بعد يوم من قتل امرأة برصاص ضابط، قوات اتحادية تطلق النار على شخصين في بورتلاند    الأوقاف: أكثر من 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام في السنوات العشر الماضية    وزير الزراعة: أسعار الدواجن أقل بكثير من العام الماضي.. ولا 8 جنيهات ولا ال 35 سعر مقبول للكتاكيت    سر وجوده في مسجد قبل معركة عبرا ومواجهة مرتقبة مع الأسير، تفاصيل جلسة محاكمة فضل شاكر    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    نتيجة مباراة المغرب والكاميرون.. بث مباشر الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تفاصيل عرض الاتحاد السكندرى لضم أفشة من الأهلي قبل إعلان الصفقة خلال ساعات    دومينيك حوراني تنضم إلى «السرايا الصفرا»... خطوة مفاجئة تشعل سباق رمضان 2026    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    كييف تحت القصف.. طائرات مسيّرة روسية تشعل حرائق في أحياء سكنية    أمطار غزيرة تواصل ضرب الإسكندرية والمحافظة ترفع درجة الاستعدادات القصوى (صور)    الرئيسة المؤقتة لفنزويلا: تشكيل لجنة لإعادة مادورو وزوجته إلى البلاد    إدارة ترامب تدرس دفع أموال لسكان جرينلاند لإقناعهم بالانضمام لأميركا    رئيس المتحف الكبير: مواقع مزورة لبيع التذاكر خارج مصر تهدد بيانات البطاقات    الكاميرون لا تخسر أمام أصحاب الأرض منذ 2000 فى الكان.. هل يكون المغرب الاستثناء؟    دبلوماسي إيراني: طهران ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي    بنك القاهرة يحصد جائزة الأفضل في مجال ائتمان الشركات من World Economic    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك إلى أكثر من 5.7 مليون جنيه    محافظ القليوبية يوجّه بفحص موقف التلوث الناتج عن مصانع الريش بأبو زعبل    خلاف على ركنة سيارة ينتهي بالموت.. إحالة عاطل للمفتي بتهمة القتل بالخصوص    مواعيد القطارات من القاهرة إلى سوهاج وأسعار التذاكر    ضبط مطعمين فى بنها بالقليوبية لحيازتهم دواجن ولحوم مجهولة المصدر    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تاجر خضروات يطلق النار على موظف بمركز لعلاج الإدمان فى مدينة 6 أكتوبر    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    فعاليات موسم الرياض الترفيهي 2025 تجذب 12 مليون زائر منذ انطلاقه    نيويورك تايمز عن ترامب: الصين وروسيا لن تستخدم منطق إدارتي وفنزويلا تهديد مختلف عن تايوان    14شهيدا بينهم 5 أطفال في قصف صهيونى على غزة .. و حصيلة العدوان إلى 71,395    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    كرة يد - منتخب مصر يتعادل وديا مع البرتغال استعدادا لبطولة إفريقيا    الأوقاف: 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام    فيفا يبث كواليس كأس العالم عبر منصة تيك توك    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    آخر تطورات سعر الدينار البحريني أمام الجنيه في البنوك    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    الصحة تتابع الاستعدادات الطبية لمهرجان سباق الهجن بشمال سيناء    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فيديو :"ذئاب الجبل" الأرض مقابل السلاح



الوصول إليهم حلم مستحيل‮..‬ومحاولة الاقتراب منهم مخاطرة بالاحتراق‮.. رجال تبدو عليهم قسوة القلب والكراهية لكل مظاهر الحياة،‮ وكأنما نحتت ملامحهم من صخور الجبال التي‮ يحمونها وتحميهم‮.‬
أقصي ما نعلمه عن حياتهم بعض مشاهد عابثة وباهتة في دراما الصعيد،‮ وحكايات الأجداد عن‮ "‬الخط‮" والسفاح وقصص مشاهير الجبل الذين تحولوا من أشقياء إلي أبطال في الوعي الشعبي‮.‬
هناك في الجبال التي تحتضن محافظات الصعيد من الأقصر وقنا مرورا بأسيوط والمنيا وسوهاج‮.. يجمعهم التمرد والرغبة في الانتقام من شعب بأكمله‮. ينتشرون بطول مصر وعرضها‮.. إنهم المطاريد أو الحليقة‮ (‬من التحليق علي المارة وقطع الطريق ليلا‮) وذئاب الجبل عند جمهور التليفزيون المصري‮.‬
يتاجرون في‮ السلاح والمخدرات، إلي جانب وظيفتهم الأساسية أنهم قتلة مأجورون‮..‬وتختلف أعمارهم ما بين الكهولة والشباب‮.‬
‮"‬الوفد الأسبوعي‮" قررت المخاطرة‮.. واقتحام هذا العالم المجهول الذي‮ يمثل أصحابه جهازا امنيا مستقلا وحكومة تستعصي علي الخلع رغم ثورة‮ يناير‮.‬
جاءني هاتف في‮ حوالي‮ الخامسة من مساء الخميس قبل الماضي‮ من صديق لي‮ يطلب مني ان نغير طبيعة عملنا الجاف من تتبع اخبار رموز الفساد القابعين خلف اسوار سجن طرة الي‮ قضايا ومشكلات اجتماعية واخري لم‮ يكشف عنها النقاب بعد، قابلته بدعابة‮ "‬انت عايز نعمل شغلنا عن المطاريد اللي‮ بينيموا بلدكم من المغرب‮" فرد بحزم‮ "‬إيه المشكله تعالي وانا اساعدك‮".
لم أفكر طويلا،‮ سألته‮ "‬أجيلك امتي‮".. واتفقنا علي موعد التنفيذ‮ يوم الخميس الماضي‮ في تمام الحادية عشرة صباحا‮.. اتجهت لأول مرة في‮ حياتي ناحية الصعيد مسافرا لساعات طويلة حالما بالوصول إلي منزل صديقي‮ وبدء المغامرة‮.‬
الطريق ممتع ومثير للخيال‮.. الجبال مصطفة علي جانبيه كلما ابتعدت عنك سألت عنها لتجدها تطل بقممها مرة أخري‮.. نسمات الهواء القادمة من النيل تشاغب الصدر وتنعشه وتملؤني بالامل في‮ ان قادم مصر هو الأفضل‮.. عاودني التركيز والخوف مما سارعت علي الإقدام عليه دون أدني مراجعة للنفس واعتبارات الخوف علي الحياة،‮ حتي أفقت علي‮ صوت رفيقي المصور"إحنا في‮ دشنا‮".‬
سريعا جاءني الهاتف من صديقي‮ الدشناوي‮ "‬انت فين‮".. وجدت نفسي‮ أمام منزله علي‮ النيل, سألته عن موعد بدء المهمة فسخر من حماستي وطلب الانتظار حتي صباح الجمعة قائلا‮: "‬النهار له عينين‮".‬
صديقي‮ أخذ‮ يؤكد لي أنه رتب كل الأمور للقاء المرتقب حتي حانت صلاة الجمعة‮..‬صلينا ثم عرفني بالوسيط الذي‮ طلب مني ألا اذكر اسمه او اي شيء‮ يدل علي‮ شخصه، واخبرنا ان موعد اللقاء الذي تحدد له عصر الجمعة تأجل لظروف لا‮ يعلمها إلا صاحب القرار‮.‬
تمالكت نفسي‮ "‬مفيش مشكلة ان شاء الله نقابلهم بكرة‮ " لكنه صدمني مجددا‮ "‬لم‮ يحددوا موعدا جديدا بعد‮" وقال انه بانتظار اتصال منهم لإخباره بالموعد الجديد‮.. فلم أجد ردا‮.‬
التمست العذر لاصحاب الجبل فقبل أيام من زيارتي لهم كانت هناك حملات مكثفة لوزارة الداخلية والجيش علي‮ مراكز تجمعاتهم المتوقعة، ما‮ يجعلهم‮ يشعرون بالخوف والقلق من أي قادم من تحت‮ »‬ويعنون بها المدن‮« كما أن الثقة مازالت مفقودة بيننا‮.. فلأول مرة تعرض عليهم الفرصة ليتحدثوا للناس عبر الصح،‮ فقررت الانتظار‮.‬
لاح الموعد الجديد في‮ الأفق مع رنين محمول الوسيط‮.. أسرعت تجاهه واخذت الموبايل منه،‮ لأجد نفسي‮ اتحدث معهم مباشرة, واتفقنا علي‮ الموعد الجديد‮.‬
في‮ الثانية والنصف ظهر السبت تركنا مدينة دشنا واتجهنا جنوبا ناحية مدينة قنا ومنها عبرنا للناحية الغربية حتي استقرت سيارتنا في‮ الطريق الصحراوي الغربي،‮ وبعد10‮ دقائق جاء اتصال جديد ليخبرنا بمكان جديد للقاء‮.. وصلنا اليه بعد اكثر من‮ 20‮ دقيقة‮.. وانتظرنا10‮ دقائق أخري،‮ حتي وصل رسولهم بسيارة نصف نقل تحركت سريعا نحو الجبل‮ في‮ رحلة صعود استغرقت‮ 45‮ دقيقة‮ بين مدقات الصحراء وكولاتها‮ (‬المرتفعات التي تظهر فجأة‮) شعرت معها أني قطعت مسافة لاتقل عن‮ 20‮ كيلو مترا‮.‬
وأخيرا لاحت بشائر المطاريد في‮ الظهور‮.. شاب لا‮ يتعدي عمره‮ 25‮ عاما‮ يحمل سلاحه الآلي‮ توحي وقفته انه‮ يقضي‮ خدمته في‮ حراسة بوابة الدخول للمنطقة‮.. وبعد اجتيازه بمسافة‮ 100‮ متر وجدتهم‮.‬
عددا من الرجال‮ يجلسون علي‮ تبة ممهدة محاطة بزراعات القمح‮.. وبعد لحظات من استقبالهم وحفاوتهم بنا،‮ استشعرت وجوها أخري وراء أقنعة تبدي القسوة والصلف‮.. هنا‮ يخيم البؤس وتكسو الأحزان عيون الرجال،‮ فهم‮ ينتظرون مع كل لحظة حملة مسلحة من قوات الأمن مدعومة منذ سقوط النظام السابق بحملات الجيش أيضا‮.‬
مؤهلات صعود الجبل واحدة‮.. أحكام‮ غيابية بالسجن‮.. أحدهم‮ يصل إجمالي الأحكام الصادرة ضده إلي‮ 55‮ عاما وآخر‮ 50‮ عاما،‮ منها أحكام صدرت أثناء وجوده في حضن الجبل ولا‮ يعلم عنها شيئا،‮ إلي جانب‮ عدد لا بأس به من الهاربين من الثأر‮.‬
الموت‮ ينتظرهم في كل نفس،‮ يتحدون واقعهم بكل قوة وبأس، وشبح السجن‮ يحاصرهم فيهربون من سجون الدولة إلي سجن آخر لا حدود له‮.. إلا انك لا تستطيع التعاطف معهم بأي حال،‮ فكما أنهم ضحايا ظروف قاسية ونظام أمني‮ غاشم وأوضاع مفقرة،‮ فإنهم جناة تحفل سجلات كل منهم بعشرات الضحايا إن لم نقل مئات‮.‬
دفعني الفضول لأبدأ الأسئلة‮.. "‬إيه اللي‮ رماكم علي المر‮" تعالت الضحكات‮ "‬اللي‮ أمر منه‮ يا أستاذ‮".. بادرني أحدهم وقد بدت عليه علامات الشيب قائلا‮: ربما تدفعك الظروف لتكون واحدا منا‮ ،وقد‮ يكون اخوك او ابوك او ابنك احدنا‮ ،‮ فهناك أسباب خارجة عن إرادتنا دفعتنا‮ للخطأ حتي وصلنا إلي هنا وفينا ناس كتير مظلومين‮.‬
سألت‮: لكنكم جميعا مسلحون ببنادق آلية وطبنجات وتبدون في نظر الدولة والناس خارجين علي القانون،‮ فرد احدهم‮ "‬الحملة لما تيجي لن تفرق بين مجرم ومظلوم‮".‬
امسك شاب منهم بطرف الحديث وقال‮: لما ضابط صغير في‮ الداخلية‮ يقف في‮ كمين‮ يريد الترقية فيقول‮ "‬لازم تشتغل مرشد للداخلية‮" طبيعي أن أرفض لأني رجل حر والدم‮ يجري في‮ عروقي،‮ لكنه لن‮ يرضي بذلك منك فيبدأ في مطاردتك للإيقاع بك بتلفيق قضية سلاح او مخدرات او تقفيل قضية حد من الفلاحين اللي‮ تحت ويصدر ضدك فجأه حكم‮ غيابي بالسجن‮ 10‮ او‮ 15‮ سنة هتعمل ايه‮ غير انك تطلع الجبل عشان احنا مش هندخل السجن أبدا‮..‬
وعلي عادة الصعايدة في حب الشعر أخذ‮ ينشد"لا تسقني كاس الحياة بالمذلة حلو سكرا‮.. واسقني كأس الممات بالكرامة مرا حنظلا‮".. استشعرت بالتصميم والظروف القاسية التي‮ يحياها هؤلاء،‮ وشعرت بنبرة تحد في‮ تكوينهم‮.‬
طلبت من الموجودين التقاط عدد من الصور الفوتوغرافية فرفض الجميع رفضا قاطعا‮ يوحي بأنه لا رجعة في‮ قرارهم‮.. لكن بعد مداولات ومفاوضات اتفقنا علي‮ ان نلتقط صورنا بعيدا عن المكان الذي‮ يقيمون فيه، وكانت حجتهم أن الداخلية‮ "‬مابتهمدش‮".‬
ليس كل المطارديد الموجودين علي‮ الجبل مظلومين‮.. بينهم اشخاص استفادوا من كونهم مطاريد في‮ تنفيذ اعمال‮ غير مشروعة لصالح النظام السابق فاصبحوا اباطرة الجبل واساطير‮ يحكي عنها‮ "‬تحت‮" مثل عزت حنفي‮ في‮ النخيلة بأسيوط وخط الصعيد نوفل بقنا، فالنظام لم‮ يستغلهم فقط كبلطجية انتخابات، وانما استخدمهم طلائع لترويع الآمنين واشاعة الفوضي‮ طوال سنوات حكم مبارك والعادلي‮.‬
يقوم اقتصاد الجبل علي‮ مصادر متعددة للدخل تختلف باختلاف المكان وطبيعته،‮ فجبال جنوب الصعيد‮ يعتمد مطاريدها علي‮ تجارة السلاح القادم من السودان،‮ أما الجبال الغربية فتعتمد بشكل اساسي‮ علي‮ تهريب المخدرات وخاصة الحشيش والأفيون، اما الجبال الشرقية فلا تقتصر علي‮ تجارة المخدرات فقط، حيث قام عدد منهم باستصلاح الصحراء وزراعة القمح معتمدين علي مياه الامطار بالاضافة الي‮ تربية الاغنام والجمال‮.‬
هناك عدد اخر من المطاريد لا‮ يعتمدون علي‮ ذلك كله إذ تنحصر مواردهم في‮ السرقة وقطع الطرق بطول الطريق الصحراوي الغربي‮ خاصة عند مرتفعات نجع حمادي ما بين مركز المراشدة والوقف ومنطقة الاسمنت التابعة لمدينة نقادة‮.‬
وفي‮ خضم الظروف الصعبة التي‮ يعيشها المطرود فإنه لا‮ ينسي اهله وعائلته، فمن جراء نشاطه الاقتصادي‮ يقوم بإرسال النفقات لهم عبر‮ "‬مراسيل‮" يقومون إلي جانب ذلك بإحضار احتياجات المطاريد من المدينة‮ "‬العمار‮" من أطعمة وسجائر ولوازم أخري‮.‬
سوء إدارة الداخلية للصراعات التي تنشب في الصعيد أتاح الفرصة لأحد المطاريد لإعلان رغبته في‮ انشاء قوة فاصلة تحكم في‮ اي‮ صراع هنا وخاصة بين الشرطة والأهالي ومابين العائلات لان"القانون الحالي‮ مش تمام‮" - حسب قوله‮ - واحنا لازم نرجع للعرف تاني اللي‮ يغلط‮ يتحاسب بالبشعة‮ »‬طريقة بدوية للتأديب‮«.‬
‮"‬17‮ عاما قضيتها هنا في الجبل‮.. والايام شكل بعضها‮..‬لغاية ما نسيت شكل الحياة تحت‮".. قالها احدهم وقد‮ غطت التجاعيد وجهه‮.. ورغم كبر سنه وطول خبرته بالجبل فإنه لا‮ يترك دون سلاحه أبدا‮..‬
سألته الحياة تغيرت بعد الثورة؟ فرد متهكما‮: حبيب العادلي‮ الله‮ يرحمه عاملنا بجبروت فصنع منا اعداء لأهلنا ولمصر‮.. واضاف‮: الثورة لو نجحت هتغير شكل البلد‮ يمكن‮ يجيبوا حكومة تاخد بالها من الناس المظلومة‮.. قاطعته‮: كيف تري نفسك ورفاقك مظلومين وأنتم ظالمون ؟ فرد مش كلنا مظلومين‮.‬
لم‮ يكن الوسيط بعيدا عنهم فهو كما‮ يطلق عليه‮ "‬ابن جبل‮" إلا انه بعد الثورة اراد العيش بعيدا عن‮ "‬وجع القلب‮" وقرر النزول للعيش مع أهله من الفلاحين في القرية‮.. ويحكي‮: قضيت عمري ما بين فوق وتحت بسبب أبي الذي‮ كان‮ يجبرني علي‮ مشاركته في‮ تجارة المخدارت حتي أدركت حرمتها فقررت اعتزاله فلم‮ يرض وقام باضطهادي،‮ ولم‮ يبق امامي سوي الهروب للجبل‮.. بعدها قررت ان اترك الجبل واشتريت قطعة ارض لأزرعها فلم‮ يتركني ضابط القسم في‮ حالي، تقدمت ضده بأكثر من‮ 10‮ شكاوي قبل الثورة للرئيس مبارك ووزير الداخلية حبيب العادلي‮ وللحاكم العسكري ومجلس الوزراء لكن بلا فائدة حتي الآن‮.‬
ليس شرطا أن‮ يكون كل جبل‮ يطل علي‮ محافظة حكرا علي‮ مطاريد تلك المحافظة،‮ فهنا وجدت رجالا من أسيوط والفيوم وسوهاج وبالطبع قنا، أحد مطاريد سوهاج التي تصل جملة أحكامه الغيابية إلي أكثر من‮ 70عاما في‮ قضايا سلاح ومخدرات وأخيرا قتل،‮ رفض الحديث معي‮ لكني عرفت أنه القائد العسكري للمجموعة‮.‬
كانت الساعة قد اقتربت من السادسة والنصف مساء حين طلبوا مني إنهاء اللقاء حتي نستطيع العودة قبل ان‮ يسدل الليل ظلامه فداعبتهم‮ "‬أنا عارف الطريق ماتقلقوش‮".. فرد احدهم‮ "‬لا الطريق هيتغير عشان الامان‮" قلت‮: الداخلية ممكن تجيبكم بالخرائط من جوجل والفيس بوك‮"..‬فرد مداعبا"إحنا هنقفل الفيس كوب دا‮".‬
سألتهم‮: مع دخول الليل ماذا تفعلون؟ أجابني أحدهم‮ "‬في الليل الهم‮ يبقي‮ همين،‮ فنقسم أنفسنا لمجموعات تتناوب الحراسة علي‮ المكان ويذهب الباقون للنوم‮" سألت‮: وهل تذوقون النوم كبقية الناس؟ فرد‮: طبعا ننام ومرتاحين البال‮ أيضا،‮ ماعندناش حاجة نبكي عليها‮.‬
وقبل أن اغادر لمحت شابا في‮ العقد الثاني من العمر طغي علي‮ ملامحه الحزن‮..‬فاجأته بسؤال‮: ما حكايتك ساكت ليه؟ أجاب بعد فترة من الصمت‮: انتظر مولودي الاول وانا هنا منذ شهر فقط وصدر ضدي حكم‮ 15‮ سنة من المحكمة العسكرية بتهمة البلطجة،‮ وكلمت محامي لأقدم التماسا للحاكم العسكري ومازلت أنتظر الفرج‮.. سألته عن قصة الجريمة التي أسفرت عن هذا الحكم،‮ فقال:فيه ضابط شرطة مضطهدني وشيلني قضية سلاح قبل كدا كان فيها‮ 20‮ قطعة واتحكم علي‮ بالحبس سنه وقضيتها،‮ اما الآن فلن أذهب للسجن في‮ قضية ملفقة،‮ وأهون علي‮ اموت نفسي‮ ولا اقضي‮ يوما‮ في السجن ظلما‮.‬
رغم كل شيء إلا أن الأمل في العودة للحياة الطبيعية لايفارقهم‮.. قد‮ يري‮ البعض أن مطاريد الجبل بلا حقوق‮.. إلا أنهم‮ يطمعون في‮ كرم الثورة التي قامت للثأر من الظلم‮.. واتفقوا علي‮ انهم‮ يريدون مغادرة الجبل بشرط توفير مصدر عيش بحرية وكرامة وتطبيق القانون علي‮ الجميع بلا استثناء،‮ الضابط والغفير سواء‮.. كما اوصانا عدد ليس بقليل منهم بمطالبة المجلس العسكري بالنظر الي‮ قضيتهم وإسقاط الأحكام الغيابية ضدهم مقابل تسليم سلاحهم واستصلاح الجبال التي‮ يقطنون بها‮.‬
شاهد الفيديو


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.