شكل الربيع العربي في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، بأحداثه المتتالية وفصوله المتعاقبة، تغييراً عميقاً في الساحة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن التغيير الأبرز هو تغيير معنوي وفلسفي متمثل فى كسر الحاجز النفسي الذي يربط بين الحاكم والمحكوم. فقد كانت العلاقة التى تجمع بين الحاكم والمحكوم في العالم العربي علاقة قائمة على الرهبة؛ لأن الحاكم في هذه البلدان العربية يتعامل كزعيم وليس كأجير يتولى منصباً رفيعاً لخدمة المواطنين فها هي "قطع دومينو الحرية" التي تساقطت الواحدة تلو الأخرى للتخلص من نير الأنظمة الاستبدادية الشمولية. ومن ثم فإن موجات الربيع العربي ساعدت شعوبها في التحرر من كافة التابوهات النفسية فى المقام الأول ووحدت مصير تلك الشعوب؛ لأن غايتهم واحدة وهي التطلع إلى عهد الاستقلال والحرية والكرامة والسيادة الوطنية وعززت إحساس القومية وهو ما ظهر جلياً في شعارات "ارفع رأسك فوق". ثورة الياسمين فعندما اندلعت الثورة التونسية (والتى تعرف أيضًا بثورة الحرية والكرامة أو ثورة 17 ديسمبر أو ثورة الياسمين)، تلك الثورة الشعبية التى اندلعت أحداثها فى 17ديسمبر 2010 تضامنًا مع الشاب محمد البوعزيزي الذى قام بإضرام النار فى جسده، تعبيرًا عن غضبه على بطالته ومصادرة العربة التى يبيع عليها فضلاً عن تعرضه للصفع من قبل الشرطية فادية حمدي. وأدى ذلك إلى اندلاع شرارة المظاهرات فى يوم 18 ديسمبر 2010 وخروج آلاف التونسيين الرافضين لما اعتبروه أوضاع البطالة وعدم وجود العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد داخل النظام الحاكم، ونتج عن هذه المظاهرات التي شملت مدن عديدة فى تونس عن سقوط العديد من القتلى والجرحى من المتظاهرين نتيجة تصادمهم مع قوات الأمن، وأجبرت الرئيس زين العابدين بن علي على إقالة عدد من الوزراء بينهم وزير الداخلية وتقديم وعود لمعالجة المشاكل التى نادى بحلها المتظاهرون. الثورة المصرية وكانت الثورة التونسية بمثابة الشرارة التى دفعت الشعب المصري إلى النزول إلى الشوارع للمطالبه برفع الظلم والفساد المتفشى فى البلاد على مدار عهود طويلة وكانت أيضا بارقة أمل له حول رفع معدلات نجاحهم فى تحقيق مطالبهم. وبالفعل بعد 18 يوما من مواصلة الاحتجاجات فى ميدان التحرير فى القاهرة وأبرز الميادين فى مختلف المحافظات ،تحققت أسمى مطالب المتظاهرين والمتمثلة فى رحيل نظام الرئيس السابق محمد حسنى مبارك عن السلطة نهائيا وتسليم إدارة شئون البلاد إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة. الثورة اليمنية كانت أيضا الثورة اليمنية هى أيضا ثورة شعبية انطلقت شرارتها 3 فبراير واشتعلت يوم الجمعة 11 فبراير عام 2011 الذى أطلق عليه اسم "جمعة الغضب" (وهو يوم سقوط نظام حسني مبارك فى مصر) متأثرة بموجة الاحتجاجات العارمة التى اندلعت فى الوطن العربي مطلع عام 2011 وبخاصة الثورة التونسية التى أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي وثورة 25 يناير المصرية التى أطاحت بالرئيس حسني مبارك. الثورة الليبية وبعد اندلاع الثورة المصرية بعدة أيام، امتدت موجة الغضب المصرية على الحدود المصرية الليبية لتحط رحالها فى العاصمة الليبية بنغازى وتكون القطعة الرابعة فى لعبة الدومينو العربية، واندلعت ثورة 17 فبراير أو الثورة الليبية التى اندلعت وتحولت إلى نزاع مسلح بعد احتجاجات شعبية بداية فى بعض المدن الليبية ضد نظام العقيد معمر القذافى، حيث انطلقت فى يوم 15 فبراير إثر اعتقال فتحى تربل محامي ضحايا سجن بوسليم فى مدينة بنغازي فخرج أهالي الضحايا ومناصريهم لتخليصه وذلك لعدم وجود سبب لاعتقاله، وتلتها يوم 16 فبراير مظاهرات للمطالبة بإسقاط النظام بمدينة البيضاء، فأطلق رجال الأمن الرصاص الحى وقتلوا بعض المتظاهرين،مما تسبب فى تصاعد الاحتجاجات بعد سقوط أكثر من 400 قتيل برصاص قوات الأمن ومرتزقة.وتمكن الثوار من خلال مساعدة المجتمع الدولى فى صورة حلف شمالى الأطلسى (الناتو) فى فرض حظر جوى على قوات القذافى لمنعه من قصف المتظاهرين،فى السيطرة على مقاليد الأمور فى البلاد وإسقاط نظام القذافى باستخدام السلاح والدم. الثورة السورية بدأت شرارة الثورة السورية فى مارس 2011 فى مدينة درعا ، حيث قام رجال الأمن باعتقال خمسة عشر طفلا على إثر كتابتهم شعارات الحرية على جدار مدرستهم، وفى خضم ذلك، كانت هناك دعوة للتظاهر على الفيسبوك فى صفحة لم يكن أحد يعرف من يقف وراءها واستجاب لها مجموعة من الناشطين، وشارك المتظاهرون فى جمعات متتالية للمطالبة بتحقيق مطالبهم ورحيل الأسد بعد أن تسبب فى سيل الدماء السورية فى مختلف الميادين واستخدام طائراته ودباباته ومدفعياته الثقيلة صوب النساء والأطفال والشيوخ قبل الشباب مما تسبب فى سقوط أكثر من 30 ألف سورى ولا يزال الدم السورى ينزف حتى الآن؛ نظراً لتخلى المجتمع الدولى عنه واكتفاءه بالتدخل فى ليبيا فقط للتخلص من القذافى الذى كان عائقا أمام الاستفادة من موارد هذا البلد النفطى الهام. لعبة الدومينو وتتمثل خلاصة المشهد الثوري العربي فى لعبة الدومينو التى إذا سقطت قطعة واحدة فإنها ستسقط وستؤثر على باقى القطع المرصوصة خلفها فها هى بدأت تونس ثم تبعتها مصر ثم اليمن ثم ليبيا ثم سوريا؛ لأنهم مشتركون فى ذات الأنظمة الديكتاتورية السلطوية ولهم مطالب متماثلة إلى حد كبير إلا أن ما يجعل نتيجة كل ثورة مختلفة عن الأخرى هو اختلاف ثقافة كل شعب على حده واختلاف تعامل القوى الغربية مع كل ثورة على حده بما يتوافق مع مصالحها الخاصة. فالثورة السورية هى الثورة الوحيدة التى جمعت بين نظام سلطوى يستخدم السلاح وآلة القتل والتدمير وبين شعب أعزل بدأ بالكاد فى تكوين قوات خاصة به، متمثلة فى الجيش السورى الحر للرد وبقوة على آلة سفك الدماء النظامية فضلا عن إنها الثورة الوحيدة التى يتصارع من أجلها القوى الغربية بين مؤيد ومعارض لنظام بشار. ومن جهة أخرى، بات الشعب السوري لا ينظر إلى نجاح أو إخفاقات ثورات الربيع العربى بالقدر الذى ينظر فيه إلى معركته للتخلص من بشار الأسد ورحيله عن الحكم لأن قضيتهم لم تعد سياسية فقط وإنما قضية صراع من أجل البقاء على قيد الحياة.