من الأميركيين يبغضونه وينتظرون رحيله؟
أياً يكن، فأميركا، ومعها بعض الدول الأوروبية، تحاول منذ بضع سنوات إعادة النظر في تاريخها غير المشرف أحياناً، لكتابته من جديد، فتشكيل وعي يليق بالإنسان في القرن الحادي والعشرين. إنسان يستطيع أن يعيش مع الآخر بسلام ووئام. والفنّ، هو المتهم الأول والضحية الرئيسية في هذه المعركة الجديدة، كي لا نقول إنه كبش محرقة. فهل يجوز العبث بالأعمال القديمة التي هي وليدة زمنها، وشاهدة على فترة محددة، وإن كانت شاهدة زور أحياناً. وهل تحطيم الأصنام، سيحسّن الحاضر؟ ثم، في هذا الزمن الذي تغلب عليه الصوابية السياسية، هل من المنطقي الدعوة إلى أن تشارك جهات عدة في كتابة سيناريو أي فيلم، كي تتمثّل من خلاله كلّ الأقليات. أي فنّ سيولد من هذا المنطق القائم على المحاصصة؟
وصاية سياسية
في أي حال، تبيّن في الفترة الأخيرة، أن وصاية الصوابية السياسية على الفنّ أخطر بأشواط من وصاية السلطات التقليدية. السلطة يمكن الوصول معها إلى تفاهم أو الالتفاف على محظوراتها، وفي أسوأ الأحوال المراهنة على تبدّل مصالحها. أما الصوابية السياسية فيبدو أنها في الطريق إلى صوغ الذوق المعولم الجديد، وصولاً إلى أن تصبح المرجعية الأخلاقية الوحيدة في هذا الزمن. فسنتعاطى حينها مع فنّ مساوم يرضي الجميع، فنّ بلا لون أو "طعم".
وبحسب جون ريدلي، كاتب السيناريو الذي وضع نصّ "12 سنة عبداً" لستيف ماكوين، يمجّد الفيلم الجنوب قبل اندلاع الحرب الأهلية. لا يتجاهل فقط الرعب المرتبط بالعبودية في تلك الفترة، بل وأيضاً فيه الكثير من التنميط في حقّ الناس الملونين. أما المخرج الأفرو أميركي سبايك لي الذي لطالما روى سيرة نضال أبناء جلدته على الشاشة، فيقول إن "ذهب مع الريح" هو أحد دوافع استمرار العقلية العنصرية عند الأميركيين، ذلك أنه يقارب الجنوب الأميركي والعبودية من باب الرومانسية، ومن خلال القول إن لا علاقة بين الحرب الأهلية والعبودية. في نظره، أن في أفلام كهذه تكمن القوة الناعمة للسينما كأداة توظيف. الفكرة النمطية كلما تكررت، ترسّخت أكثر في الأذهان، لتتحوّل أخيراً إلى حقيقة. يرى سبايك لي أن "ذهب مع الريح" ليس الفيلم الوحيد الذي يندرج في هذا التقليد الذي أضرّ بالأميركيين من أصول أفريقية كثيراً.
من سخرية القدر أن الطلب على الفيلم على موقع "أمازون" ازداد مند انتشار خبر سحب الفيلم من HBO Max، ليبلغ المرتبة الأولى في قائمة الأكثر طلباً. وقد يكون هذا درساً للوبيات التي تحرك قضايا لا قيمة لها في زمن كورونا والضائقة الاقتصادية، وتحاول فرض مفاهيمها الخاصة، وهي غالباً مفاهيم ضيقة، على الفنّ وعلى كلّ شيء لا يتماشى مع أجندتها السياسية ونظرتها إلى الأخلاق. لكن في دول قائمة على مؤسسات وعلى تقديس حرية الرأي، لا يعدو الأمر أحياناً أكثر من ضجّة أعلامية مفتعلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.