كنت، وكانت مقالاتي وكتاباتي وسياسة جريدة الوفد، من أكبر الداعين الي اطلاق حرية تكوين الاحزاب السياسية في مصر.. عندما كان حزب الوفد هو أكبر وأول حزب ليبرالي في مصر.. وتشهد علي ذلك صفحات جريدة الوفد منذ كنت مديراً لتحريرها ثم رئيساً للتحرير لمدة تزيد علي العشرين عاماً ووقتها كان حسني مبارك في قمة حكمه وسيطرته علي مقدرات الامور في مصر. وكنت أري أن الديمقراطية والليبرالية هما الطريق الوحيد لانقاذ مصر مما هي تتجه اليه.. وها هي صفحات جريدة الوفد تؤكد ما أقول.. وكذلك ما كنت أقوله في كل البرامج التليفزيونية. كانت الحرية حلمنا.. والديمقراطية أملنا.. والليبرالية منهجنا. كان ذلك عندما لم يكن في مصر إلا 5 أو 6 أحزاب، لا أكثر.. بل كان منها من الاحزاب ما لا يعمل، وظهر الي وجه العمل السياسي أحزاب مثل حزب الامة لا يملك من أمره رشداً.. وكنت أرفض فكرة وجود لجنة لشئون الاحزاب تتحكم في المسيرة الديمقراطية.. وتسمح أو تمنع كما تشاء من ميلاد أحزاب سياسية تقود العمل السياسي وتشارك فيه بفاعلية.. لان النظام أيامها - ومنذ منتصف الثمانينيات يري ان وجود هذه الاحزاب انما هو كالديكور يزين جدران النظام.. وان سمح لها بالعمل فكلها كان يدور حول نسبة 5٪ أو 10٪ من العمل السياسي في البرلمان، أو علي الساحة السياسية! وكنا نرفض ذلك. الآن الصورة تغيرت تماماً.. وبالذات منذ ثورة 25 يناير حيث تم اطلاق العمل السياسي وبات الباب مفتوحاً لكل من يريد أن يكوِّن حزباً.. وتغيرت الصورة تماماً.. وعلي النقيض.. أصبحنا من حالة تقييد كاملة الي حالة طوفان وسيلان رهيبة. وأتحدي من يعرف عدد الاحزاب السياسية الآن في مصر.. بل أتحدي حتي لجنة شئون الاحزاب ان كانت تعلم علم اليقين عدد هذه الاحزاب.. أو تقول لنا - ان علمت - اسم كل حزب واسم رئيسه، أو أمينه العام. ولست أتهكم اذا قلت أيضاً ان معظم رؤساء الاحزاب الكبيرة يعرفون أسماء الاحزاب الاخيرة.. التي نشأت صغيرة.. ومازالت صغيرة! أو صاحبتها موسيقي تصويرية هائلة تبشر الناس بأن هذه الاحزاب سوف تأتي لمصر بالديب من ديله.. وفجأة تخفت الاصوات وتنتهي ولا نري لها طحناً أو لاعضائها صوتاً.. فأين ذهبت؟!. وأقسم بالله - وأنا متابع للعمل السياسي المصري بالمعايشة الفعلية منذ عام 1950 وحتي الآن، انني لا أعرف عدد هذه الاحزاب الآن بالضبط ولا حتي رؤساءها أو أبرز أعضائها.. فما بالنا مع كل المصريين الذين يسمعون ان عدد هذه الاحزاب تجاوز رقم الخمسين حزباً بكثير. واذا كان هذا صحيحاً فماذا تفعل هذه الاحزاب. وهل تسعي الي الشهرة.. أم تحاول أن تؤدي دوراً في الحياة السياسية المصرية.. ومن هذه الاحزاب ما استقبلته الجماهير بترحاب شديد لانها قامت علي أسماء لشخصيات ذات ماض طيب.. وكان لها من النضال.. سبيل. ولكن ما يؤلم أن ثوار يناير لم ينجحوا في انشاء حزب واحد، أو حتي ثلاثة أحزاب تمثل تياراتهم السياسية وتعرض أفكارهم. ولكن هذا لم يحدث.. وهو خطأ رهيب أضاع علي الثوار أن يحافظوا - هم وبأيديهم - علي الثورة التي قاموا بها.. بدلاً من أن يتركوا الثورة ليقطف ثمارها من هبط عليها واستولي علي كل نتائجها.. وابتعد الثوار الحقيقيون تماماً عن المشهد السياسي، اللهم إلا هذا العدد الهزيل من الذين صمدوا. وهكذا نجد ثورتين كبيرتين في مصر فشلتا في تكوين نظام شعبي حزبي ناجح. الثورة الاولي: يوليو 1952، التي تخبطت بين تنظيمات هيئة التحرير والاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي، وحتي الحزب الوطني إذ لم يكن أي تنظيم واحد منها تنظيماً شعبياً استطاع أن يغوص في أعماق الوجدان المصري.. كما وجدنا من ثورة 19 التي أفرزت لنا حزب الوفد الذي كان هو الحزب الشعبي الاول في مصر.. وما ان يدخل الانتخابات حتي يكتسح كل الدوائر ويفوز بالاغلبية الكاسحة دون أي تزوير.. وظل هو الحزب الليبرالي الرئيسي في مصر حتي ألغت ثورة يوليو الاحزاب في يناير 1953. الثورة الثانية التي عجزت عن تشكيل تنظيم حزبي ناجح هي ثورة يناير 2011 ولو كانت قد نجحت في ذلك لكان الوضع قد تغير كثيراً في مصر ولوجدنا نشاطاً سياسياً رائعاً في مصر.. فما هو سبب عدم حدوث ذلك.. هل لان الذين خرجوا يوم الثلاثاء 25 يناير لم يتوقعوا أن ينجحوا بهذا الشكل وبهذه السرعة.. وانهم عندما خرجوا كان خروجهم للهتاف لا أكثر ضد النظام، وأن هذا النظام سقط لانعدام أي من مظاهر القوة فيه ولانه كان نظاماً من عنكبوت.. وبالتالي فاجأهم سقوط النظام قبل أن يفكروا في الخطوة التالية. وأكاد أجزم ان عدم نجاح الثوار في انشاء حزب ثوري حقيقي هو الذي سمح بركوب جماعة الاخوان علي الثورة، وحتي ظهروا كما لو كانوا هم الذين قاموا بالثورة.. بينما هم لم يدخلوها إلا بعد مرور 4 أيام. ولا أعتقد ان الفرصة قد ضاعت.. وأن الثورة سرقها من لم يقم بها وهم الآن يتشبثون بها بالنواجز. وهم الآن يتحكمون في كل شيء لانهم الاكثر تنظيماً وبالتالي الاكثر قدرة علي العمل وعلي الحركة.. بينما معظم الاحزاب الليبرالية تتصارع علي الفتات.. سواء في البرلمان بمجلسيه.. أو علي عضوية لجنة اعداد الدستور.. وكان الاولي بها أن تحكم مصر وأن يكون رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان من بين أعضائها. هل ضاع الامل.. أقصد هل فشلت التجربة الديمقراطية والحزبية في مصر. إيه رأيكم؟!.