محمد علاء: أحببت شخصيتى الشريرة فى «عين سحرية»    تكريم أوائل مسابقة القرآن الكريم بأبوصوير بالإسماعيلية (صور)    "مستقبل مصر" يطلق حملة للتعريف بمشروعاته التنموية خلال رمضان    الدفاع المدني السعودي يعلن إطلاق إنذار في محافظة الخرج للتحذير من خطر    مصطفى بكري: السيسي يضع النقاط على الحروف في اتصاله مع الرئيس الإيراني    أخبار الرياضة اليوم: الأهلي يفوز على الزمالك بدوري المحترفين لكرة اليد.. رابطة الأندية تغرم الزمالك بسبب أحداث مباراة إنبي.. حسم مكان معسكر المنتخب وودية السعودية خلال 72 ساعة    ضبط حارس عقار بتهمة التعدي على الكلاب الضالة بعصا خشبية في الطالبية    الفنان السوري أركان فؤاد يفجر مفاجأة عن بداية قصة حبه مع نادية مصطفى (فيديو)    مائدة إفطار أسطورية فى بحر البلد بالوراق.. الشباب يعدون آلاف الوجبات ويزينون الشوارع بالأنوار والرسومات.. «غزة فى القلب» رسالة تضامن على الجدران.. شاشة عرض تضىء بمشاهد المتحف الكبير وبرنامج دولة التلاوة    مسلسل على قد الحب الحلقة 24.. مواجهة نارية بين شريف سلامة ومها نصار.. ووالد نيللى كريم يخطط لقتل سارة.. وسارة تتوسل أحمد سعيد عبد الغنى لدعمها بعد فضحها وتهدده لرفضه حمايتها    السكرتير المساعد للإسماعيلية يكرم العشرة الأوائل في مسابقة القرآن الكريم بأبوصوير    درس التراويح بالجامع الأزهر يوضح أهمية نعمة الأمن في استقرار المجتمعات    لم يخرجها النبي نقودًا.. الإفتاء توضح حكم زكاة الفطر بغير الحبوب    الجنايات تحدد مصير 37 متهما بخلية التجمع غدا    من محراب التهجد إلى مثواه الأخير.. الفيوم تشيع الشيخ محمد عجمي    مطرب المهرجانات عصام صاصا أمام محكمة الجنح.. تفاصيل    السفير عاطف سالم: أدرت سفارة مصر في إسرائيل من القاهرة بعد اغتيال الجعبري    روسيا تستدعي سفيري بريطانيا وفرنسا على خلفية الضربات الصاروخية على "بريانسك"    61 % معدلات تنفيذ شقق ديارنا للإسكان المتوسط    حين تتحدث الأذن وتصمت العين: عودة الحكواتي الرقمي    برشلونة يضع نجم تشيلسي ضمن أهدافه في الميركاتو الصيفي    بعد دفع المستحقات.. الاتحاد السكندري يحل أزمة إيقاف قيد الفريق    رئيس غرفة كفر الشيخ: المنحة الاستثنائية تعزز الحماية الاجتماعية وتدعم استقرار الأسواق    تغريم الزمالك 50 ألفا بسبب زجاجات المياه وإيقاف الكوكي مدرب المصري    أزمة «ميكروباص العامرية».. كواليس سقوط سائق خلف سيارته    رئيس جامعة المنوفية يشارك في الاجتماع الطارئ ل«الأعلى للجامعات»    صحة بني سويف تفاجئ وحدات الكوم الأحمر والحكامنة وبني هارون    ستاندرد آند بورز: تصاعد صراع الشرق الأوسط قد يبطئ نمو الاقتصاد الأميركي ويرفع التضخم    «إفراج» الحلقة 24 | حاتم صلاح يأمر بقتل عمر السعيد.. ومداهمة المباحث للحكر    العراق.. إسقاط مسيرة حاولت استهداف مركز الدعم الدبلوماسي قرب مطار بغداد    الإمارات تعلن عودة حركة الطيران تدريجيا    أحلام الكبار.. ومخاوف الصغار    محافظ الإسكندرية يشهد احتفالية تجهيز 120 عريسا وعروسة من المجتمع المدنى    النيابة تطلب تحريات إصابة 7 أشخاص بحادث تصادم سيارتين بالعامرية في الإسكندرية    وزير العمل: فتح حوار لمناقشة طلبات تعديل بعض أحكام قانون المنظمات النقابية    لبنان: استشهاد 100 طفل في غارات إسرائيلية    شاهد ردود فعل عمرو الدردير على الأسئلة المستفزة والمقالب في «رامز ليفل الوحش»    علي جمعة: فلسفة العلاقة بين الرجل والمرأة فى الإسلام صمام الأمان لاستقرار المجتمعات    موائد الإفطار الجماعي.. من نقادة إلى دشنا آلاف الصائمين على مائدة واحدة    قوافل طبية وتوزيع كراتين غذائية على الأسر الأولى بالرعاية في 4 محافظات    عيد الفطر 2026.. دليل التغذية الصحي لتجنب مشاكل الجهاز الهضمي    «صحة القاهرة» تكثّف القوافل الطبية وتقدّم 1589 خدمة مجانية بالمقطم خلال يومين    تحذير من "كارثة تاريخية" إذا تدخلت واشنطن في أسواق النفط    رصيد القمح بميناء دمياط يتجاوز 96 ألف طن    محافظ دمياط يتابع سير العمل بأحد المخابز البلدية بكفر سعد    رسمياً: وزير العمل يعلن موعد وعدد أيام إجازة عيد الفطر للقطاع الخاص    تشغيل عدد من القطارات الإضافية خلال أيام عيد الفطر.. اعرف المواعيد    المنبر النبوي موضع خطب الرسول.. كل ما تريد معرفته عنه    مجموعة مصر.. إيران تقترح استضافة المكسيك لمباريات منتخبها في كأس العالم    المركز العربي الأسترالي: واشنطن قد تستخدم ساحات الصراع لاختبار تقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري    قرارات جمهورية مهمة وتوجيهات حاسمة للحكومة تتصدران نشاط السيسي الأسبوعي    في أجواء رياضية.. انطلاق مهرجان ختام الأنشطة الرمضانية بمركز شباب الساحل بطور سيناء    إجراء جراحة تثبيت كسر بالساق بتقنية المسمار النخاعي بمستشفى السباعية المركزي بأسوان    تحت إشراف قضائي.. فتح لجان انتخابات الإعادة لاختيار نقيب مهندسي مصر بأسيوط    بمناسبة يوم الشهيد، قيادة قوات الصاعقة تنظم احتفالية لعدد من أسر الشهداء    الاتحاد الإيراني ل ترامب: لا يمكن لأحد استبعادنا من كأس العالم 2026    بيراميدز يختتم تدريباته لمواجهة الجيش الملكي بدوري الأبطال    ميار الببلاوي تعترف: استغل برنامجي للرد على خصومي وتصفية حساباتي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خوارج العصر سقطوا في هاوية التكفير.
"القرضاوى" قبل التحول.. كيف نواجه الإرهاب؟ «المتطرفون».. جماعة مريضة تحتاج إلى علاج.. ورغم تمام العبادة فإن فساد الفكر يفسد كل شىء
نشر في الوفد يوم 26 - 12 - 2013

يقول الدكتور يوسف القرضاوى، إن الخوارج من فجر الإسلام كانوا من أشد الناس تمسكاً بالشعائر التعبدية صياماً وقياماً وتلاوة قرآن، ولكنهم أتوا من فساد الفكر ومن فساد الضمير، وزين لهم سوء عملهم فرأوه حسناً، وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
كتابات الدكتور القرضاوى واجتهاداته وفتاواه كانت المصدر الرئيسى الذي استند إليه قادة الجماعة الإسلامية في تأصيل مراجعاتهم ورؤيتهم الشرعية للاعتراف بالخطأ في حمل السلاح في مواجهة الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، وارتكاب أعمال العنف والإرهاب خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى، فأصدروا كتبهم الأربعة التي تضمنت المراجعات لتكون بياناً لمفاهيم أسيء فهمها، وتصحيحاً لممارسات تبين خطؤها.
الكتب الأربعة حفلت بآراء الدكتور القرضاوى، التي تدين العنف والإرهاب والتحريض عليها، وتحرمه أشد التحريم، وتعتبره بابا للفتنة لا يقبل به الشرع، القرضاوى قدم هذه الرؤية مستنداً فيها إلي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
واعتبر القرضاوى أصحاب منهج العنف والإرهاب الفكرى أو الجسدى والمتشددين، خارجين ومارقين من الإسلام، كما كان الخوارج من قبل.
مواقف واجتهادات القرضاوى كانت واضحة وفاصلة في إدانة وتجريم المتشددين والمتطرفين، وساهمت في إخراج مبادرة الجماعة الإسلامية وكتب المراجعات الأربعة.
بينما مواقف القرضاوى الآن والتي انقلبت وتبدلت تصب الزيت علي النار، وتشعل المزيد من الفتنة، وتقدم داعماً معنوياً للمتطرفين والإرهابيين.. ذلك التحول الكبير والغريب الذي لا يجد له سنداً من القرآن والسنة، لا تحركه سوى مصلحة وأهداف جماعة الإخوان المسلمين، ومعركة كرسى وصراع على السلطة.
للدكتور القرضاوى كل الحق في التعبير عن انحيازاته السياسية، ولكنه لا يملك أن ينسف وسطية الإسلام واعتداله دفاعاً عن هذه الانحيازات، ولا يحق له أن يشكل مظلة داعمة لأعمال العنف والإرهاب.. لذلك نعرض اليوم للرأي العام ولكل أبناء التيارات الإسلامية موقف الدكتور القرضاوى من قضية الغلو في الدين وحكمة تحريمه ومظاهره وأسبابه، ونواصل فيما بعد عرض موقفه من قضية التكفير.
الغلو في الدين، كما يراه القرضاوى، سبباً رئيسيًا في خروج المتشددين عن إجماع الأمة، وبداية الطريق إلي استحلال دماء وأموال الأمة والمسلمين، ونشر الفتنة وتدمير الأمم والمجتمعات، وهو ما استند إليه قادة الجماعة الإسلامية في إصدار كتيب المراجعات الثانى تحت عنوان: «حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين».
مقدمة دراسة الكتيب أشارت إلي أن بدعة التكفير ظهرت في مصر في الستينيات في السجن الحربى، نتيجة لما تعرض له الإخوان المسلمون من تعذيب، وانتهت إلى خروج جماعات تكفيرية من صفوفهم تكفر الجميع حكاماً ومحكومين، بل وتكفر المجتمع بأكمله وتصمه بالجاهلية.
لذلك رغم مرور سنوات عديدة علي هذه القضايا التي طرحتها مراجعات الإسلامية استناداً لاجتهادات القرضاوى، فإنها تبدو كأنها مرتبطة باللحظة الراهنة التي تخوض فيها مصر حرباً ضد الإرهاب المتسربل بالدين، ومازالت صالحة كمنهاج لمواجهة هؤلاء المتطرفين والإرهابيين، كما أنها دعوة للقرضاوى ليتأمل اجتهاداته السابقة، ويعيد النظر في مواقفه الحالية الداعمة لاستمرار العنف والإرهاب.
الدراسة تشير في مقدمتها إلي أن أمة الإسلام لم تعان من آفة نزلت بها مثل معاناتها من آفة التكفير للمسلمين التي عششت في عقول نفر من أبنائها، وجعلتهم يكفرون المسلمين بغير مقتضى شرعى، ومن ثم أهدروا دماءهم واستحلوا أموالهم، دون أن يكون معهم دليل من الشرع أو حجة من الدين أو برهان من أقوال السلف ولم يكونوا في الوقت نفسه مؤهلين للخوض في هذه اللجة العميقة.
بدعة التكفير
وتستند الدراسة إلي حديث شهير للرسول، صلي الله عليه وسلم، في كشف بدعة التكفير الخطيرة، وذلك حينما اعترض رجل عند توزيعه للغنائم قائلاً: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل.. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ألا تقتله؟ فقال لا، دعوه فإنه سيكون له شيعة يتحمقون في الدين حتي يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية».
وتشير الدراسة إلي أن النبي صلي الله عليه وسلم كان ينظر إلي ما سيحدث لأمته من فتن وأهوال، وهو ما حدث سريعاً حيث ظهرت الخوارج بذات الأوصاف التي ذكرها الرسول صلي الله عليه وسلم، ظهر فيهم قوله صلي الله عليه وسلم: «يقرأون القرآن لا يكاد يجاوز تراقيهم»، و«يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
وأشارت الدراسة إلي أن الرسول صلي الله عليه وسلم، حذر أمته من هؤلاء حتي لا يغتر أحد بكثرة صيامهم، ولا بعباداتهم وخشوعها، ولا صلاتهم وعمقها وكثرة سننها، مشيرة إلي أن فساد الفكر والعقيدة يفسد كل شيء، وأن فساد الاعتقاد أخطر من كل شيء، وأن من هُدِى إلي اعتقاد أهل السنة والجماعة فقد هدى إلي خير عظيم.
حرمة التكفير
وأضافت الدراسة أن الرسول صلي الله عليه وسلم حرم وحذر من تكفير المسلم لأخيه المسلم حينما قال: «ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله»، مشيرة إلي أن الأمر يزداد خطورة أن اتبع هذا القائل لأخيه يا كافر، القول بالفعل، والرمي بالكلمات كالرمى بالرصاصات، والرمى بالتهمة كالرمى بالرشاش، لأن من كفر آخر استحل دمه وماله فتهيأ بذلك ليكون قاتله وسارقه.
الغلو فى الدين
وتواصل مراجعات قادة الجماعة الإسلامية في تحديد رؤيتها الشرعية وتأصيلها الفقهى لمراجعاتها، والاستناد إلى اجتهادات الدكتور يوسف القرضاوى قبل أن تجرفه الأحداث الأخيرة، فينسي كل ما قدم عن وسطية الإسلام وتسامحه، حيث يرى الدكتور القرضاوى أن لتحريم الغلو في الدين حكمة عظيمة، أهمها أن الغلو منفر لا تحتمله طبيعة البشر العادية ولا تصبر عليه، ولو صبر عليه قليل من الناس لم يصبر عليه جمهورهم، خاصة أن الشرائع تخاطب الناس كافة، لذلك لما بعث النبي صلي الله عليه وسلم معاذاً وأبا موسى إلي اليمن أوصاهما بقوله: «يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا»، وقال عمر رضي الله عنه: «لا تبغضوا الله إلي عباده فيكون أحدكم إماماً فيطول علي القوم الصلاة حتي يبغض إليهم ما هم فيه».
التشدد في الدين
بالإضافة إلى أن الغلو قصير العمر، والاستمرار عليه في العادة غير متيسر، فالإنسان ملول وطاقته محدودة، فإن صبر يوماً علي التشدد سئم بعد ذلك وربما انتقل من الإفراط إلي التفريط، لذلك قال الرسول صلي الله عليه وسلم «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»، أي لا يتعمق أحد في العبادة ويترك الرفق إلا عجز فيغلب، مع الالتزام الصواب بلا إفراط أو تفريط.
وواصل القرضاوى اجتهاداته التي استندت إليها دراسة الجماعة الإسلامية، مشيراً إلي أن الغلو لا يخلو من جور على حقوق يجب أن تراعي، وواجبات يجب أن تؤدى.
التعصب في الرأى
وتواصل الدراسة بعد ذلك عرضها لمظاهر الغلو في الدين، مستندة أيضاً إلي اجتهاد الدكتور الشيخ القرضاوى، والذي اعتبر أن التعصب في الرأى وعدم الاعتراف بالرأى الآخر في الأمور الاجتهادية والأمور المستحيلة، أبرز هذه المظاهر، خاصة حينما يحول البعض الأمور الاجتهادية إلي أمور مقطوعة ويقينية، ليس فيها إلا قول واحد هو قوله دون استناد إلي حجة أو برهان، ويزداد الأمر خطورة كما يرى القرضاوى حينما يراد فرض الرأي على الآخرين بالعصا الغليظة، ويصل الأمر إلي الاتهام بالابتداع أو الاستهتار بالدين أو بالكفر، ويعتبر القرضاوى أن هذا الإرهاب الفكري أشد تخويفاً وتهديداً من الإرهاب الحسى.
ومن بين مظاهر الغلو في الدين أيضاً كما يحددها القرضاوي هي إلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم الله به، من خلال التزام التشدد مع قيام موجبات التيسير، ومحاسبته الناس علي النوافل والسنن كأنها فرائض، وعلي المكروهات كأنها محرمات.
العنف في الدعوة
وكذلك التشدد في غير موضعه والغلظة والخشونة في الأسلوب والفظاظة في الدعوة خلافاً لأوامر الله سبحانه في قوله: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هي أحسن»، «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك»، حيث إن مجال الدعوة كما يراه القرضاوى لا يكون إلا بالحلم والعلم والحكمة، ولا مكان للعنف والخشونة فيها، معرباً عن أسفه لما يراه من قيام بعض شباب الحركات الإسلامية بالتحاور والتعامل بالغلظة مع الناس، دون تفرقة بين كبير وصغير.
سوء الظن
ويحذر القرضاوى من سوء الظن بالناس باعتباره أحد لوازم مظاهر الغلو والتشدد في الدين، مستنداً إلي قول الرسول صلي الله عليه وسلم: «إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم»، مشيراً إلي ولع من يكفرون المسلمين بالهدم لا بالبناء، وأنهم يسارعون إلي سوء الظن والاتهام لأدنى سبب، دون التماس المعاذير للآخرين، والتفتيش فقط عن العيوب، جاعلين من الخط خطأين، ومن الخطيئة كفراً، مطالباً المسلم بأن يكون عادلاً ومنصفاً يزن الناس بميزان الشرع والوسطية، دون أن يلبس نظارة سوداء فلا يرى منها سوى السواد!!
جاهلية المجتمع
ويواصل القرضاوى عرضه لمظاهر الغلو، مشيراً إلي أن نظرة المرء إلي المجتمع وفي خياله نظرة مثالية، فيعتقد أن المجتمع المسلم هو مجتمع ملائكى، وأنه إذا وجدت فيه المعاصى فهو مجتمع جاهل غير إسلامى، مشيراً إلي أن قرن الرسول صلي الله عليه وسلم وهو خير القرون لم يكن خالياً من المعاصى سواء من الكبائر أو الصغائر، باعتبار أن الضعف والتقصير سمة البشر، وبالتالى فإن حدوث المعاصى في القرون التالية أكبر، وذلك لا يخرج الناس عن الإسلام، ولا يجوز لأحد أن يصف الأمة بأنها قد ارتدت أو أنها تعيش عصر جاهلية، أو أنه مجتمع كافر، لذلك علي المسلم أن يكون واقعياً ويعلم أن كل بنى آدم خطاءون وأن خير الخطائين التوابون.
هاوية التكفير
واعتبر القرضاوى أن الغلو في الدين يبلغ غايته حين يسقط في هاوية التكفير، مسقطا عصمة الآخرين ومستبيحاً دماءهم وأموالهم، ولا يري لهم حرمة ولا ذمة، وذلك حينما يخوض في لجة التكفير واتهام جمهور الناس بالخروج عن الإسلام، وهو ما وقع فيه الخوارج في فجر الإسلام، والذين كانوا أشد الناس تمسكاً بالشعائر التعبدية صياماً وقياماً وتلاوة للقرآن الكريم، ولكنهم أتوا من فساد الفكر لا من فساد الضمير، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسناً.
معتبراً أن ما وقع لطائفة الخوارج قديماً وقع لأخلافهم حديثاً وهم جماعة «التكفير والهجرة»، الذين كفروا كل من ارتكب معصية وأصر عليها ولم يتب منها، فهم كفروا الحكام والمحكومين والعلماء والعوام، وكل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله، حتي أسرفوا في التكفير واستحلوا دماء الآخرين باعتبارهم مرتدين.
حرفية النصوص
وتواصل الجماعة الإسلامية تأصيلها لأسباب الغلو استناداً إلي اجتهادات الدكتور القرضاوى مشيرة إلى أن ضعف البصيرة بحقيقة الدين أحد أسباب الغلو الرئيسية من خلال الاتجاه الظاهرى في فهم النصوص، حيث إن بعض الشباب يتمسكون بحرفية النصوص دون التغلغل إلى فهم فحواها ومعرفة مقاصدها، فهم لا يعرفون القياس ولا يستخدمونه، ولا ينظرون إلي العلة والحكمة من وراء التشريع، مع الاشتغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبري، ويثير هؤلاء الخلافات الفرعية ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها من أجلها، مفرطين في ذات الوقت في واجبات لا خلاف فيها، ومنتهكين حرمات مجمعاً عليها.
الإسراف في التحريم
كذلك الإسراف في التحريم بغير دليل، حيث كان السلف لا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه جزماً، فإذا لم يحزم بتحريمه قالوا نكرهه أو لا نراه ولا يصرحون بالتحريم، بينما المياليون للغلو يسارعون إلي التحريم دون تحفظ، فإذا كان في الفقه رأيان أحدهما يقول بالإباحة والآخر بالكراهة أخذوا بالكراهة، وإذا كان أحدهما بالكراهة والآخر بالتحريم أخذوا بالتحريم، وإذا كان هناك رأيان أحدهما ييسر والآخر يشدد أخذوا بالتشديد والتضييق.
ويقول القرضاوى إن اتباع المتشابهات وترك المحكمات أحد أسباب الغلو والانحراف في فهم الدين قديماً وحديثاً، والمتشابه هو ما كان محتمل المعنى وغير منضبط المدلول، لذلك غلاة اليوم كما يري القرضاوى يعتمدون علي المتشابهات في تكفير الأمة واستحلال دمائها، ولو ردوا المتشابه إلي المحكم لحكموا بالعدل والحق.
الفهم الخاطئ
ويضيف القرضاوى بأن من أسباب الغلو ضعف البصيرة الناتج عن عدم التعلم علي أيدى العلماء، لأن البعض لم يتلق العلم من أهله وشيوخه المختصين بمعرفته، وإنما تلقاه من الكتب والصحف مباشرة دون أن تتاح له فرصة المراجعة والمناقشة والأخذ والرد واختبار فهمه ومعلوماته، ووضعها علي مشرحة التحليل، وطرحها علي بساط البحث، ولكنه قرأ شيئاً وفهمه واستنبط منه، وربما أساء القراءة أو أساء الفهم أو أساء الاستنباط وهو لا يدرى، وهو ما نهى عنه أئمة السلف.
أعمال جنونية
وأضاف القرضاوى بأن ضعف البصيرة بالواقع والحياة والتاريخ وسنن الكون، يعد من أهم أسباب الغلو في الدين وأخطرها لأنها تؤدى إلى طلب ما لا يوجد ويتخيل ما لا يقع ويفهم الوقائع علي غير حقيقتها، ويفسرها وفقاً لأوهام رسخت في رأسه لا أساس لها من سنن الله في خلقه، ولا من أحكامه في شرعه، وهو يريد أن يغير المجتمع كله، أفكاره ومشاعره وتقاليده وأخلاقه وأنظمته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بوسائل واهية وأساليب خيالية، لذلك لا يستغرب القرضاوى أن تندفع هذه الرؤى إلي أعمال وتصرفات يسميها البعض انتحارية ويسميها آخرون جنونية، ويسقط كثير منهم ضحاياها دون أن يبالوا بذلك.
جماعة مريضة
ويصف القرضاوى هؤلاء الشباب بأنهم لم يقرأوا التاريخ ببصيرة ونفاذ ووعى، لمعرفة العبرة منه، والوصول إلي سنن الله في أحداثه، باعتبار أن الأمة تأخذ من ماضيها لحاضرها، وتستفيد من صوابها وخطئها ومن انتصاراتها وهزائمها، والأمة التي تهمل تاريخها أشبه بالفرد الذي يفقد ذاكرته ويعيش ليومه وحده بلا ماض يعرفه ويبنى عليه، ليصير إنساناً مبتلى مقطوع الجذور يرثى لحاله، وهو أحوج ما يكون للعلاج، فكيف ترضى جماعة أن تجعل من هذا الوضع المرضى أساساً لحياتها.
سنة التدرج
ويقول القرضاوى في اجتهاداته التي استندت إليه الجماعة الإسلامية في مراجعاتها إن الشباب غفلوا عن سنة التدرج وهو سنة كونية وشرعية، مشيراً إلي أن الإسلام بدأ بالدعوة إلى التوحيد وتثبيت العقيدة السليمة ثم كان التشريع شيئاً فشيئاً، حيث فرضت الفرائض وحرمت المحرمات بالتدريج، كما هو ثابت في فرض الصلاة والصيام والزكاة وتحريم الخمر، مشيراً إلي الخلاف الذي وقع بين عمر بن عبدالعزيز وابنه عبدالملك، حينما أراد عمر أن يعود إلي هدى الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وكان ابنه ينكر عليه عدم إسراعه في إزالة كل بقايا الانحراف والمظالم، فقال لأبيه يوماً: «مالك يا أبت لا تنفد الأمور فوالله ما أبالى لو أن القدور غلت بى وبك في الحق»، فكان جواب أبيه الخليفة الفقيه المؤمن: «لا تعجل يا بنى، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدعوه جملة فيكون من ذلك فتنة».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.