لم أكن أتوقع أن تكون نهاية والدتى على يدى فلذة كبدها، ابنها الصغير، كما يقولون آخر العنقود، فهى كانت دائمًا تدللنى وتقول لى أنت الابتسامة والفرحة اللى انتظرتها من الدنيا سنوات عديدة، تعذبت كثيراً وسمعت كلمات لوم وعتاب من والدى لأنها كانت دائمًا تنجب له بنات، وكانت كل مرة تظل تبكى من أجل «صبى»، هذا بجانب غضب والدى منها عقب الولادة وعتابه لها بالسب والألفاظ الجارحة لأنها لم تستطع إنجاب «ولد»، كان دائمًا يهددها بأنه سيتزوج من أخرى لتنجب له طفلاً يحمل لقب الأسرة من بعده. بابتسامة ساخرة، قال «كريم» قاتل والدته من أجل شراء السم الأبيض كانت أسرتى تتعذب من أجل «صبى» ليحمل لقب الأسرة ولم تعلم أننى سوف أجلب لهم العار، وبدلاً من رفع رأس الأسرة دفنت رءوسهم فى الرمال، بسبب جريمتى البشعة التى شهدتها منطقة الدخيلة بالإسكندرية وتحاكى عنها الجميع: كيف يعقل أن شاباً يقتل والدته؟ بكى «كريم» قائلاً: والدتى كانت هى كل حياتى أحبها أكثر من نفسى ولم أتحمل أبداً أى أحد يسىء لها حتى لو بنظرة، فهى تحملت من أجلى أنا وشقيقاتى الثلاث متاعب الحياة وكافحت من أجل دراستنا، رفضت أن يخرج أحد منا من المدرسة لمساعدتها هى ووالدى فى نفقات المنزل، وقررت أن تعمل هى لمساعدة والدى الموظف البسيط، حتى نتفرغ نحن لدراستنا، مرض والدى وظلت تكافح وعملت فى كل المجالات رغم أنها سيدة أمية فإنها لم تخجل، رفضت أن نأكل من الحرام، وظلت تكافح علينا من عرق جبينها، حتى فارق والدى الحياة واستمرت رحلة كفاح والدتى، كانت دائمًا تجلس معى، وتروى لى بكاءها ليالى ودعاءها فى صلاتها من أجل أن تنجب ولدًا، ويوم أن علمت بحملها الرابع كانت تشعر بنور وأمل أن بين أحشائها ولدًا، وقررت أن يكون اسمى «كريم» لأن الله كرمها بطفل بعد عدة سنوات عذاب. ابتسم «كريم» ابتسامة حزينة قائلًا: كانت فرحتها لم تقدر، اعتقدت أن الدنيا ابتسمت لها مرة أخرى وأنها ملكت الكون وما فيه، ولكن للأسف حبها الشديد لى أكثر من شقيقاتى وتدليلها لى كان هو نفسه سبب شقائها، كانت تخاف على من كل شىء، ودائمًا تهتم بشئونى لم تتركنى أعتمد على نفسى أو أتحمل معها المسئولية خاصة بعد وفاة والدى، فهى كانت تعمل ليل نهار من أجل تحقيق متطلباتى أنا وشقيقاتى، حتى بعد أن حصلوا على شهاداتهم وتزوجوا، ولكن للأسف أنا لم أحقق لها أملها وحصلت على دبلوم متوسط، ورغم ذلك والدتى حاولت أن تساعدنى فى أن أكافح لتحقيق مستقبل أفضل وقامت بالحصول على قرض، وقامت بتأجير محل لى افتتحته مكتبة صغيرة كانت فى البداية تحقق لى أرباحًا كثيرة، وأقوم بسداد أقساط القرض، وطلبت من والدتى أن تجلس فى البيت خاصة أنها أصبحت مسنة ولم تستطع العمل مثلما كانت بعد أن أصيبت بمرضي السكر والضغط، فرحت والدتى بأننى أصبحت رجلًا يعتمد عليه وقررت أن تزوجنى من أجل أن تحقق باقى رسالتها، ولكن للأسف لم تكمل فرحتها بسبب أصدقاء السوء، تعرفت عليهم عن طريق المكتبة وكانوا يجلسون ينتظرونى بعد عملى للجلوس فى حفلات السهر معهم، وفى أحد الأيام فى خطوبة صديق لنا وأثناء الاحتفال قام أصدقائى بإحضار الحشيش ولفافات الهيروين، وطلبوا منى أن أجرب فى البداية رفضت ولكنهم ظلوا يسخرون منى ويقولون لى «يا ننوس عين ماما»، للأسف نجحوا فى استفزازى حتى إنى قررت أن أثبت لهم إنى راجل، أخذت جرعة هيروين، وكانت بدايتى لطريق الضياع، وللأسف من وقتها وأنا حياتى دمرت. كنت فى البداية أأخذه مجاملة بدون أموال من أصدقائى، وبعد ذلك حينما تأكدوا أننى أصبحت مدمنًا رفضوا وكانوا يبيعون لى التذكرة بمبلغ باهظ، كنت أحصل على أرباح المكتبة لشراء المخدرات، تعثرت ماديًا ولم أستطع سداد الأقساط حتى إن تم الحجز على المكتبة، وعلمت والدتى بأننى مدمن، وكانت صدمة كبيرة لها، حاولت أكثر من مرة أن تأخذنى للمصحة النفسية للعلاج، ولكنى كنت أهرب ولم أستطع أن أتحكم فى نفسى، وكنت أستغل كبر سن والدتى واعتدى عليها بالضرب وبعت عفش المنزل من أجل شراء المخدرات، تعذبت والدتى بسببى كثيرًا ورغم ذلك كانت تخاف على وتخشى أن يبلغ أحد عنى قسم الشرطة وتوهم الجيران بأننى مريض. أصعب شىء هو وقت انسحاب المخدر من جسدى، وأتحول إلى مجنون لم أستطع أن أتحكم فى أعصابى ولم أر من أمامى، وبعد أن أتناول الجرعة أستعيد وعيى وأبكى وأحتضن والدتى وأعتذر لها عما حدث مما فعلته معها وأوعدها بأن أتعالج، سوف أقلع عن هذا السم. لم يتبق فى المنزل سوى سرير والدتى وتربيزة صغيرة تضع الأدوية الخاصة بها عليها، حاولت أن أسرق حقائب السيدات بالشارع ولكنى فشلت، اقترضت أموالًا كثيرة من الأصدقاء والجيران والجميع يطالبنى بالسداد، وأصبحت مهددًا بالسجن، ولم يتبق لى غير الموت من الإدمان أو السجن، لم أجد أمامى غير طريقة واحدة لحل كل مشاكلى وهى بيع الشقة التى نعيش فيها وأن أحصل على ثمن الشقة ونجلس فى شقة إيجار لكى أقوم بسداد المديونية التى تهددنى وأستطيع شراء المواد المخدرة. فى يوم الحادث انتهزت فرصة خروج والدتى لإحضار المعاش الخاص بها بحثت عن عقد الشقة فى كل مكان، انتابنى حالة من الرعشة والجنون حطمت أدوات المطبخ وزجاج الشقة، حين ذلك عادت والدتى للمنزل، طلبت منها إحضار عقد الشقة رفضت وتوسلت لى أن أترك الشقة التى تحمينا من الشارع، ولكنى رفضت مؤكدًا لها أن بيع الشقة هو الوسيلة الوحيدة لجلب الأموال، ولكنها رفضت بشدة وهددتنى بإبلاغ الشرطة عنى وإيداعى فى المصحة النفسية للعلاج، قمت بالاعتداء عليها بالضرب، حاولت أن أسرق منها المعاش ولكنها رفضت وصرخت وتقول لى ناكل منين حرام عليك، شعرت بشىء غريب يحدث لى وكأننى لم أسمع أصوات ولم أشعر إلا برأسى تتحطم على وشك الانفجار، ولم أر أمامى غير شبح المخدرات وأنا أحاول أن أحصل عليه بأى شكل، لم أشعر بنفسى طعنت أمى وأثناء محاولتها فتح الباب للهروب، هشمت رأسها، سقطت على الفور غارقة فى دمائها، ماتت أمى بيدى أنا المجرم.