جاء الإعلان الدستوري الذي أعلنه الرئيس محمد مرسي لتحصين قراراته وإقصاء القضاء ولو لفترة.. صادما لكل أطياف الشعب المصري الذي ينادي بالتحول إلي الديمقراطية ويحلم بأن يحقق أهداف ثورته والحياة بكرامة ببلده دون تمييز طائفة أو فصيل عن طائفة وفصيل عن آخر. إن الإعلان الدستوري الذي أقر كل فقهاء الدستور والقانون أنه خطأ أن يسمي بإعلان دستوري وإنما قرار بقانون ضرب به رئيس الدولة كافة القوانين والدستور الذي جاء به إلي مقعد الرئاسة والذي حلف اليمين أمام الشعب بأكمله وبكافة أطيافة وفصائله وباختلاف عقائدهم الدينية أنه يحترم القانون والدستور ، وها هو اليوم يخالف اليمين التي حلفها وأشهد الله عليها. لقد صرح الدكتور محمد مرسي بأنه لجأ إلي إصدار هذا الإعلان الدستوري لحماية الدولة ومؤسساتها القانونية والتشريعية من مؤمرات لوقف مسيرة الدولة للتحول إلي الديمقراطية والتي أحيط بها علما من مصادره الخاصة ولم يصرح بمن هم وراء هذه المؤامرات المزعومة. لقد خرج الرئيس مرسي من مقر الحكم بالاتحادية للتحدث إلي أهله وعشيرته من الجماعات الإسلامية التي كانت تحاصر مبني الاتحادية لدعم الرئيس وقراره بالإعلان الدستوري وكأن رئيس الدولة يحتاج في كل قرار يتخذه أن يطالب الجماعات الإسلامية التي هي أهله وعشيرته للخروج والتظاهر لدعم أي قرار يتخذه أي أنه يستقوي فقط بأهله وعشيرته وكأنهم هم جموع الشعب المصري كله. وهكذا ثبت بالدليل القاطع أن الرئيس مرسي جاء ليكون اليد الحاكمة لجماعة الإخوان المسلمين تماما كما جاء حزب الحرية والعدالة كذراع سياسية لجماعة الإخوان المسلمين. لقد تعهد الرئيس مرسي في دعايته الانتخابية أن يكون رئيسا لكل المصريين وليس رئيسا لفصيل معين من الشعب المصري وهو ما أكده أيضا في أحاديثه المتعددة بعد تنصيبه رئيسا للدولة أنه رئيس لكل المصريين، وها هي الأيام تثبت انحيازه فقط لأهله وعشيرته من الجماعات الإسلامية التي هو أصلا تخرج منها. الفصيل الأكثر والأقوي علي الساحة السياسية الممثل في الأحزاب السياسية والقوي الوطنية الأخري بما فيها الكنيسة أبدوا اعتراضهم علي هذا الإعلان الدستوري وتأثيره علي مجريات عمل الجمعية التأسيسية لما يشوبه من عوار قانوني ودستوري أيدهم في ذلك معظم فقهاء القانون والدستور الذين شاركوا في إعداد الدساتير المصرية السابقة وبعض دساتير الدول العربية بكفاءة شهد بها الجميع. لماذا إذا لم يوجه الرئيس مرسي حديثا لهولاء المعتصمين في ميدان التحرير ، لماذا لم يوقف زحف الجماعات الإسلامية المؤيدة له إلي مقر المحكمة الدستورية والتي قصد بها منع القضاة من أداء مهمتهم الشريفة، وهو ورجاله كانوا قادرين علي وقف هذا الزحف المخزي كما كانوا قادرين علي تجميع هذه الحشود من قري محافظات مصر لمليونية تأييد قرار الرئيس بالإعلان الدستوري والتي أرجعت ذاكرتنا للتجمعات التي كان يرتب لها الاتحاد الاشتراكي والحزب الوطني إنها نسخة مجددة لها، أليست هذه المشاهد كلها تؤكد تحيز الرئيس مرسي فقط إلي أهله وعشيرته من الجماعات الإسلامية؟ إن ما يهمني هنا هو قراره بالإعلان الدستوري الذي أدي إلي انقسام الشعب المصري بين مؤيد ومعارض ومنهم فصيل الأهل والعشيرة الذي يؤيد الباطل ويزهق الحق والفصيل الآخر من القوي الوطنية والأحزاب السياسية يؤيد الحق ويزهق الباطل وهكذا ينفجر الشقاق بين أفراد الوطن الواحد ويسب ويضرب المسلم أخاه المسلم وهو ما نهي عنه القرآن الكريم وسماحة الدين الإسلامي. إن صناعة القرار وأخذه لهي مهمة صعبة تتطلب أن يكون الشخص الذي بيده القرار يتمتع بالخبرة والرؤية والحنكة في كيف يصنع القرار ويتخذه بعد دراسة أبعاده التطبيقية علي كافة المحاور من اجتماعية إلي مالية واقتصادية إلي سياسية إلي دولية كل هذا يجب أن يؤهل به صاحب صانع القرار ومتخذه، ولكننا اليوم أمام قرار بإعلان دستوري أقر جميع الفقهاء القانونيين والدستوريين ببطلانه وكان لهذا القرار آثار غير محمودة علي الأوضاع المالية والاقتصادية للدولة وكلنا نتذكر أنه بمجرد صدور هذا الإعلان الدستوري حققت بورصة الأوراق المالية المصرية خسارة رأسمالية قربت إلي الثلاثين مليار جنيه مصري هذا بالإضافة إلي ما أثر علي مستقبل الاستثمار في مصر وأشاع حالة من الفزع للمستثمرين ولا يخفي علينا ما قد يكون لهذا القرار من أثر علي إنهاء الاتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي أظهر عدم ارتياحه لما يجري من أحداث في مصر نتيجة لهذا الإعلان الدستوري المرفوض. إذا لقد وضع هذا الإعلان الدستوري غير المبرر مصر وشعبها في حالة من الفوضي والانقسام الذي نتمني ألا يؤدي إلي مواجهة دموية بين الفصيلين وكان علي الرئيس محمد مرسي أن يكون أحوط من ذلك وتكون لديه الرؤية السليمة لما قد ينتج في الشارع السياسي المصري من جراء هذا الإعلان الدستوري الذي لم يبرر صراحة للشعب المصري أسباب إصداره هذا الإعلان الدستوري الذي أشاع هذا الجو السياسي غير المطمئن علي ربوع مصرنا الحبيبة. إذا كان الرئيس محمد مرسي كما أعلن أنه اتخذ هذا القرار لحماية الدولة ومؤسساتها القانونية والتشريعية من المؤامرات التي تحاك لها لوقف مسيرتها نحو التحول الديمقراطي، فعليه الآن أن يعلن للشعب المصري كله ما هي هذه المؤامرات ومن هم وراءها عله بذلك يمتص غضب الشارع السياسي عندما يعلم بالحقيقة وأن قرار الإعلان الدستوري جاء فعلا لدرء الخطر عن شعب مصر ومؤسساتها التشريعية والقانونية وأن هذا القرار لم يكن فقط لتصفية حسابات بينه وبين فئة القضاة من الشعب المصري كما يشاع، خاصة بعد مشكلة إقالة النائب العام السابق. إن للرئيس محمد مرسي نائبا له، ومن محاسن الصدف أن النائب المحترم من فقهاء القانون والدستور هذا بالإضافة إلي مستشاريه من السياسيين والقانونيين والاقتصاديين فلماذا لم يلجأ إليهم قبل إصدار هذا الإعلان الدستوري الذي وصفه نائبه أنه كان قلقا من هذا الإعلان، فهل قرار الرئيس مرسي بإصدار هذا الإعلان جاء منه مباشرة دون الرجوع إلي أي من مستشاريه أم أنه قد أملي عليه من رئاسة جماعة الإخوان المسلمين والتي لا يستطيع أن يعارضها؟ أسئله كثيرة يطرحها الشارع المصري في محاولة إيجاد مبرر واحد لإصدار الرئيس مرسي، هذا القرار بالإعلان الدستوري الذي أطاح بتوحد أيدي المصريين جميعهم في ثورتهم العظيمة والتي تهددها الآن حالة الانقسام بين أطياف الشعب الذي تسبب فيه هذا الإعلان الدستوري غير المبرر والذي لم يستطع من اتخذه أن يعلن صراحة للشعب المصري بأجمعه ما هي الأسباب الحقيقية التي برر بها إصداره هذا الإعلان الدستوري. لقد أتمت الجمعية التأسيسية للدستور مهمتها بكتابة مشروع أو مسودة الدستور وسلمتها لرئيس الدولة الذي أعلن بدوره عن طرح مشروع الدستور للاستفتاء العام يوم 15 ديسمبر 2012 والذي يثير الكثير من الجدل والشك في كيفية السرعة والعجلة في إنهاء كتابة مسودة الدستور قبل يوم واحد من اليوم الذي كان معلنا من المحكمة الدستورية للفصل في حل الجمعية التأسيسية ومجلس الشوري. الأمر الذي يثير الكثير من الحزن أن يخرج علينا المستشار المحترم نائب رئيس الدولة ويستهين بعقول الشعب المصري ويعلن أن الرئيس وهو قد فوجئآ بسرعة إنهاء كتابة مشروع الدستور وتسليمه للرئيس في هذا الوقت؟ لقد شاهدت الجلسة الأخيرة للجمعية التأسيسية للتصويت علي مواد الدستور وكم كنت حزينا من الأسلوب السطحي الذي كان يتم لأخذ التصويت وما كان هناك من ملاحظات لبعض الأعضاء علي صياغة بعض المواد وكان يلجأ كثيرا المستشار رئيس الجمعية إلي العضو من مجمع اللغة العربية لتصحيح الصياغة وكأنه لسرعة الإعداد والانتهاء من كتابة المسودة لم يكن هناك وقت كافٍ لإعادة صياغة المواد والتأكد من صياغتها العربية الصحيحة والتي تقطع الشك في أي معني لأي جملة أوكلمة قد تفسر بخلاف ما هو المقصود منها، وهذا في حد ذاته يعتبر من العوار الفني في صياغة مسودة أو مشروع الدستور المطروح للاستفتاء العام. إذا ما حاولنا أن نستخلص من هذه الأحداث أي تبرير يدعو لإصدار هذا الإعلان الدستوري «الذي جاءت مساوئه أكثر من منافعه» لا نجد أي مبرر جدي إلا أنه صدر بغرض شل القضاء عن أداء مهمته إلي أن يتحقق للحزب الحاكم أهدافه بالسيطرة علي كافة مؤسسات الدولة القانونية والتشريعية والتنفيذية. أما الأحزاب السياسية والقوي الوطنية التي انسحبت من الجمعية التأسيسية والتي لعبت دوراً سلبياً أو إيجابياً فيما وصلت إليه حال البلاد حول هذا الدستور فسيكون هذا هو موضوع المقال يوم الجمعة القادم بإذن الله. الرئيس السابق لحكومة الوفد الموازية