250 شهيدًا خلفتها هدنة بشار الأسد التي أعلن موافقته عليها يوم وقفة عرفات على أن تنتهي بنهاية الاثنين رابع أيام عيد الأضحى. وكما هو متوقع، لم تصمد الهدنة التي اقترحها الأخضر الإبراهيمي؛ حيث اخترقها النظام بإطلاق النار على جموع المتظاهرين السوريين. والحقيقة أن لا مفاجأة في خرقها؛ فذاك أمر متوقع، وكذلك أعذار الأسد وتبريراته. ولم تمض ساعات حتى عاد بعدها جيش النظام لاستئناف مهمته في إبادة ما تبقى من الشعب السوري بالطيران الحربي على معظم المدن والبلدات مثل حمص ودمشق وريفها. وبعد انهيار الهدنة، عادت طائرات الميج لتقصف الريف الدمشقي بالقنابل العنقودية في ثالث أيام عيد، وبث ناشطون سوريون على شبكة الإنترنت شريط فيديو تظهر فيه طائرات الميج الحربية وهي تسقط قنابل فوق مناطق سكنية بريف دمشق، يعتقد أنها قنابل عنقودية. انقلاب السحر كان الأسد يطمح في استغلال الهدنة في بسط نفوذه من جديد واستعادة المناطق المحررة من قبضة الجيش الحر، وإعادة إمداد وتموين ثكناته العسكرية، وصيانة معداته. لكن اشتعال التظاهرات في كل فج عميق بعد صلاة العيد أصاب النظام بالجنون؛ إذ إنه ظن أن سوريا لم يعد بها من يستطيع التظاهر مجددا فاتحا صدره لقذائف الهاون والقنابل العنقودية. ومثل استهداف المظاهرات السلمية المطالبة بإسقاط النظام، سقوطا للهدنة الهشة، حيث أسفرت حصيلة ضحايا اليوم الأول في العيد عن سقوط 146 قتيلا من بينهم عشرات الأطفال والنساء والشيوخ. رب ضارة نافعة وحيال الهجوم الذي شنته قوات الأسد على جبهات عدة، تصدى لها مقاتلو الجيش السوري الحر، محرزين بذلك تقدما ملحوظا بعد سيطرتهم على حواجز لقوات الأسد وشبيحته في ريف دمشق، كما أعلنوا سيطرتهم كذلك على بلدتين في إدلب. واندلعت اشتباكات عنيفة في دمشق وحلب ودير الزور مع قوات الأسد التي قصفت عددًا من المدن والبلدات جوا وبرا، مما أوقع شهداء وجرحى بين المدنيين. واستؤنفت الاشتباكات والقصف منذ صباح الجمعة بعد انهيار الهدنة التي دعا الموفد العربي الدولي المشترك الأخضر الإبراهيمي إلى التقيد بها في عطلة عيد الأضحى. وقالت لجان التنسيق المحلية إن ما لا يقل عن 17 شخصا قتلوا في الساعات الأولى من نهار اليوم، معظمهم في دمشق وريفها ودير الزور. وكانت هدنة الأسد قد أوقعت نحو 250 شهيدًا منذ انطلاقها مساء الخميس برصاص قوات النظام. وقال المرصد السوري إن الجيش الحر استولى صباح الأحد على حاجزين للجيش النظامي في دوما بريف دمشق، كما طرد مسلحين موالين للنظام من تحصيناتهم في عمارة سكنية بالمدينة التي سقط فيها العشرات يوم أمس. أهل درعا أدرى بشعابها رفض أهل درعا مهد الثورة السورية تلك الهدنة منذ البداية، ولا عجب فهم أدرى بالنظام وألاعيبه، وقد أطلقوا اسم (جمعة لا هدنة ولا حوار مع القتلة) على يوم الجمعة 19 أكتوبر 2012 مخالفين بذلك معظم المحافظات التي أطلقت على نفس الجمعة اسم (أمريكا .... ألم يشبع حقدك من دمائنا؟). وترى قيادات عدد من كتائب الجيش الحر أن الهدنة سقطت بالفعل منذ أن قام الطيران العسكري بقصف عدد من بلدات ريف دمشق أول أيام العيد مخلفا عشرات الشهداء من أبناء الشعب السوري، فضلا عن قيام النظام بقصف قرية معرة ماتر الواقعة قرب مدينة معرة النعمان بمحافظة 'إدلب' التي تعرضت للقصف من طائرة حربية وشوهدت أعمدة الدخان تتصاعد منها. دلالات إفساد الهدنة يرى عدد من المحللين أن فشل تطبيق هدنة العيد يثبت مرة أخرى أن نظام الأسد لا يؤمن ولا يريد حلا سياسيًا للأزمة في سوريا، لأنه يعلم أن في ذلك نهايته وبالتالي فهو يصر -مدعوما بموقف الحليفين الروسي والإيراني- على انتهاج العنف والقتل كوسيلة وحيدة لإخماد الثورة السورية مهما ارتفع منسوب الدم السوري ومهما بلغت أعداد الضحايا. واعتبر المحللون أن النظام السوري كتب ب 'عدم احترامه للهدنة شهادة وفاة لها' حيث بدأ انهيارها في يومها الأول والثاني تحت وقع القصف الحكومي والطائرات التي واصلت دك البلدات الثائرة وهو ما لم يثر استغراب أي شخص في العالم بعد أن ثبت للعالم أن التزام النظام بالمبادرات هو 'محل شك لا يقبل الجدل'. دعوات لاستقالة الإبراهيمي وعلى وقع فشل الهدنة التي دعا إليها، نصحت صحيفة الشرق القطرية الأخضر الإبراهيمي بالاستقالة وذكرت "أنه من المخجل أن يواصل الإبراهيمي مهمته بعد الفشل الذريع في الالتزام بمجرد هدنة محدودة ولأجل محدود كما أنه لا يوجد طرف مستعد لإطلاق عملية سياسية وتحمل تبعاتها ودفع استحقاقاتها حتى الآن'. ورأت الصحيفة أن المطلوب من الإبراهيمي هو 'التعجيل بتقديم استقالته' عن هذه المهمة التي وصفها بنفسه ذات يوم بأنها 'شبه مستحيلة' وذلك لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الكاملة في وقف حمام الدم المتواصل في سوريا وحملات القمع والتشريد والنزوح واللجوء التي تتفاقم كل يوم وتمتد آثارها إلى كل بلد مجاور. ودعت "الشرق" في افتتاحيتها الأحد المجتمع الدولي إلى التوقف عن 'الاختباء' وراء مبادرات محكوم عليها بالفشل سلفا والقيام بما يلزم إزاء هذه الأزمة التي فضحت من وصفتهم ب 'أدعياء' حقوق الإنسان ومنظمة الأممالمتحدة وأصبحت 'وصممة عار' على جبين الدول الكبرى التي ساعدت بانقسامتها على تشجيع النظام لارتكاب مذابحه بحق الشعب السوري.