شيخ الأزهر يهنئ الرئيس السيسي والشعب المصري والأمة الإسلامية والعربية بعيد الفطر    رئيس الفيفا: كأس العالم في موعدها    تفاصيل مناقصة المليار جنيه في التربية والتعليم    سعر الريال العماني أمام الجنيه في البنوك المصرية بختام تعاملات الأسبوع    أخبار الاقتصاد اليوم: سوق الملابس الجاهزة يشهد انتعاشًا مع موسم الأعياد.. 500 جنيه تراجعا في سعر جرام الذهب.. نمو الإيرادات الضريبية بنسبة 36% خلال العام المالي الحالي    الوطنية للإعلام توجه الشكر لوزارة الاتصالات على إنشاء تطبيق إذاعة القرآن الكريم    إصابتان جراء صواريخ من لبنان على مستوطنة كريات شمونة    «المصريين الأحرار»: السيسي أول رئيس جمهورية يتحرك وسط المخاطر لدعم الأشقاء    9 مباريات يغيب عنها كورتوا.. أبرزها الكلاسيكو    منصور: لا نشعر بالقلق من جماهير بلوزداد    ضبط سائق توك توك تعدي علي سيدة بالسب لخلاف حول الأجرة بالقاهرة    مصرع سيدة متأثرة بإصابتها بعدما صدمها قطار فى قنا    مراكز شباب مطروح تستعد لاستقبال صلاة عيد الفطر    مباحث الإسماعيلية تضبط عاطل داخل سيارة بحوزته مواد مخدرة وسلاح ناري    اللون الأزرق الحلقة الأخيرة، تحسن كبير في حالة الطفل حمزة وعودة العلاقة لطبيعتها بين أحمد رزق وجومانا مراد    باحث ل إكسترا نيوز: القاهرة تتمسك بحق الدول في حماية سيادتها وترفض الحل العسكرى    الرعاية الصحية بالإسماعيلية تعلن خطة التأمين الطبي خلال عيد الفطر    كوليبالي: كأس أمم أفريقيا لن يتزحزح من السنغال    استنفار لتأمين احتفالات عيد الفطر.. خطة أمنية محكمة لضبط الشارع وحماية المتنزهات    مدرب السنغال يتحدى الكاف: لن نسلم كأس أمم أفريقيا مهما حدث    الخزانة الأمريكية تسمح ببيع النفط الروسي المنقول بحرًا    الخارجية الأمريكية: عودة أكثر من 70 ألف أمريكى من الشرق الأوسط    طريقة تحضير بسكويت العيد في المنزل زي المحلات    4 أفلام تتنافس على إيرادات عيد الفطر فى دور العرض    شمعة التيوليب.. لمسة فنية لعيد الأم    متحدث مقر خاتم الأنبياء: إسرائيل تعتزم مهاجمة منشآت أرامكو لاتهام إيران وخلق الفتنة بين دول المنطقة    موسم مسرحى.. «عيدية» للجمهور    مفتي الجمهورية يهنئ الرئيس السيسي بحلول عيد الفطر المبارك    المتحدة تعيد تعريف السباق الرمضاني بموسم ينقل الحكاية من السرد إلى الوعي ويرفع شعار: الجودة تغني عن الكثرة.. والقيمة تعلو على التريند.. والرسالة أقوى من عدد المشاهدات    الشباب والرياضة ترفع درجة الاستعداد لاستقبال عيد الفطر    26 مارس أولى جلسات استئناف محام على حكم حبسه في سب وزيرة الثقافة    علاقة سكر الدم بمشاكل عصب الأسنان    الأب أندراوس الأنطوني يزور سفارة مصر في لبنان    النقل الجوي: التوترات فى الشرق الأوسط تدفع نحو ارتفاع أسعار تذاكر الطيران    منظمة التجارة العالمية: الحرب في الشرق الأوسط تهدد الأمن الغذائي العالمي    المفتى: الأعياد في الإسلام طاقة رحمة ومناسبة لترسيخ التكافل ووحدة الأمة    «الرعاية الصحية»: رفع درجة الاستعداد القصوى خلال احتفالات العيد بمحافظات التأمين الشامل    وزير المالية للعاملين بالوزارة: «خليكم فاكرين.. إننا شغالين عند الناس ومهمتنا خدمتهم»    وكيل صناعة الشيوخ: القيادة المصرية تلعب دورًا محوريًا في تعزيز التضامن العربي    محافظ قنا يهنئ "انتصار رمضان" لفوزها بلقب الأم المثالية على مستوى المحافظة    «الصحة» تكشف مواعيد عمل الوحدات ومكاتب الصحة خلال إجازة عيد الفطر    10 نصائح طبية تجنبك أضرار الفسيخ والرنجة.. أهمها طريقة الأكل والتخزين    الأم المثالية بالقليوبية 2026.. قصة سيدة اختارت البقاء بجوار الألم حتى صنعت الأمل لأبنائها    ضبط أخطر عصابة تزوير وثائق السفر واستغلال جوازات مزيفة    رئيس بيراميدز يكشف اخر تطورات الحالة الصحية ل محمد حمدي    حافظ الشاعر يواصل كتابة سلسلة مقالاته «رمضان..حين يعود القلب إلى الحياة»..المقال(الأخير)..الليلة الأخيرة من رمضان.. حين تكتب الخواتيم ..ها نحن نقف على عتبة الوداع    بعد المغرب.. مفتى الجمهورية يعلن موعد أول أيام عيد الفطر المبارك 2026    الخلاف المتكرر.. ما حكم إخراج زكاة الفطر نقداً؟    البطريرك ثيودوروس الثاني يحيي ذكرى البطريرك إيليا: "لقد أحبني كأب"    بعد مقترح الحكومة بالعمل أونلاين| هل يطبق هذا الإجراء علي المدارس أم لا؟    طقس اليوم: مائل للدفء نهارا وبارد ليلا.. والعظمى بالقاهرة 23    الحرس الوطني الكويتي يسقط 5 طائرات مسيّرة فجر اليوم    دعاء يهز القلوب.. فجر 29 رمضان من مسجد الصفا بكفر الشيخ (لايف)    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الخميس 19 مارس    تودور: أداء توتنام كان مميزا رغم الخروج.. واللاعبون قدموا كل شيء    ضبط المتهمين بالتعدي على أسرة بالضرب في الشرقية    كأس مصر – زد إلى النهائي للمرة الثانية في تاريخه بعد ثلاثية ضد طلائع الجيش    فوز الأهلي والزمالك بالجولة الثالثة من الدور النهائي لدوري السوبر الممتاز لآنسات الطائرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من "مدينة نصر" إلي "التحرير"...ذكر ماجري في "جمعة الغضب"!
نشر في الوفد يوم 27 - 01 - 2012

قال لي عامل محطة البنزين البسيط مبتسماً "إنت مش خايف وحاطط ورقة كمان! إن شاء الله التغيير جاي ومصر حتبقي أحسن"! وكنت بعد يوم 25 يناير وإنهيار أخر حواجز الخوف أحضرت ورقة وكتبت فيها "التغيير قادم" ووضعتها علي سيارتي، كان هذا في نظري أقل مشاركة في الأيام التي تلت 25 يناير استعداداً لجمعة الغضب،
كان التفاعل إيجابي للغاية من العديد من قائدي السيارات، الكثير منهم يشيرون لي بعلامة النصر ونتبادل الابتسامات الواثقة، كانت إرهاصات الثورة والحرية واضحة للغاية وظهرت في أجمل صورها في يوم 28 يناير "جمعة الغضب" ويالها من "جمعة" وياله من "غضب"، فإذا لم تكن شاركت في جمعة الغضب فسأحاول أن أضعك في أجواءها بإذن الله وإذا كنت ممن شاركوا فربما كانت كلماتي البسيطة تعبيراً عما تريد قوله أو ذكري تود الإحتفاظ بها....
6 إبريل وكفاية والإخوان وكلنا خالد سعيد والدكتور البرادعي... نسب الفضل لأهله!!
أتابع انشطة حركة كفاية و6 ابريل ثم "كلنا خالد سعيد" منذ مدة طويلة، وشاركت في الثورة بسبب دعواتهم وخاصة حركة 6 إبريل، أقول هذا الكلام في هذا الوقت الذي يهاجم فيه الجميع الحركة ولكنني هنا أكتب بالإنصاف الذي تعلمته وتعودته، هذه الحركة التي أرتبط اسمها بيوم تاريخي في تاريخ مقاومة "حسني مبارك" وهذه الحركة التي كانت دائماً وأبداً تبعث في نفسي الأمل في التغيير وأن المقاومة مستمرة، ومعها جماعة " الإخوان المسلمون" وحركة "كفاية" ثم دعوة الدكتور البرادعي للتغيير وبيان المطالب وحركة "كلنا خالد سعيد"، ورغم عدم انتمائي التنظيمي لأي من هذه الحركات والدعوات إلا أنه لاينكر دورها –بعد فضل الله- في الثورة ومقاومة التوريث وخلخلة النظام وإرهاق نظامه البوليسي إلا إنسان غير منصف أو غير متابع للوضع قبل زوال نظام مبارك! احتدمت الدعوات لجمعة الغضب، زرت موقع 6 إبريل لأعرف المساجد وأماكن التجمع وخط السير وقررت الذهاب إلي مسجد رابعة والإنطلاق من هناك وكان لابد من لقاء الأصدقاء وهناك دار حوار أقرب للخلاف...
الخميس 27 يناير ليلاً، لقاء الأصدقاء ولكل وجهة هو موليها!
نجتمع بشكل اسبوعي في نفس المكان، مكتب أحد الأصدقاء، يجمعنا كراهية النظام ويغلب علي الحاضرين التدين وبعضهم ينتمي إلي التيار السلفي، جلسنا معاً يوم الخميس 27 يناير ليلاً وقمت بطرح الموضوع وقلت أنني سأشارك وفي جمعة الغضب وكانت الورقة الملصقة علي سيارتي محل اعتراض من بعض الحاضرين، كان هناك صديقي "ضابط الشرطة" المستقيل حديثاً، وكانت خياراته واضحة: سأشارك في الثورة والأمر هذه المرة سيكون مؤثراً، كذلك صديقي "نصف الفلسطيني" والذي هو في الحقيقة مصري حتي النخاع بالإضافة إلي أحد الأصدقاء الشباب الذين تعرفت عليهم لأول مرة وهو شاب شجاع ومتحمس وسبق اعتقاله ويكره النظام بشدة! في نفس الجلسة كان هناك جانب المعارضة، لايحبون النظام ويرغبون في زوالة ولكنهم يظنون أنه لاشئ سيحدث وأننا سيتم اعتقالنا وسنعامل بشكل مختلف لإنتماء أغلبنا إلي التيار الإسلامي! مرارات الظلم والإعتقال والإضطهاد بالإضافة إلي بعض الإنفصال عن الواقع كانت ظاهرة في كلامهم ولم يكن هناك أي استعداد للإستماع لذلك قررت أنا ومن معي أن نلتقي غداً في مسجد رابعة العدوية قبل الصلاة وعلي "تليفونات مع بعض"... تليفونات  !!؟
الجمعة صباحاً: حوار داخلي في الطريق للمسجد!
في الصباح حاولت التحدث مع اصدقائي، جميع الهواتف لاتعمل وهذا مؤشر خطير، أخبرت زوجتي أنني قد لا أستطيع أن أتصل بها وأوصيتها ألا تخبر أمي وأن تسامحني ثم نظرت إلي بناتي الصغار وفي داخلي قلت لهم "أحبكم وأرغب أن أراكم تكبرون ولكني أحب أيضاً أن تكبروا في وطن حر كريم وأحب لكم مالم أره في معظم سنوات عمري، وإن لم أعد لكم يكفيني شرف المحاولة"، نزلت مسرعاً وقررت ترك سيارتي تحت بيت أحد الأصدقاء بجوار المسجد، وفي الطريق ترادوني مخاوفي القديمة! لست صغيراً، في نهاية الثلاثينات، أكره النظام واصرح بذلك دائماً، وفوق كل ذلك انا "ملتحي"، صحيح أنني غير منتمي لجماعة معينة ولكنني "ملتحي" ومتردد علي أمن الدولة وهذا يجعلني صاحب معاملة خاصة في حالة ما تم الإمساك بي، ماهي المشكلة؟ ماذا سأخسر؟ ثم لماذا انا في المظاهرة؟ هل لأنني لاأملك دخلاً كافيا؟ ابداً، فأنا أعمل في مجال نظم المعلومات واحصل والحمد لله علي راتب جيد جداً، كما أني احاضر في بعض الجامعات الأجنبية واحصل علي دخل معقول منها؟ لدي شقة وسيارة واسرة واطفال، اسافر كثيراً خارج مصر والحياة ممتازة كما يقولون، لماذا انا في المظاهرة اذاً؟ لأنني فعلاً احب هذا البلد واعرف كمتابع وقارئ اننا نتأخر كل يوم، لأنني أكره هذا النظام وأعرف أنه لم يحب هذا البلد يوماً ما، ،لأنني اسافر كثيراً واري العالم وهو يتغير حتي في الدول العربية، وأري شعبي وبلدي وهو يتأخر، لأنني اكره الظلم واحب العدل، لأنني اكره الحزب الوطني ومنتفعيه وكل الطبقة الحاكمة التي تستغفل شعبنا الطيب، لأنني اشعر بالأسف علي وطني الجميل وأشعر بفقراءه ومطحونيه وإن لم أكن منهم، وبالأسف علي حال معظم محافظتنا المنسية وعلي اشياء كثيرة لابد ان تتغير.
علماء السلطان، وأغرب خطب الجمعة و.. الله أكبر!!
وصلت الي المسجد قبل الصلاة بمدة، المسجد ملئ بالشباب والشيوخ في وقت مبكر قبل الصلاة بساعتين، الأمر واضح تماماً وكلنا ينظر للأخر بثقة وابتسامة وإن لم نعرف بعضنا قبل ذلك، بمجرد صعود الخطيب الي المنبر ظهر صوت عالي في المسجد (شخص من الأمن يخفي الأحذية)، قمت بالوقوف وطلبت من الشباب الهدوء وبالفعل استجابوا لي، بدأ الخطيب علي المنبر يتحدث عن اهمية الاستقرار! والحفاظ علي الممتلكات وطاعة ولي الأمر! وهنا بدأ البعض يقاطعه ويصيح فيه "يا أعوان الظالمين" "ياعلماء السوء"، كنت أشير لهم بالهدوء ولكن الأمر كان قد استفحل، بدأ بعض المصلين من غير المتظاهرين ينصرف من المسجد قبل الصلاة عائداً إلي بيته وهو في شدة الخوف مما يحدث! قام الخطيب باختصار الخطبة وانهاء الصلاة بسرعة، ثم... ثم كانت اللحظة التي لاتنسي!! بدأ التكبير بصوت عالي داخل المسجد، الكل يصيح "الله أكبر" "يسقط الظالمين" "يسقط النظام" وياله من شعور لا أستطيع وصفه ومازلت أشعر بطعمه الرائع، ثم انطلقنا الي الشارع، يا الله ماكل هذه الجموع؟؟!
أعداد غفيرة من البشر من أهالي مدينة نصر، الكل يصيح: "سلمية، سلمية" ويردد بصوت واحد "الشعب يريد اسقاط النظام، يسقط الرئيس، ياأهالينا انضموا لينا، ياأحلي اسم في الوجود يامصر، بلادي بلادي" من جميع الطبقات من جميع الفئات العمرية، مسلمين ومسيحيين كله معاً، جميع السكان في الشرفات والشبابيك يشيرون للمتظاهرين ويهتفون معهم، اختفي خوفي تماماً (وهو خوف جيل بأكمله نشأ في عهد السيد الرئيس وتربي علي المشي جنب الحيط) وشعرت بالفخر والعزة والانتماء لأول مرة منذ سنوات... فعلاً لأول مرة منذ سنوات!
قنابل غاز مبكرة، وصلاة أمام المستشفي القبطي!!
عند شارع يوسف عباس وقبل المنصة تم اطلاق الغاز المسيل للدموع، كان معنا الخل والذي اصبح العلاج النافع، كان هناك اصرار علي منعنا من التوجه الي صلاح سالم، بعد محاولات وصمود قمنا بالمرور واصبحت المظاهرة ضخمة للغاية، سرنا في صلاح سالم وكان الشارع كله لايسير فيه إلا المتظاهرون من أوله لأخره، ثم العباسية وجميع الأهالي (بلا مبالغة) يحييون المتظاهرين ويلقون لنا بزجاجات المياه وبعضهم ينضم لنا ويترك أسرته عندما نصيح "إنزل، ياأهالينا انضمو لينا"، قابلت أصدقائي الثلاثة بالإضافة إلي العديد من أصدقاء الطفولة والمدرسة والمنطقة، كلهم في المظاهرة، الكثير يسير بال "شبشب وسجادة الصلاة وصحيفة الأهرام" بلا أي إعداد، أحدهم قال لي وكأنه يحدث نفسه "أنا أول مرةً أخرج في مظاهرة، أنا اتربيت إني أخاف من أمين الشرطة، نفسي ابني ميبقاش كده!"، وصلنا الي المستشفي القبطي قبل ميدان رمسيس، هل سرنا علي أقدامنا كل هذا؟! غير معقول، منذ سنوات لم أمشي كل هذه المسافة، إنها إرادة الله ولاشك عندي! لم يكن هناك اي قائد للمظاهرة، قلت لأحد الأصدقاء: شئ غريب أري الشرطة تتركنا وتنسحب من أمامنا، "ياتري ايه اللي حيحصل؟" بدءا من المستشفي القبطي وحتي ميدان رمسيس هناك سحب هائلة من الغاز المسيل للدموع، الكل اختنق والكل يساعد الآخرين بواسطة الخل والمياه الغازية، صلينا العصر أمام المستشفي القبطي وكانت صلاة رائعة! اشتد الغاز وظننت اننا لن نعبر هذا المكان، ولكني أريد الوصول للتحرير، بعد حوالي ساعة فتح ميدان رمسيس وصاح الجميع لقد هرب الجنود وتركوا المكان..وعند الدخول وجدت دروع الشرطة ملقاه علي الأرض وسحب الدخان في كل مكان والتقينا مع مجموعات قادمة من كل الاتجاهات وازددت يقيناً بالوصول للتحرير وبدأت معركة ميدان رمسيس وشممت رائحة جديدة...رائحة الموت!!
ميدان رمسيس...كميات غاز رهيبة ومشاهد لاتنسي:
بعد دخول الميدان انضمت لنا مجموعات كبيرة قادمة من إتجاهات متعددة، تجمعنا أمام مسجد الفتح وهتفنا معا، ثم بدأنا المشي في شارع رمسيس وعندها تم إطلاق كم رهيب من الغاز لم أره سابقاً ووقعت أحدي القنابل أمامي مباشرة ودخلت كلها في صدري، شعرت بالاختناق التام وخطرت لي فكرة الموت بشدة، نطقت الشهادتين وقام صديقي بسحبي من يدي عائدين في إتجاه المحلات الموجودة أمام مسجد الفتح، هناك جلس علي الأرض التقط أنفاسي بصعوبة شديدة، ووجدت أحد الشباب الصغار بجانبي، ابتسم ثم قال "ولا يهمك إن شاء الله كله حيكون خير"، كان إطلاق الغاز بشكل مكثف، وقمت بالتجول في الميدان، كان المشهد كالتالي:
- أصحاب المحلات في الميدان في قمة التعاطف، معهم الخل والمناديل وبعضهم ينقل لنا الأخبار من التلفزيون أولاً بأول.
- كان هناك شاب مصاب بالرصاص وعلي وشك الموت وعندما سألت قالوا لي أنه أصيب من قسم الأزبكية.
- أغرب المشاهد، هو مشهد محلات الفول والطعمية والكشري والكبدة وهي تعمل في قلب الحدث ووسط قنابل الغاز والرصاص المطاطي ، عندما ذهبت ناحية قسم الأزبكية، وجدت المحلات تعمل بشكل عادي والمتظاهرين يأكلون، وأنا شخصياً دخلت وقمت بشراء ماء ومياه غازية، وهي ظاهرة غريبة تحتاج للدراسة شاهدتها كثيراً بعد ذلك، قدرة المصريين علي ممارسة الحياة وسط أية أجواء!!
- بعض المتظاهرين انصرف عائداً إلي بيته مكتفياً بالوصول إلي ميدان رمسيس، البعض جلس في مكانه ينتظر ماذا سيحدث والبعض قرر الاستمرار منطلقاً من ناحية قسم الأزبكية... وكنت منهم بفضل الله.
ذهبت ناحية قسم الأزبكية وهناك وجدت سيارة شرطة مشتعلة أمام القسم، وقال لي البعض أن أهالي المنطقة هم من قاموا بإشعالها، قمت بالسير مع بعض المجموعات في نفس الشارع في اتجاه ميدان التحرير وفي الطريق رأيت بعض عربات الشرطة المتروكة وكان هناك بعض الشباب يحاولون قيادتها ولكني أكملت السير مع المجموعات حتي مبني صحيفة الأهرام، وهناك كانت مواجهات عنيفة وقريبة ومشاهد مبكية!
مبني الأهرام، مواجهات طويلة وإنسحاب مفاجئ!!
نستريح قليلاً بجوار مبني الأهرام، الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع لم تتوقف، أجلس علي رصيف المبني فأجده بجواري، وجه مصري أصيل، تخطي الأربعين، ملابس بسيطة كبساطة حياته، حذاء قديم تخرج قدمه منه، ينظر إلي قائلاً: "فاضل أد إيه علي المغرب ياشيخ؟"، أرد عليه فيستكمل حديثه: ضروري نصل إلي التحرير ان شاء الله مهما كان الثمن، أنا لدي ثلاث أولاد واسكن في غرفة واحدة واعمل في الحكومة وراتبي حوالي ثلاثمائة جنيه، الإيجار وحده مئة جنيه جنيه، أنا إنسان شريف، لم أسرق يوماً ولم ولن أطعم أولادي حراماً، ماهو المطلوب أن افعل؟، هذا رئيس جمهورية لم يشعر بنا يوماً ما، لابد أن يرحل، لقد صليت الجمعة وخرجت مع الجموع، ليس لدي أي مشكلة أن أموت شهيد، شهادة خير من حياة كلها ذل وحاجة... يقطع صوت الرصاص والقنابل المسيلة حوارنا ونواصل المحاولة للوصول الي التحرير كانت المحاولات عبارة عن كر وفر، هجوم من المتظاهرين وانسحاب من الشرطة والعكس بالعكس، إصابات متعدد وحروق واستمر هذا لمدة حوالي ساعة ثم فجأة إنسحبت الشرطة وتركت المكان! كان هناك "كشك" في قلب المواجهات وتعرض لوابل من القنابل والرصاصات والأحجار وبدأ الجميع يشترون المشروبات والمأكولات ورأيت بعيني الشباب تطفئ النار التي امتدت للكشك نتيجة قنابل الغاز ورأيت بعيني احد الشباب يعطي صاحب الكشك 50 جنيه ويقول له أسفون عن أي أضرار وبكي صاحب "الكشك" بدموع حقيقية وتأثر، ذهبت الي شارع رمسيس من ورأيت مجموعات رهيبة من المتظاهرين، اصبحت المظاهرة ضخمة وتكتلت والكل يصيح: الشعب يريد اسقاط النظام، كان الصوت عالياً جداً والأعداد رهيبة، اقتربنا من التحرير وكان هناك العديد من عربات الشرطة المحترقة.
ميدان التحرير، الوصول الي الهدف، وإحساس لايوصف:
كان الوقت عند المغرب، منهك القوي متسخ الملابس، عطش شديد، تجمعت مع بعض الاصدقاء لصلاة المغرب ولكن سيل قنابل الغاز كان لاينقطع، حتي اننا أثناء الصلاة انطلقت قنبلة بجانبي تماماً، يبدو أننا تعدونا علي رائحة الغاز ولم تعد تؤثر كما كانت في البداية، المشهد هو هو، اطلاق غاز مكثف بواسطة الشرطة وعدد رهيب من المتظاهرين السلميين يرغب في الوصول الي ميدان التحرير، فجأة تجد من يصيح: الشرطة انسحبت، لأجد نفسي فجأة في التحرير وهناك كان المشهد رهيب، لاوجود للشرطة ولكن هناك العديد من متعلقاتهم ملقاه في الأرض، الدخان في كل مكان، اعداد رهيبة من المتظاهرين تملأ الميدان، اقتربت حتي وصلت الي الحديقة في منتصف الميدان ثم حتي الجامعة الأمريكية، لم يكن هناك اي تخريب او تكسير او تدمير للمحلات، الكل يصيح الشعب يريد إسقاط النظام، إطلاق رصاص حي وهناك العديد من المصابين، كم كبير من العربات المحترقة وقنابل غاز بكميات رهيبة من أول شارع القصر العيني، لايتوقف ابداً، بعض المتظاهرين يطالب بالتوجه الي مجلس الشعب والبعض يطالب بالبقاء كما نحن، تجمعنا لصلاة العشاء في وسط هذا المشهد وكان الإمام شيخ ملتحي ومعه أبنه الصغير وقرأ قراءة مؤثرة ومازال صوته في أذني ومازلت تلك الصلاة تحت القنابل والرصاص من أروع مشاهد هذا اليوم!
ميدان التحرير، تجمعات عديدة، وإحراق مدرعة جيش:
كنا في قمة التعب والإرهاق، جلسنا في حديقة الميدان، القنابل فوق رؤسنا ولكن لاأحد يهتم، نتحدث مع بعضنا البعض، كان هناك شباب ورجال من كل المناطق في مصر، كل يحكي حكايته، البعض نام في هذا الجو! هؤلاء هم من صنعوا الثورة، بحثت عن الوجوه المعروفة فلم أجد أحداً إلا بعض الشخصيات، الثورة صنعها الشعب بكامل طوائفه ومعظم من كان في الميدان بلا خبرات سابقة! كان المشهد في منتهي الغموض، ماذا سيحدث؟ تم اقامة بعض المتاريس لمنع دخول الشرطة، ولكن أين هي الشرطة؟ أعداد كبيرة من المصابين، خاصة بالرصاص المطاطي، كلام عن حظر للتجول وشائعات عديدة، الكل يتساءل أين الجيش والجميع يرغب في وجوده، مجموعات كبيرة من الشباب تصيح لا للسرقة لا للتخريب، وتقوم بحماية المتحف المصري، وشاهدت مبني الحزب الوطني وهو يحترق، فجأة تقتحم الصفوف مدرعة تابعة للجيش والبعض يصيح أنهم ينقلون أسلحة للشرطة لتضربنا بها، نقوم بعمل حواجز من بقايا ماتركه الشرطه وبالفعل نتمكن (لست أدري كيف؟) من أيقاف المدرعة التي كانت تسير بسرعة كبيرة جداً، ثم إحراق مقدمتها، ثم اخراج العسكري منها، وكان هناك البعض يرغب في ضربه، فقمت بالصياح فيهم والدفاع عنه مع بعض المتظاهرين والقول: سلمية سلمية، وبالفعل قاموا بتركه ينصرف!
نهاية يوم الجمعة وحوار مع ضباط في الجيش:
كانت الساعة قد تخطت العاشرة ليلاً، وكنت قد استنفذت طاقتي وقررت المغادرة إلي المنزل لطمأنة الأسرة وتغيير الملابس والعودة إن شاء الله وقدر، وأنا أغادر الميدان من ناحية ميدان الشهيد عبد المنعم رياض، شاهدت عدد كبير من المتظاهرون يحمون المنشآت ويصيحون لا للسرقة لا للتخريب، صعدت الي مطلع كوبري 6 اكتوبر وهناك وجدت الشرطة العسكرية ومدرعات الجيش، ذهب الي أحد الضباط وسألته ماذا سيحدث الآن؟ قال لي لم تصل الأوامر كاملة ودي حكومة بنت "..." وقام بسب الحكومة، وسألني ماذا يحدث في المظاهرة أخبرته ببعض التفاصيل وأن الجميع يرغب في حضور الجيش للفصل بينهم وبين قوات الشرطة التي لم تتوقف عن الضرب، ولكن الآن الوضع متوتر لوجود بعض عربات الجيش كانت تنقل الأسلحة للشرطة لذلك سيكون من الأفضل لو أحضرتم ميكروفونات وخاطبتم المتظاهرين لتوضيح أنكم هنا لحمايتهم وأن الجيش لن يعطي أسلحة للشرطة حتي يسمحوا بدخولكم بهدوء، قلت هذا بعد ذلك لحوالي 3 ضباط من الجيش، وتوقفت علي جانب الطريق لكي أوقف تاكسي، وتوقف لي تاكسي به أسرة مصرية بسيطة: ام وثلاثة اطفال، جلست بجانب الأطفال في الخلف، قالت لي الأم: ربنا يكرمك يابني، هو انتو عايزين إيه من المظاهرة دي؟ سكت للحظات ونظرت لأطفالها البسطاء وقلت لها نريد مستقبل أفضل لاطفالك، وأطفالي أنا أيضاً، نريد مصر جديدة للجميع، نريد أن نعيش أحراراً في وطننا، كانت الدموع تترقرق في عيني وقلبي وجسدي يرتعش، بكت المرأة وقالت والله يابني الأولاد دول أبوهم ميت وانا مش عارفة أعيش، ربنا يوفقكوا يابني وينصركم، عدت الي ميدان رابعة العدوية وهناك وجدت عساكر الجيش، سلمت عليهم وقلت لهم بصوت عالي منفعل "مصر حرة"، قالوا لي بنفس الإنفعال "مصر دايماً حتفضل حرة"!!
----------
استشاري نظم، محاضر أكاديمي
http://www.facebook.com/wessam.elshazly


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.