«بدون مجاملات».. توجيهات مهمة من الرئيس لاختيار الدارسين بالأكاديمية الوطنية للشباب    لتعزيز الوعي الرقمي والحماية على الإنترنت.. إطلاق المنصة الإلكترونية «واعي. نت»    محافظ البحيرة تفاجئ الركاب بدمنهور وتهنئهم بحلول شهر رمضان وتستمع لمطالبهم    توقيع اتفاقيات تجارية لتطوير وتحسين جودة خدمات التليفون المحمول    الضفة.. إسرائيل تدمر بيتا ومقهى وتوزع إخطارات بهدم 23 منزلا    ريال مدريد يعلن قائمته لمواجهة بنفيكا.. غياب كيليان مبابي يربك حسابات ألفارو أربيلوا    ماركا: تشافي المرشح الأبرز لخلافة الركراكي في منتخب المغرب    تأجيل محاكمة أحمد رجب بتهمة سب وقذف بدرية طلبة ل25 مارس    تأجيل محاكمة المتهم بالاعتداء على فرد أمن كومباوند التجمع ل 11 مارس مع استمرار حبسه    الصغرى تصل إلى 7 درجات.. الأرصاد تحذر من الأجواء شديدة البرودة مساء    غرق مركب هجرة غير شرعية يضم مصريين قبالة جزيرة كريت.. والتعرف على 9 ناجين    أحمد مجدي ينعي والد مي عمر والمخرج محمد سامي يعلن موعد الجنازة    رحيل شيخ الإذاعيين فهمي عمر عن عمر يناهز 98 عامًا    مسيرات روسيا تستهدف البنية التحتية الأوكرانية.. وكييف تشن هجوما مضادا (فيديو)    جلسة الأربعاء توسع نزيف الخسائر في البورصة    تموين الأقصر تطبق مواعيد استثنائية لفروع المصرية لتجارة الجملة خلال رمضان    الناس كلها حزينة.. انهيار وبكاء أثناء تشييع جثمان فتاة بورسعيد المتوفية بمنزل خطيبها    حقيقة ادعاء سائق بدفع «فلوس» لعناصر تأمين الطريق لتحميل أجانب بالأقصر    «لفقولي قضية في المرور».. الداخلية تكشف حقيقة ادعاءات مواطن بالفيوم    الإسماعيلي ينعى اللواء إبراهيم إمام مدير النادي السابق    النائب مصطفى سالم: الدولة تحتاج موارد والمواطن يجب أن يطمئن أن سكنه ليس عبئا    شيري عادل تخطف الأنظار بأداء مذهل في الحلقة السابعة من «فن الحرب»    الليلة.. "مسيرة الحصري" في أمسية رمضانية بقصر الإبداع الفني    أمين البحوث الإسلاميَّة: امتداد السند وصولًا إلى الإمام الطيِّب شاهد على رسوخ الأزهر    نائب رئيس حزب المؤتمر: «صحاب الأرض» نموذج للدراما الوطنية الداعمة لقضية فلسطين    محافظ القليوبية: نشهد طفرة في القطاع الصحي غير مسبوقة    أردوغان يعلن بدء التحقيق بسقوط مقاتلة إف-16    الصيام المتوازن للمرأة العاملة، نموذج غذائي يمنع الإرهاق في العمل    السيطرة على حريق بمنزل دون إصابات بشرية في طما بسوهاج    الرعاية الصحية تطلق حملة لحماية مرضى السكري من مضاعفات القدم السكري بجنوب سيناء    محافظ الشرقية يهنئ رئيس الجمهورية بمناسبة الذكرى ال1086 لتأسيس الجامع الأزهر الشريف    ارتفاع سعر اليورو اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026 بالبنوك المصرية    كيفو: حاولنا فعل كل شيء لكسر تكتل بودو جليمت الدفاعي.. هم يستحقون التأهل    25 فبراير 2026.. الذهب يرتفع 40 جنيها وعيار21 يسجل 7000 جنيه    محافظ القاهرة يطلق فعاليات «أبواب الخير» بالأسمرات لتوزيع 40 ألف كرتونة    «مديرة المبادرات الصحية»: «المقبلين على الزواج» تطلق حزمة فحوصات لضمان صحة الأجيال| فيديو    اتصال هاتفي بين وزير الخارجية ووزيرة خارجية الفلبين    بمقولة الوطن باق والأشخاص زائلون، علاء مبارك يحيي ذكرى وفاة والده بكلمات مؤثرة    جوتيريش يعلن تعيين مبعوث جديد للأمم المتحدة إلى السودان    بالأسماء، وزير الداخلية يأذن ل 21 شخصا بالحصول على الجنسيات الأجنبية    وزير التعليم العالي: الدولة تدعم تطوير الجامعات التكنولوجية    الجناح الناعم ل«تنظيم الدم».. كيف كشف «رأس الأفعى» استغلال الجماعة الإرهابية للنساء؟    بث مباشر مباراة النصر والنجمة اليوم في الدوري السعودي.. الموعد والقنوات الناقلة والمعلق وتشكيل العالمي    عدوى وجفاف.. القصر الملكى النرويجى يعلن أخر تطورات الحالة الصحية للملك    رئيس وزراء باكستان يجري محادثات مع أمير قطر في الدوحة    وزير الصحة يبحث تفعيل تقنية الروبوت الجراحي لتعزيز المنظومة الطبية..والبداية من «معهد ناصر»    «كامويش» خارج حسابات الأهلي في الموسم الجديد    بشرى: المرأة قوية ولا تنتظر رجلًا ليقرر استقرارها    تصريح صادم من «ترامب» حول العاصمة الأمريكية: «خالية من الجريمة»    يارا السكري: مشهد "موت أيمن" في "علي كلاي" الأصعب بالنسبة لي    إدارة الأهلي تتحرك مبكرًا لصفقات الموسم الجديد قبل انطلاق الميركاتو الصيفي    رغيف واحد أفضل من عبادة سبعين عامًا.. قصة من أسرار الصدقة    حكم إلزام الطفل بصيام رمضان.. وما السن الواجبة لأداء الفرض؟    مع سابع أيام رمضان.. موعد أذان الفجر اليوم الأربعاء 25فبراير 2026 في المنيا    أمين البحوث الإسلامية يهنئ أحمد الطيب بالموافقة على إنشاء كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بالقاهرة    أسرة عبد الرحيم علي في ضيافة نشأت الديهي.. عبد الرحيم علي: نجاحاتي جعلتني هدفًا للمتربصين وحملات التشويه.. وداليا عبد الرحيم: والدي يمتلك حجرات في قلبه لكل واحدة منا    كبار القراء ونجوم دولة التلاوة يحيون سابع ليالي رمضان بتلاوات ندية وابتهالات روحانية عطرة    الزمالك يوضح سبب استبدال عمر جابر في مباراة زد بالدوري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ابو مازن، الفلسطيني الاخير
نشر في التغيير يوم 08 - 03 - 2005

من البداية كانت اولوية عرفات الوحدة الوطنية معتبرا انه لا يمكن تحقيق اي انجاز بدونها. فكان صلة الوصل بين فلسطينيي الشتات وفلسطينيي الداخل، هؤلاء الذين هجّروا من ارضهم في 1948 وخضعوا للاحتلال في 1967، المقيمين في غزة والضفة الغربية، شيبا وشبانا، اثرياء ومعوزين، مستقيمين وفاسدين، محدثين وتقليديين، مناضلين ومسالمين، اسلاميين وعلمانيين. وقد رأيناه في آن واحد زعيما وطنيا، رجل القبيلة، سامريا صالحا وقائد حركة علمانية ومتدينة في العمق. وقد اراد نفسه الممثل الابرز لكل من هذه الجماعات المتنافرة حتى عندما كانت تدين بوجهات نظر متعارضة او حتى متناقضة. وغالبا ما كان اسلوبه عرضة للانتقاد والسخرية لكن نادرا ما طاول الرفض موقعه المميز. ومن غير المؤكد ان يتمكن أي زعيم فلسطيني آخر من انتهاج اساليبه السياسية في المستقبل القريب او طالما دام الاحتلال على الارجح.
\r\n
\r\n
ان الرجل الذي اختاره الشعب الفلسطيني ومؤسساته لخلافته متميز عنه في كل الوجوه لكنه شبيه له في مجال اساسي. فالسيد محمود عباس، ابو مازن، ينتمي مثل عرفات الى صنف نادر: انه وجه وطني فلسطيني اصيل لكن بطريقة مختلفة جذريا. فبينما تحول عرفات رمزا وطنيا من خلال تماهيه مع كل الفئات والفصائل اصبح ابو مازن رمزا من دون التماهي مع اي منها. كان عرفات يتدخل في كل القضايا المحلية بينما محمود عباس يعلو عليها معتبرا نفسه في الاساس خادما للحركة الوطنية في مجملها. كان \"الختيار\" يدير دفة الحكم بطاقة لا تنضب وبحضور جسدي وخطابي طاغ. اما الرئيس الجديد فيتمتع بصوت لا يكاد يسمع وبقامة لا تفرض نفسها وهو بنى مسيرته بعيدا عن الاضواء. مع وفات عرفات تنتقل السياسة الفلسطينية من زمن الوطأة الى زمن انعدام الجاذبية.
\r\n
\r\n
كان عرفات يعيش في عالم اقرب الى عوالم بورخيس حيث تتساكن الاشياء ونقائضها في المكان والزمان نفسيهما وحيث الاهمية لوقع الكلام وليس لمعناه فتتشكل الحقيقة من مزيج الاوهام بالوقائع. عالم ابو مازن منغرس في المألوف، فيما ينظر اليه غالبية الناس على انه منطق الاشياء. ويبدو خطابه اكثر قبولا وواقعه غير مسكون بشياطين الماضي. وداعا لسياسة الغموض واهلا بسياسة العقل البارد والمنطقي.
\r\n
\r\n
ابو مازن سياسي عن اقتناع بمعنى انه ليس محترفا حقيقيا للسياسة. ليس من الصنف الذي ينسج المكائد اذ غالبا ما تعكس افعاله شخصيته واطباعه. من هنا تأتي نجاحاته الكثيرة وايضا فشله المتعدد. يستوحي سلوكه من حس اخلاقي عميق ويحتقر الانتهازية السياسية. له ثقة مفرطة بسلطان العقل ومن النادر ان يستسلم او يعلن العداء اذا ما لقي معارضة او تجاهلا. وحيث انه مقتنع بامتلاك المنطق والعقل وان الآخرين يتّبعون المنطق والعقل فانه يفضل الانتظار والصبر حتى يصل الآخرون الى اقتناعاته. ليس ممن يتلاعبون او يغدرون او يتآمرون وهذا ما يفسر نفوره القوي من التلاعب والغدر والمؤامرات التي يحوكها الآخرون. ومن هنا نفهم علاقاته المتقلبة مع عرفات لانه لم يكن يتردد في معارضة \"الختيار\" ويلجأ الى الانعزال بدل المواجهة او التسوية. ولأن عرفات كان يعرف ان ابو مازن، وخلافا لغالبية زملائه، كان صريحا وليس انتهازيا فانه نادرا ما فقد الثقة به وكان يسامحه على الدوام.
\r\n
\r\n
ابو مازن مسلم عميق التقوى، يستوحي الدين ولا يقبل زجه في السياسة. يصلي يوميا ويصوم رمضان من دون حب للظهور سواء في الصلاة او الصوم. الدين في نظره ايمان شخصي وليس مظهرا ولا بالطبع ضابطا للشأن العام. وهذا ما يمنحه تفوقا اكيدا في لقاءاته التي باتت متكررة مع قياديي \"حماس\" و\"الجهاد الاسلامي\": فهو المقتنع انهم ليسوا اكثر ايمانا منه لا يرى في \"السياسي الاسلامي\" سوى السياسي وليس الاسلامي. والاهم انه متمسك بمجموعة من المبادئ يتردد في التفريط بها ويكره الابتعاد عنها. في خريف العام 1999 وبعد انتخاب ايهود باراك رئيسا للوزراء في اسرائيل، قدم اقتراحا بسيطا الى المسؤولين الاميركيين حول الحل النهائي: دولة فلسطينية في حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية مع الاعتراف بمبدأ حق العودة للاجئين. ضمن اطار هذه المعايير وانسجاما مع القانون الدولي، ترك مجالا للتفاوض حول احتمال مبادلة الاراضي بنسب محدودة ومتوازنة من اجل الاخذ في الاعتبار وجود بعض المستوطنات الاسرائيلية ومنح اليهود الحق في دخول الاماكن المقدسة من دون اي عقبات اضافة الى تنفيذ مبدأ حق العودة مع الاهتمام بالمصالح الديموغرافية لاسرائيل.
\r\n
\r\n
لكن الاهم كان الموافقة المسبقة على هذه المقترحات والا فقد الحل شرعيته الدولية والسلام عدالته. تجاهلت الولايات المتحدة واسرائيل هذه المقترحات واتخذت المفاوضات التي جرت طابع البازار بعيدا عن أي منطلق مبدئي: فالنسبة المئوية من الضفة المفترض اعادتها الى الفلسطينيين كانت تتغير بين يوم وآخر كذلك السيادة على احياء القدس الشرقية او عدد اللاجئين المسموح لهم بالعودة الى اسرائيل. كانت هذه الطريقة في التعامل غريبة عن ابو مازن الذي لم يأمل في تحصيل أي نتيجة ايجابية منها لا بل اعتبرها مضرة بمصالح الشعب الفلسطيني وغير صادقة ازاء الاسرائيليين اذ انها تثير اوهاما غير مؤكدة حول حجم التنازلات الفلسطينية المحتملة.
\r\n
\r\n
بالرغم من انزعاحه من مسار المداولات التي سبقت قمة كمب ديفيد في تموز/يوليو 2000 [2] ، فان ابو مازن كان يعارض بشدة اطلاق الانتفاضة المسلحة التي تلت هذه القمة. فالعنف يمثل في نظره منذ زمن طويل خيارا غير مفيد وغير منطقي كأن يصار الى استخدام اضعف الاسلحة الفلسطينيية ضد الخاصرة الاسرائيلية الاقوى. ويروح يقارن بين فوائد العنف الهزيلة وتكاليفه الباهظة: اسرائيل نجحت في رص صفوفها الداخلية، الولايات المتحدة اختارت معسكرها، المجموعة الدولية ادارت ظهرها للفلسطينيين والسلطة الوطنية الفلسطينية في حال انهيار.
\r\n
\r\n
الهدف المنشود في رأيه هو على العكس معاودة الصلة مع مختلف المجموعات الاسرائيلية والتحدث بلغة تفهمها واشنطن وكسب العالم لصالح القضية الفلسطينية. لذلك على الفلسطينيين تهدئة الاوضاع وترتيب البيت الفلسطيني والسيطرة على الميليشيات المسلحة وبناء مؤسسات شفافة ومركزية وخصوصا وقف الهجمات المسلحة على اسرائيل. انه يدعو الى تجانس بين الاهداف والوسائل اذ ان الصدى الذي يلقاه النضال يتأثر بالطريقة التي يخاض بها هذا النضال. فمن ضبط النفس الفلسطيني يأتي الدعم الدولي الاقوى وقابلية افضل من الشعب الاسرائيلي للمطالب المنطقية.
\r\n
\r\n
يعتقد العديد من الفلسطينيين ان تفضيل الاقناع على الضغط مخاطرة في حد ذاتها وهم يعارضون رؤية ابو مازن ويعتبرون ان اسرائيل وليس الفلسطينيين هي التي عسكرت الانتفاضة. فخلال الاسابيع الاولى من الانتفاضة الثانية كانت الغالبية الساحقة من الضحايا في صفوف الفلسطينيين، وعندما كان يصار الى ترتيب وقف لاطلاق النار بصورة غير رسمية كانت اسرائيل تخرقه. واذا توقف الفلسطينيون عن القتال فيعني ذلك نزع سلاح من طرف واحد يحرمهم من اي وسيلة ضغط.
\r\n
\r\n
تنبع نظرية ابو مازن من خبرته الطويلة مع اسرائيل والاسرائيليين. فقد شكل في السبعينات الى جانب عرفات وابو جهاد [3] (خليل الوزير) ثلاثيا مكلفا شؤون الاتصالات مع الاسرائيليين. وقد بدأت تلك الاتصالات مع مجموعات هامشية ومناضلين مناهضين للصهيونية لتتسع شيئا فشيئا وتشمل مواطنين عربا في اسرائيل واليسار الصهيوني وضباطا سابقين معتدلين واعضاء في حزب العمال. بعد اتفاقيات اوسلو السرية في صيف 1993 والتي لعب فيها دورا محوريا، خطا ابو مازن في اتجاه الحوار مع مجموعات لا تتضح في الظاهر اهمية الحوار معها ولو انه يعتبرها الاكثر تأثيرا وهي الليكود واليهود المتشددون.
\r\n
\r\n
وقد استخلص من كل هذه المبادلات ان المفارقة في المجتمع الاسرائيلي المعقد جدا في تركيبته انه يحمل طموحات بسيطة جدا تتلخص في الأمن والطمأنينة. فاذا تمكنا من توفيرهما ستوافق غالبية الاسرائيليين على التنازلات المطلوبة من اجل اقامة سلام عادل ودائم. ويعتقد بعض الفلسطينيين ان موقف ابو مازن هذا هو في منتهى السذاجة فيما ينظر اليه البعض الآخر انه قمة في الواقعية السياسية.
\r\n
\r\n
ليس لابو مازن مريدون اوفياء ولم يعد له اخصام حقيقيون. هذا ما يفسر القبول بصعوده الميسر نسبيا نحو السلطة. بعد اربعة اعوام من المعارك العنيفة والمدمرة وبعد فقدانهم زعيمهم التاريخي الاوحد، كان الفلسطينيون في حال الصدمة والقلق والاجهاد. ولم تكن هناك من رغبة لدى الجمهور او لدى الاحزاب والفصائل في خوض معركة وراثة سياسية. لم يكن ابو مازن الخيار الاول لاي من هذه الاطراف فتحول الخيار الطبيعي لها جميعها. فهو آخر الفلسطينيين الذين يتمتعون بقوام وطني وشرعية تاريخية والوحيد القادر على التكلم أصالة باسم الجميع. وكان اختيار اي اسم آخر سيؤدي الى نزاع اخوي طويل ومكلف. ان انتخاب ابو مازن لم يمنحه الشرعية بقدر ما أكد هذه الشرعية.
\r\n
\r\n
اجتمعت في شخص ابو مازن مجموعة من المصالح المتنافرة. فالفلسطينيون الذي كانوا يخشون بعد وفاة عرفات المزيد من الفوضى رأوا في ابو مازن رمزا مطمئنا حول الامن الشخصي والاستقرار العام. والعديدون الذين انهكتهم الانتفاضة والردع الاسرائيلي يعتبرونه الوحيد القادر على توفير بعض الهدوء وربما بعض التحسين في اوضاعهم. والمناضلون الذين تلاحقهم اسرائيل يرون فيه الشخص القادر على التوصل الى عفو عنهم يمكنهم من استئناف حياة طبيعية. ويرى رجال الاعمال والنخبة الاجتماعية انه يتفهم حاجاتهم ويمكنه خلق مناخ مؤات لمصالحهم. عناصر الادارة البيروقراطية المتضخمة على يد السلطة الوطنية الفلسطينية والآملون باستعادة الفوائد التي خسروها خلال الانتفاضة، يراهنون على مساعدة ابو مازن لهم. كذلك فان اصوله من صفد، المدينة الاسرائيلية راهنا ومساندته العلنية والمتكررة لحق العودة تطمئن الى حد ما اللاجئين وفلسطينيي الشتات القلقين من رؤية مصالحهم تضحى على مذبح المفاوضات القادمة. اخيرا انحاز الكثير من الفلسطينيين الى من اعتقدوا انه يحوز رضى الولايات المتحدة، القوة الوحيدة التي يحسب لها حساب، فبات خيارهم انعكاسا الى حد ما لخيارات الآخرين.
\r\n
\r\n
تلاق غريب حصل هكذا، بين سكان الضفة (الذين يخشون انسحابا اسرائيليا قريبا يقطع الصلة بالقطاع) واهالي غزة (الذين يخافون ان تسعى الضفة الى منع هذا الانسحاب) الذين اتفقوا على ابو مازن بالرغم من مرحلة التشكيك التي تمر بها العلاقات بينهما. فكونه ليس بحليف لهذا او ذاك فهو ليس مصدر تهديد لاي طرف من الاطراف. راهن البعض على تمرد للجيل الجديد في \"فتح\" [4] . لكن الخلافة حصلت باكرا بالنسبة لمشروع مفعم بالمخاطر يقوم على تحدي الهيئات القيادية في حركة ينخرها الانقسام. فالذين يرون انفسهم قادة المستقبل بين الفلسطينيين وجدوا في ابو مازن رجلا دون انحياز خاص ضامن للاستمرارية ووجها انتقاليا مثاليا قادرا على تحضير الظروف المناسبة لمن سيخلفونه في يوم ليس بالبعيد. في الوقت نفسه، تمسك الاوفياء القدامى لعرفات المتعلقون بامتيازاتهم واوضاعهم الخاصة وعلى رأسهم اعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح تمسكوا بمحمود عباس كآخر حاجز في وجه الطموحات المتسرعة للوافدين الجدد.
\r\n
\r\n
من جهتهما تدرك كل من \"حماس\" و\"الجهاد الاسلامي\" جيدا ان برنامج ابو مازن لا يتطابق مع طموحاتهما وهو يرفض على وجه الخصوص العنف وفوضى السلاح ووجود ميليشيات مسلحة. لكنهما تعاملتا معه في الماضي وتعرفان ان اسلوبه اقناعي اكثر منه قمعيا. واذ هما مقتنعتان ان اسرائيل لن تؤمن له وسائل النجاح فانهما مستعدتان للانتظار اذا لزم الامر حتى تنفتح المواجهات من جديد. اما الولايات المتحدة واسرائيل واوروبا والعالم العربي فان ابو مازن يمثل جلّ ما تطمح اليه من وضع حد للهجمات المسلحة وتعزيز المؤسسات الفلسطينية وحكم القانون والقائد الاقدر على تحقيقها. من ضمن هذه المروحة الواسعة جدا من الدعم الداخلي والدولي فان الذين يساندون مجمل برنامجه السياسي اقل بكثير ممن يعتقدون انه سيقف بالنهاية في صفهم. لكن في المرحلة الراهنة يتمتع ابو مازن بهامش نسبي من حرية القول والعمل، هامش اوسع مما كان يأمل به او ما كان يتوقعه عدد من المراقبين. ولم يصدر موقف واضح من الجماعات الفلسطينية التي كانت في السابق تضغط على عرفات وهو يحاول ارضاءها. فمراكز النفوذ السابقة تبدو في الوقت الراهن في حالة ركود لعجزها او لعدم رغبتها في تشكيل معارضة منظمة وفعالة. يأتي موقع ابو مازن هذا أكثر من اي قياديي فلسطيني آخر من كونه يتلاقى مع اولويات شعبه المباشرة اي الامن والعودة الى الحياة الطبيعية بعيدا عن خطر هجمات الجيش الاسرائيلي وبعض العصابات الفلسطينية، تحسين مستوى المعيشة واستئناف النشاطات الاقتصادية وفرصة التجول من جدبد بدون حواجز ومنع التجول الى ما هنالك من ممارسات مذلة. والمفارقة الكبرى هي ان الفلسطينيين يطمحون للعودة الى الحال التي كانت تسود قبل الانتفاضة وهي الحالة التي تسببت في نشوبها والذي يبدو في نظرهم ابو مازن الاقدر على استئنافها.
\r\n
\r\n
لقد فاز السيد أرييل شارون بهذه الجولة من النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي وهو كان يطمح على الدوام لجعل الفلسطينيين يسأمون من معركتهم الوطنية. فإفقارهم او تيئيسهم ليس في نظره هدفا في حد ذاته بل وسيلة لتحقيق غايته. فالفلسطينيون المنهكون اليائسون سيتوقفون عن التركبز على المسائل السياسية من اجل ملاحقة حاجاتهم الحياتية اليومية والمباشرة. هذا ما بات في متناول اليد وفق السيناريو الذي توقع ابو مازن حدوثه منذ اندلاع الانتفاضة المسلحة وهذا ما يبرر معارضته لها منذ انطلاقتها. فالتعب الفلسطيني يناسب الرجلين اذن ولو ان هناك اختلافا في ما ينوي كل منهما الاقدام عليه. فالفرصة ستوفر لشارون وسيلة مناسبة لنزع الطابع السياسي عن الحركة الوطنية الفلسطينية بينما يعتبر ابو مازن على العكس انها مرحلة ضرورية من اجل اعادة تسييس هذه الحركة على قواعد جديدة وصحية.
\r\n
\r\n
فالرئيس الفلسطيني لا يراهن على اتفاق نهائي مع شارون، فالعديد من الامور تفصل بينهما اولها تفضيل رئيس الوزراء الاسرائيلي اتفاقا انتقاليا وجزئيا على المدى الطويل يرجئ في اطاره التفاوض حول المسائل الحساسة أي الحدود ووضع القدس ومصير اللاجئين. ضمن هذه الشروط، لن تكون المرحلة الراهنة مرحلة اتفاقيات ثنائية بل قرارات متعددة الطرف حيث تنسحب اسرائيل من غزة وشمال الضفة على ان يعمد الفلسطينيون الى اعادة ترتيب أمورهم.
\r\n
\r\n
بالطيع يبقى الهدف الاخير لابو مازن التفاوض حول سلام دائم لكنه لا يعتقد ان اسرائيل مسنعدة له الآن. من خلال اعادة بناء المؤسسات الفلسطينية والحركة الوطنية نفسها وبالتخلي جديا عن النضال المسلح واستئناف العلاقات الدولية وبلورة المطالب الفلسطينية الثابتة وغير القابلة للتصرف، يعتبر ابو مازن انه يمكن تحضير مرحلة ما بعد شارون وان الشعب الفلسطيني يمكنه في هذه الاثناء استعادة الهدؤ الذي يطمح اليه.
\r\n
\r\n
يمثل هذا بدون شك رهانا طموحا، فالدعم الذي يلقاه ابو مازن واسع لكنه هشّ، ناتج من ظروف محددة اكثر منه نابعا من اقتناع صريح بشخصه او برنامجه. الخوف والقلق والانهاك الراهنة لن تدوم الى الأبد وعندها ستطفو مطالب ذات طابع أكثر سياسي على السطح كاطلاق السجناء الفلسطينيين وتجميد المستوطنات وانهاء الاحتلال. كلما مر الوقت صارت الخيارات أكثر صعوبة وتكاثر المناهضون المعلنون لهذه الخيارات. فمن بين من يدعمون اليوم ابو مازن من طرف اللسان هناك قسم سيتخلى عنه كما سيزداد بريق المعارضة المنظمة والفعالة وستسمع من جديد اصوات تدعو للعودة الى الكفاح المسلح. يأمل ابو مازن عند حلول هذا الوقت ان يكون قد حقق تقدما ملموسا استقرار، أمن، تحسين شروط الحياة، حرية الحركة يسمح له بمراكمة رأس مال سياسي لن يبدده بسرعة أي أنه يحاول تعويض خسارة دعم بعض المجموعات من خلال تعزيز الدعم الذي يلقاه من آخرين.
\r\n
\r\n
يدين ابو مازن بنجاحه الى المجتمع الدولي وخصوصا الولايات المتحدة. وهو متمسك بوضع حد للعنف وتحقيق الاصلاحات المؤسساتية وذلك لصالح البلاد لكنه يجد فيها فائدة ثانوية وهي دفع الرئيس بوش الى التقيد بتعهداته. فالرئيس الاميركي كان أكد أكثر من مرة ان الفلسطينيين اذا ما توصلوا الى السيطرة على الجماعات المسلحة وادخلوا الاصلاحات الديموقراطية على نظامهم فانهم سيحصلون عندها على دولة سيدة وقابلة للحياة. ان رهان ابو مازن بسيط: فاذا احترم الفلسطينيون تعهداتهم تضطر الولايات المتحدة الى فعل الشيء نفسه وتضغط على اسرائيل كي تقدم على الخطوات السياسية التي يكون الرئيس الفلسطيني بحاجة ماسة اليها.
\r\n
\r\n
يراهن ابو مازن ايضا على التغيرات المقبلة في اسرائيل آملا ان تدفع عودة الهدؤ المواطنين الاسرائيليين الى المطالبة بسلام شامل وان لا يكتفوا بالوضع القائم. اذا حدث هذا التطور في مهل قصيرة نسبيا فان ابو مازن يعتقد ان بمقدوره التعامل مع فقدان الصبر الشعبي من الجانب الفلسطيني وتفادي العودة الى النضال المسلح. انه يحتاج في المحصلة الى انتزاع ما يكفي من المبادرات من اسرائيل والمجتمع الدولي كي لا يصاب الشارع الفلسطيني باليأس من رئيسه بعد ان اصابه اليأس من الاوضاع السائدة. وكان ابومازن راهن وخسر رهانا من هذا النوع خلال رئاسته القصيرة لمجلس الوزراء بين 29 نيسان/ابريل و7 ايلول/سبتمبر 2003. لكن ثلاثة معطيات تبدلت منذ ذلك التاريخ: غياب عرفات واستعداد الفلسطينيين المتزايد لاعطائه فرصة واستخلاص اسرائيل والولايات المتحدة العبر من الخيبة السابقة لابو مازن.
\r\n
\r\n
هنا ايضا الخلاف مع عرفات واضح. فبينما يستفيد ابو مازن من وضعه بسبب تلاقيه مع المزاج الشعبي فان عرفات تمكن كل هذه السنوات من الاستفادة من وضعه لانه كان يحاول من دون ملل التلاقي مع هذا المزاج. من خلال تواصله المستمر مع كل مكونات المجتمع الفلسطيني كان عرفات يسعى للتحرر من الظروف الضاغطة على سياسته بينما في سعي ابو مازن للبقاء خارج المعترك الاجتماعي مخاطرة في ان يبقى على الدوام اسيرا للظروف المحيطة. فالرئيس الجديد يتمتع بسلطة مطلقة اكثر لكن موقتة اكثر. فبما انه تحرر من ضرورة تلبية جميع المطالب اكتسب هامشا واسعا جدا للمناورة لكن اذا تغير المزاج الشعبي واذا امتنعت الولايات المتحدة عن ممارسة الضغط على اسرائيل او اذا لم تقدم هذه الاخيرة التنازلات المتوقعة منها فان التوافق حول شخصه قد يتفكك بالسرعة نفسها التي تكون فيها.
\r\n
\r\n
وفي سياق المفارقات، يواجه ابو مازن تحديين اضافيين. فهو مدين بسلطته الى رصيده الدولي اكثر منه الى شعبيته والرأي العام الفلسطيني مقتنع ان الولايات المتحدة تملك الوسائل وهي لا تملكها لدفع السياسة الاسرائيلية الى الامام. فالفلسطينيون سيتوقعون منه اكثر مما املوا الحصول عليه مع عرفات. من ثم بقدر ما يرتكز الدعم الذي يتمتع به على شعور الفلسطينيين بالانهاك، يؤدي نجاحه في تحسين اوضاعهم الى تراجع هذا الدعم...
\r\n
\r\n
هناك عائقان يلوحان في الافق. الاول في الانسحاب المتوقع من غزة وهي مبادرة لا يمكنه الاعتراض عليها، فاسرائيل تعيد ارضا فلسطينية وللمرة الاولى منذ بدء النزاع يتم تفكيك مستوطنات قائمة فوق الاراضي الفلسطينية. عند تحرر غزة من الوجود الاسرائيلي يمكن اعادة اعمارها وتقديمها نموذجا لباقي الاراضي المحتلة. لكنه لن يقبل هذه العملية بحماسة حيث يخشى العديد من الفلسطينيين ان يترافق الانسحاب من غزة والذي سيجتذب انتباه العالم مع بناء مستوطنات جديدة في غزة والقدس واستمرار بناء الجدار العازل وهما عنصران في مخطط اسرائيلي لفرض حدود استنسابية وتقسيم الضفة الغربية الى كانتونات. وبين هذين الاعتبارين سيتعامل ابو مازن مع هذا الانسحاب باعتباره مكسبا فلسطينيا في اطار خريطة الطريق [5] مع الحد الادنى من التنسيق مع الاسرائيليين ومحاولة لفت الانتباه الدولي الى الضفة الغربية.
\r\n
\r\n
العائق الثاني يتمثل في الاقتراح الاسرائيلي اقامة دولة فلسطينية ضمن حدود موقتة في غزة وبعض اجزاء الضفة الغربية. واذ تطمع كل من الولايات المتحدة واوروبا في حصول هذه الخطوة الى الامام من هوسهما في بناء مؤسسات جديدة فانهما ستضغطان على الارجح على ابو مازن لانتزاع موافقته. والامر نفسه ينطبق على الدول العربية الراغبة في استقرار الوضع باي ثمن واعطاء اشارات الى مواطنيهم حول احراز تقدم مهما كان. لكن اذا كان البعض يرى في خطوة اسرائيل تنازلا فان ابو مازن يعتبره فخا ومحاولة لتمييع النزاع ونزع الطابع العاطفي عنه ليتحول مسألة حدود فقط وبالتالي تأخير الحل الشامل والنهائي. وسيسعى الرئيس الفلسطيني الى ان يبقى امينا لاقتناعاته وعدم اغضاب المجتمع الدولي ولو انه لا يعرف اليوم كيف سيتوصل الى ذلك.
\r\n
\r\n
سيكون لابو مازن كغيره نصيب من التلف من جراء ممارسة السلطة وها هو اكتسب او يجري اكتساب الميل الى الخطب الطنانة والاحتكاك الشعبي الذي اشتهر به عرفات. وبصورة أعم فان شرط استمراره سيكون تعاطيه باللعبة السياسية الدقيقة وهذا ما كان يقلع عنه لصالح \"الختيار\": الاولوية للتقدم المباشر من دون اهمال المسائل السياسية، الحفاظ على الثقة الاميركية والاسرائيلية من دون خسارة ثقة \"حماس\" و\"الجهاد الاسلامي\"، ضبط الميليشيات المسلحة من دون مواجهتها، حماية الحرس القديم في \"فتح\" من دون تخييب امل الجيل الجديد، الحفاظ على الوحدة الوطنية من دون الوقوع في أسرها، استجابة توقعات الولايات المتحدة من دون اعطاء الانطباع بالانحناء امام طلباتها/ انهاء العنف من دون الرضوخ لاسرائيل وبالطبع التمايز عن ميراث عرفات من دون تجاهله. [6]
\r\n
\r\n
سيكون التحدي الرئيسي امامه، مع مرور الزمن، توحيد الآمال العديدة المعقودة عليه وتحويل الدعم الهش الذي يلقاه من مجموعات متنافسة الى تأييد صلب لشخصه وسياسته. فهو في هذا المعنى اقوى واضعف مما تدل عليه نتائج الانتخابات الرئاسية فال 60 في المئة الذين صوتوا له ليسوا من مناصريه وال30 في المئة الذين اقترعوا لمنافسيه لا يمثلون معارضة منظمة أو موحدة .
\r\n
\r\n
جميع الاسئلة المطروحة اليوم تبقى بدون جواب. ماذا يحدث اذا اخفق ابو مازن في تحقيق ما يتوقعمنه الاسرايليون والاميركيون واذا احجم بوش وشارون عن توفير مستلزمات النجاح له؟ ماذا يحصل اذا فشل ابو مازن في الحصول على اتفاق مع \"حماس\" و\"الجهاد\" و\"كتائب شهداء الاقصى\" او اذا حصل على اتفاق لم يصمد او اذا ما ثابرت اسرائيل على مطاردة المناضلين؟ ماذا سيكون عليه المستقبل اذا تفكك الوفاق من حوله او اذا نشبت حرب اهلية؟
\r\n
\r\n
حتى الآن لا يزال ابو مازن محط آمال وطموحات مختلفة ومتناقضة احيانا. الحامي المنقذ، الوجه الانتقالي او الامل الاخير لجيل مضى، الشيطان للبعض والأقل شرا للبعض الآخر، ان ابو مازن هو ذلك كله في نظر الفلسطينيين. نظرا الى الدرب الذي سلكه يمكنه التساؤل من اين خرج كل هؤلاء الذين يراهنون عليه اليوم والى متى سيبقون في جانبه وماذا فعل ليستحق صداقتهم الوفيرة والمربكة.
\r\n
\r\n
\r\n
* هما على التوالي اختصاصي في الشؤون الاسرائيلية الفلسطينية واستاذ في اوكسفورد، ومستشار سابق للرئيس كلينتون ومدير برنامج الشرق الاوسط وافريقيا الشمالية في مجموعة الازمات الدولية في بروكسيل.
\r\n


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.