من يتأمل المشهد العام في مصر منذ الخامس والعشرين من يناير 2011 وحتى اليوم لن يجد صعوبة في توصيفه بأننا نعيش في بلد تاه عقله وتحول إلى كيان بلا رأس يتخبط في طرقات التاريخ ويفقد ملامحه على شواطيء الجغرافيا.. بلد غاب عنه العقل تماما خلال عقود حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك وتصورنا مصر يوم رحيل مبارك، وقد استعادت عقلها وإذا بنا بعد ثلاث سنوات من غروب عصر مبارك في حاله من التيه وغياب الرؤية وكأننا أمة فقدت عقلها وبصرها.. وليس أدل على ذلك من أننا نتحدث جميعا في وقت واحد ونسينا أن للحوار طرفين.. نصرخ جميعا في وقت واحد ونسينا أنه من المستحيل أن نكون كلنا ثوارا نصنع فعلا ثوريا بغض النظر عن دوافعه ونتائجه.. الكل مظلوم والكل ظالم.. الكل قتله والكل ضحايا.. الكل خونة والكل وطنيون حتى النخاع.. الكل مفكرون والكل أغبياء.. الكل شرفاء والكل لصوص. ومن المؤلم أنه بعد ثلاث سنوات من إسقاط نظام عاش أكثر مما يستحق وأكثر مما يجب أن نتحمل كان المنتظر والمتوقع أن يفرز الألم والصبر البليد عند المصريين قيادة جديدة تستطيع رسم ملامح مستقبل نطمئن له ولكن ما حدث جاء عكس ذلك تماما، حيث لازال النهر جافا وأرضه صخرية متشققة ولا يغري على السباحة وإن كان يستميل البعض للانتحار بقفزة موت واحدة.. جاءت حكومات وذهبت وجثم نظام أسود على أنفاس المصريين عاما بالتمام والكمال ثم ذهب مطرودا إلى حيث يستحق أن يوجد خلف قضبان السجون وفى قاع ذاكرة المصريين خشية أن يحاول التنفس والنهوض من جديد. وتصورنا بعد 3 يوليو أن المياه ستجري في النهر وأن اوزيريس رمز الحب والثورة والعدل قد عاد ليبحر بالمصريين إلى شواطيء الأمان وإذا بالنهر كما هو لا يغري على السباحة وان استمال البعض فرغبة في الارتطام بمجراه الصخري الذي يبتلع بين شقوقه من يتوهم السباحة، وهنا يحضرني شعر أبى العلاء المعري حين قال.. وقد فتشتُ عن أصحاب دين ... لهم نُسْك وليس لهم رياء.. فألفيتُ البهائم لا عقول ... تقيم لها الدليل ولا ضياء.. وإخوان الفطانة في اختيال ... كأنهمُ لقوم أنبياء.. فأما هؤلاء فأهل مكر ... وأما الأولون فأغبياء.. هل مصر بلا عقل أم أننا بقصد أو جهل قتلنا عقلها فينا.. أميل إلى الاحتمال الثاني لأن مصر بحضارتها وجلالها التاريخي دولة وجدت لتبقى ولكن على ما يبدو أن أهلها يكونون أحيانا كالذهب وأحيانا أخرى كالجراد الذي على كثرته لا يفيد.. هل يعقل أن يكون رجالات مصر بهذا الهوان الذي يظهرون به حين يتحدثون عن أمة أجادت صناعة العزة والمجد.. هل يعقل ألا يعرف أكثر من تسعين مليون مصري ماذا ينتظرهم غدا أو بعد غد.. هل يعقل في عصر سطرت فئران الأمم تاريخا جديدا لها تنافس به الوحوش وتتحول أم الحضارات الإنسانية مصر إلى امرأة عجوز واهية كسيحة بهذا الشكل. هل يعقل أن يتعلق أمل المصريين في الحياة والأمن برجل أو مؤسسة ودونهما الموت والضياع.. هل يعقل أن يفكك مجموعات من الخارجين على القانون مفهوم الدولة لنجد أنفسنا أمام مجموعة دويلات كدويلة الميكروباس ودويلة التوك توك ودويلة الباعة الجائلين ودويلة المقاهي.. لقد بحثت عن أي معنى للعدالة أو نية تحقيقها فلم أجد إلا سرابا لا نهاية له.. بحثت عن أي أمل في تعليم يحترم العقل ويلفظ الخرافات فلم أجد.. بحثت عن أي إرادة في المساواة بين الناس على أساس المواطنة دون تمييز بينهم بسبب الدين أو العرق او الطبقة الاجتماعية فلم أجد.. وأخيرا استبشرت خيرا برجل انحاز للضمير الوطني ووقف في المربع التاريخي الصحيح ضد قوى الظلام والشر وانتظرت أن يتحرك هذا الرجل بعقلية جديدة تأخذ بعلم الإدارة سواء ليكون رئيسا لمجلس إدارة مصر أو أحد أعضاء هذا المجلس ولازلت انتظر منه أن يأتي هو إلينا ليقنعنا بأن بيديه وبعقله مفاتيح جديدة لجريان الماء في النهر.. وحتى اللحظة لم يأت ولا يزال النهر يغرينا بالموت غرقا بين شقوق أحجاره ..