مبادئ قضائية تحسم الجدل بشأن مدد الجزاءات التأديبية وتأثيرها على الترقيات الوظيفية    75 جنيها تراجعا في أسعار الذهب ثاني أيام عيد الفطر المبارك    محافظ المنيا يوجه بمتابعة المواقف والمعديات ومنع استغلال المواطنين    رئيس مياه الفيوم يتابع ميدانيًا انتظام العمل بمحطات مياه الشرب والصرف الصحي بمركز طامية    خبير طاقة: أسعار النفط قد تقفز إلى 200 دولار حال استمرار إغلاق مضيق هرمز    التلفزيون الإيراني: بدء موجة جديدة من القصف الصاروخي باتجاه الأراضي المحتلة    الأسبوع الثالث للحرب.. الأردن يتعامل مع 36 هجوما جويا واعتراض 222 من أصل 240 منذ البداية    أبو الغيط يرحب بزيارات التضامن والدعم من قادة وزعماء عرب لعواصم الخليج    مشاهد لاعتراض الدفاعات الجوية الإيرانية صواريخ ومسيّرات إيرانية    المقاولون العرب يتقدم على بتروجت بثنائية في الشوط الأول    حملات مكثفة من وزارة الصحة للتأكد من جاهزية المنشآت الطبية الخاصة خلال عيد الفطر    خنقه أثناء نومه.. مقتل شاب على يد والده بالدقهلية    السيطرة على حريق داخل سوبر ماركت بحي الجمرك في الإسكندرية دون    لبنى ونس وسلوى عثمان ضيفتا التليفزيون المصري في ثاني أيام عيد الفطر    حرب إيران تربك خريطة حفلات نجوم الغناء    في ثاني أيام العيد، مرور مكثف على 189 وحدة صحية بالدقهلية وتقديم 10 آلاف خدمة طبية للمواطنين    نتاج جولة أمانة المراكز الطبية بشرق الإسكندرية في ثاني أيام العيد    الصحة: مبادرة فحص المقبلين على الزواج تكشف على 4.7 مليون شاب وفتاة    مصرع شخصان أثناء عبورهما مزلقان السكة الحديد بأبوحماد بالشرقية    تشكيل بيراميدز - ماييلي يقود الهجوم أمام الجيش الملكي.. وأوباما أساسي    بعثة منتخب الناشئين تصل ليبيا والقنصل العام في استقبالها    لاعب أوتوهو: سنستفيد من تجربة شباب بلوزداد أمام الزمالك    أبرز أنشطة وفعاليات جامعة أسيوط خلال أسبوع    خناقة الجيرة بقلين.. الأمن يضبط طرفى فيديو المشاجرة بكفر الشيخ    رانيا يحيى من مصر.. تعرف على لجنة تحكيم الدورة 35 لأيام الشارقة المسرحية    عبدالرحيم علي: الحرب على إيران قرار أمريكي محسوب لتحجيم تهديدها في المنطقة    تجديد حبس سيدة لاتهامها بسرقة حقيبة من داخل محل تجاري ببدر    الانتهاء من مشروع إعادة تركيب وترميم بوابة سور الملك رمسيس الثالث شمال معابد الكرنك    كحك العيد.. كيف تتناوله دون خوف على صحتك؟    محافظ قنا: حملات رقابية لضبط التعديات خلال العيد وإزالة 20 مخالفة بالمحافظة    أزمة صحية مفاجئة في ساسولو قبل مواجهة يوفنتوس    رئيس جامعة العاصمة يهنئ الأمهات بعيد الأم: أنتن صانعات الأجيال ورمز العطاء    "بر أبها" توزّع زكاة الفطر ل3837 أسرة مستفيدة    وزير التعليم العالي: تطوير المستشفيات الجامعية والارتقاء بجودة الرعاية والتعليم الطبي    حافظ الشاعر يكتب عن :حين تصبح الكاميرا دعاء لا يُرى    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : نعم سيظل العيد فى "بقطارس" ..حاجة ثانية !?    الأنبا أغناطيوس يناقش ترتيبات الخدمة مع كهنة إيبارشية المحلة الكبرى    رغم تقلبات الطقس.. قلعة قايتباي تستقبل آلاف الزوار في ثاني أيام عيد الفطر    الجريمة في مصر القديمة.. كيف تعامل الفراعنة مع قضايا التحرش والاغتصاب والسرقة؟    بمشاركة مصر و17 دولة إفريقية، نيروبي تستضيف النسخة الثانية من منتدى الكوميسا للاستثمار    في يومهم العالمي، أصحاب متلازمة داون يتمتعون بطبيعة إنسانية مميزة    المصري بالزي الأبيض أمام شباب بلوزداد الجزائري    محافظ قنا: تكثيف الرقابة التموينية خلال عيد الفطر.. وتحرير محاضر لمخابز مخالفة    الإفتاء: يجوز الجمع بين نية صوم النافلة مع نية صوم قضاء الفرض    دار الإفتاء: الاحتفال بعيد الأم مظهرٌ من مظاهر البر والإحسان    حبس شخصين لقيامهما ببيع أسطوانات بوتاجاز معبأة بالمياه في المنوفية    السيسي لقادة باكستان وكولومبيا وتونس: ندعم استقرار الدول العربية ونرفض انتهاك سيادتها    68 عامًا على "ست الحبايب".. القصة الكاملة وراء أغنية عيد الأم الخالدة    مصر تدين بأشد العبارات المخططات الإرهابية التي تستهدف أمن واستقرار دول الخليج    محافظ أسيوط: إقبال على مراكز الشباب في ثاني أيام عيد الفطر    وزير المالية: الأولوية الآن لإتاحة موارد مالية كافية ومستمرة لتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين    وزارة التضامن: توزيع كعك العيد للفئات الأكثر احتياجا بنقاط الإطعام فى المحافظات    جامعة القاهرة تتقدم بالتهنئة لأمهات مصر بمناسبة عيد الأم    المقاولون يستضيف بتروجت في مواجهة مثيرة بالدوري    تراجع تأخيرات القطارات اليوم وانتظام الحركة على كافة الخطوط    طارق لطفي: اللجان الإلكترونية تصنع «الأعلى مشاهدة»| حوار    الشرطة النسائية.. تاريخ من الإنجاز والعطاء المستمر    البيت الأبيض يعلن خطة الحسم ضد طهران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المقاطعة وتوظيفاتها
نشر في الشعب يوم 23 - 06 - 2007


أ.د. محمد الدعمي*

يختلف المؤرخون ، بحسب مشاربهم ومداخلهم ونظرياتهم في التورخة، حول طرائق تسجيل التاريخ والفوائد المستقاة من هذه العملية على سبيل إضاءة الحاضر واستشراف المستقبل. وإذا كان المؤرخون السياسيون يتتبعون أنماط التكرار عبر حركة التاريخ الدورية منذ بداياتها حتى رأسها الصاعد اليوم ، فإن المؤرخين العسكريين لا يقرأون من حركة التاريخ سوى قصص الحروب والصراعات وتتابعها وآثارها على ما يميلون إلى تسميته ب"الوضع الراهن". الفرق بين مؤرخي الحروب وأنواع المؤرخين الآخرين يمكن أن يخلص إلى أنهم يركزون في تورختهم على فنون الحرب وليس فنون السلام ، على رجل السيف وليس رجل القلم. وإذا كان البعض يخص هذا الفريق من المؤرخين بنظرة دونية لا تخلو من التحامل ، بإعتبار أنهم يقدمون تواريخ "البلاط والمعسكر"، بديلاً عن تواريخ الشعوب والمدنية والحضارة ، فإن هذا لا يمنع الإفادة من التواريخ العسكرية في إماطة اللثام عما قد تحتاج إليه الأمة أو حتى الفرد من أدوات في حالات الإحتكاك أو إرتطام الإرادات. لذا تحرص حتى أكثر الأمم المتنعمة بالسلام وبمزاياه على العناية بفنون القتال وبدراسة تواريخ الحروب وحتى ببناء المتاحف الحربية أو العسكرية كي تدرك الأجيال الصاعدة طبيعة حركة التاريخ وما يمكن أن يشوبها أو يواجهها من رزايا الزمن.
وقد حرصت منذ نعومة أظفاري على تكرار زيارة المتحف العسكري ببغداد ، وعندما بلغت شيئاً من الإعتماد على النفس كنت أخص المتاحف العسكرية في الدول العربية والأجنبية التي أزورها بالإهتمام والعناية كذلك. إذا كان المرء يستشعر أو يستحضر أصوات قعقعة السلاح والخيول والتداخل والمبارزات عبر رؤية الآثار المتبقية من الأسلحة القديمة كالسيوف والرماح ، المسدسات والبنادق، وسواها من أدوات الحرب، فإن واحدة أخرى من أهم الخلاصات التي يخرج بها من مثل هذه المتاحف ، ومن قراءات تواريخ الصراعات والنزاعات العسكرية عبر التاريخ هي خلاصة تفيد أن الحروب لا يمكن أن تحسم بالأسلحة ، من أدوات القتل والتخريب فقط ، وإنما هي تحسم في أحيان عدة بإستخدام أدوات أخرى لا صلة لها بالأدوات الجارحة أو المتفجرة أو السامة كي تتحقق أهداف المحاربين. ويبدو أن تاريخ الحروب والصراعات والنزاعات الدولية قد أفرز التجسس وبث العيون كواحد من أدواتها الفتاكة ، كما أفرز الحرب النفسية والدعاية كواحدة أخرى من أدواتها المدمرة ، زيادة على أدوات الحصار والمقاطعة بأنواعها، الثقافية والإقتصادية والسياسية ، كأسلحة إضافية قد تكون أكثر تدميراً وفتكاً من الأسلحة التقليدية أو الأسلحة الكتلوية المخيفة.
وإذا كانت المجتمعات الأولى ، حتى في العصور المبكرة لدويلات المدن، قد إستشعرت بأهمية القلاع والحصون لحماية الذات والسكان، فإنها أدركت من ناحية أخرى أن مثل هذه الحصون والجدران العالية المحاطة بكل ما من شأنه منع حركة الجند إلى دواخل المدينة المحصنة إنما هي تمثل سلاحاً ذا حدين ، لأن السياج العالي الذي يحميك يمكن أن يكون هو نفسه السياج الذي يكرس عليك فكرة الحصار والمقاطعة الخانقة حد التجويع والقحط ، ثم الضعف والإستسلام. لهذا السبب عمد الملوك والمقاتلون القدماء إلى موازاة الحصون العالية بالمخازن الكبيرة القادرة على خزن ما يكفي من المواد التموينية لمدد طويلة تمنع تحويل الحصن إلى أداة إنتحار. وهنا تتبلور إرادات المتحاربين عبر القدرة على ضرب الحصار والقدرة على المطاولة من خلال إحكام الحصار بالدرجة الكافية التي تؤدي إلى "قطع" المدينة المحاصرة عن مصادر الحياة من خارجها وحتى من داخلها من خلال إستخدام الأدوات الضاربة من بعيد لحرق المخازن ولإشاعة الخوف والذعر ولنشر التخاذل والإستياء الداخلي. يقول أبو الأدب الأميركي، واشنطن إرفنغ Irving، في معرض تحليله لهزيمة الأندلسيين في شبه جزيرة إيبريا أمام الممالك المسيحية ، أن حصون الإمارات الإسلامية لم تُهزم ولم تُخترق إلاّ بعد أن إستخدم الإسبان المنجنيق لرمي المدن الإسلامية بالمواد الحارقة من بعيد، وبعكسه ما كان لفرسان الصليب أن يتفوقوا قط على الفروسية العربية الإسلامية بهز السيف ورمي الرمح.
لقد كان الحصار الذي يترادف مع المقاطعة واحداً من أهم فصول الحروب القديمة عبر التاريخ ، حيث غالباً ما كانت المدن تستسلم للجيوش الغازية التي تحاصرها وتقطع عنها كل شيء، حتى إيصال سكانها المحاصرين إلى حال من الإعياء والهلع اللذين يفجران الصراعات الداخلية. لذا فإنها تضطر للإستسلام أو لإقالة القائمين على شؤونها من أجل إنقاذ السكان مما يحيط بهم من خوف وندرة. ولم تصمد حتى بيزنطة (القسطنطينية) أمام حصار القبائل التركية العثمانية بالرغم مما حظيت به من حصون محصنة وإستحضارات متنوعة، فإذا بها تسقط بعد محاولات عدة، لتغدو اليوم رمزاً للثقافة الإسلامية، بعد أن كانت غاية رموز الحضارة الغربية (الأوروبية، الآرية، المسيحية) عبر العصر الوسيط.
يبدو أن الإنسان قد أدرك أهمية الحصار وفاعلية أقوى أدواته، "المقاطعة"، حتى على المستوى الفردي والنفسي بين الأولاد في الحارة وأقرانهم في المدرسة، إذ أن مقاطعة واحد من الصبية أو الصبيات، بأمر من المعلم أو المعلمة، أو بالإتفاق فيما بين الأطفال أنفسهم، غالباً ما يؤدي إلى مقاساة العذاب والشعور بالعزل أو العزلة للطفل الذي تفرض عليه المقاطعة. هذا ما يفسر الميل الفطري لدى الإنسان لأن يتجمع أو لأن ينضم إلى مجموعات أو مجتمعات صغيرة، كالعائلة أو الجماعة أو الربع أو العشيرة، من بين صيغ مجتمعية أخرى، من أجل التخلص من مساويء الوحدة والتعرض للمقاطعة ثم للإستثمار والإستغلال. بل أن واحدة من الأساليب الإقتصادية أو المالية المهمة التي تستعملها المجاميع البشرية لإلحاق الضرر بتاجر أو بشركة أو ببائع تتمثل في مقاطعته وحرمانه من تجارته ومن الترويج لها عبر التوقف عن الابتياع منه أو البيع له. يقول بعض المتابعين الاجتماعيين أن واحدة من أهم أدوات المجتمعات المتمدنة المتقدمة لمحاربة التهرب من دفع الضرائب تتجسد في المقاطعة الإجتماعية، فإذا ما فشلت الأدوات القانونية والمحاسبية في فرض الضريبة على مواطن يتهرب من دفعها، فإن مجرد الإعلان على الملأ أن فلاناً يتهرب أو يتفنن في التخلص من دفع ما بذمته من ضرائب، يكفي لعزله عن المجتمع الذي يعيش فيه والذي لا يمكن أن يقوم بدون خدمات عامة، لأن الخدمات العامة لا يمكن أن تقدم بدون موارد عامة، وأن هذه الموارد لابد وأن يسهم بها كل مواطن عن طريق الضريبة. والحق، فإن هذه الآلية الواقعية في التفكير التعاوني التكافلي هي التي تكمن في قلب التقدم الحضاري: ففي الوقت الذي يتباهى فيه المرء في المجتمعات المتخلفة بأنه قد تمكن من إستغفال قوانين ومندوبي الضرائب، يشعر المواطن في المجتمعات المتمدنة بالخجل بل وبالعار عندما يكتشف الآخرون أنه لم يدفع حصته من "ضريبة" المواطنة، تلك الضريبة التي تقدم له خدمات التربية والتعليم والشوارع العامة والمستشفيات وسواها من خدمات الأمن والسلامة. هنا تكون المقاطعة من أدوات البناء، وليس من أدوات القسر والقهر.
لقد أدرك المؤرخون، ثم رجال الدولة والقادة العسكريون من بعدهم، أن فكرة الحصار والمقاطعة هي من الأدوات الحربية القديمة التي يمكن تحويرها وتطويرها لخدمة أهداف معاصرة. فإذا ما كانت عملية محاصرة مدينة أو قرية في العصور السابقة تحقق أهدافها، فلماذا لا يمكن فرض الحصار على دولة أو كتلة دولية كاملة من أجل أهداف سياسية أو إقتصادية أوسع، أهداف قد تصل حد فرض الإستسلام حتى دون إستخدام السلاح. وقد عشنا في العراق معطيات مثل هذه المقاطعة على نحو مباشر بعد حرب الخليج الثانية 1991، حيث بقيت "أم المعارك" تفرخ من نسلها المشوّه والمعوق حتى عصفت بها وبنسلها الجيوش الغربية عام 2003 لتضع نهاية لعصر الحصار المميت والمهلك. فإذا ما كانت الأمم المتحدة قد أدركت أن تجفيف موارد الحكومة وحرمانها من تصدير النفط سيؤول إلى إضعاف النظام الذي كان قائماً ببغداد، فإن هذا النوع من الحجر أو المقاطعة الإقتصادية قد أدى دوره في نشر القحط والفقر بين ابناء الشعب الذي لم يعد سهل الإنقياد نظراً لما كان يفت بعضده من نقص وندرة حيال أقلية إحتكرت كل شيء لها. وقد ترجمت المقاطعة الإقتصادية الدولية نفسها على أشكال عدة، حيث ظهرت بوادر شيوع الرشوة والفساد الإداري. بينما أخذ الأفراد يبيعون حتى ممتلكاتهم الشخصية من أجل البقاء على قيد الحياة والحفاظ على كرامة عوائلهم وأبنائهم. لقد كانت مقاطعة العراق الإقتصادية طوال ثلاثة عشر سنة متوازية مع بروز جميع مثالب النظام الذي قاد الجمهور إلى هذه المقاطعة ثم إلى تسليم البلد للقوى الأجنبية. وإذا كان المرء ينسى، فإنه لا يمكن أن ينسى صور مؤلمة لجنود لا يملكون ما يسدون به رمقهم أو حتى ما يكفي لدفع أجور النقل إلى معسكراتهم. كانت هذه الصور المأساوية غالباً ما توازى في دخيلة الذهنية الشعبية بصورة حياة البذخ الأسطورية التي حظيت بها نخبة صغيرة من المتنفذين.
لقد إنعكس الحصار على حقول التربية والتعليم العالي والثقافة على نحو عام: فإذا ما كان النظام الحاكم يقبع تحت وطأة المقاطعة الدولية، فإنه بدوره فرض نوعاً من المقاطعة على الثقافة والمثقفين، خاصة الأحرار منهم. وكانت أوجه هذه المقاطعة متجسدة في الحرمان من الكتابة ومنع أنشطة تبادل الرأي والإقلال من كل ما من شأنه التعبير عن التذمر أو الإستياء، زيادة على منع الإتصال بالعالم الخارجي، ليس عن طريق منع السفر إلى الخارج فقط، بل كذلك عن طريق قطع كافة قنوات الإتصال والإطلاع، من المطبوعات إلى الفضائيات وقنوات شبكة المعلومات الدولية الإنترنيت. لقد وصلت عملية محاصرة العقل العراقي المثقف درجة تغييب الورق والأحبار ناهيك عن ندرة قنوات النشر وفضاءات التعبير. أما على المستوى الجامعي، فقد حاولت القيادات الجامعية غير المسؤولة آنذاك أن تعوض عن المقاطعة الدولية للمؤسسات الأكاديمية العراقية عن طريق الإستعاضة عن برامج الإبتعاثات العلمية من خلال إعتماد اسلوب "الإنتاج الواسع" للشهادات العليا (البكالوريوس والماجستير والدكتوراه) داخل الجامعات العراقية، بغض النظر عن قدراتها وإستعداداتها وتواصلها بآخر نتائج البحث العلمي العالمي، الأمر الذي أدى إلى ظاهرة "تفريخ" أصحاب الشهادات العليا بالجملة، حيث لم يزل البلد والأجيال تعاني من نتائج هذا "التحدي" للإحتكار الدولي الغربي لمصادر المعرفة والإستنارة.
لقد أدى الحصار ومارافقه من مقاطعة إلى تجويع الموظف وإلى حرمانه من أبسط متطلبات البقاء والعيش، درجة إضطراره إلى البحث عن قنوات أخرى، غير مرئية، للكسب غير المشروع. واحدة من هذه الطرائق التي ظهرت وإنتشت بين المدرسين والمعلمين في عصر الحصار بسبب ضعف الحصانة، هي طريقة "التدريس الخصوصي". لقد كان التدريس الخصوصي في ستينيات وسبعينيات القرن الزائل من الظواهر النادرة جداً، الظواهر التي تخص قلة صغيرة جداً من ابناء الأغنياء، ولكنها مع الحصار صارت الظاهرة الأبرز والأقرب للنظام التربوي والتعليمي الذي أفسده الحصار والمتسببين بالحصار ممن كانوا قائمين على هذا البلد المنكوب. وهكذا صار حتى الطالب في الصف الأول الإبتدائي بحاجة إلى معلمة تعلمه كيف يكتب: "دار، دور" ! "نار، نور" ! أما على الجهة الثانية من سفينة التعليم المهشمة، فقد برزت ظاهرة "حمى" الشهادات العليا، بعد أن "إستغنت" القيادات الجامعية عن البعثات وعن الجامعات العالمية والعربية بأخرى من إبتكارها وتسويقها. وقد وجدت هذه الحمى معناها وأبعادها الحقيقية عندما حول النظام الشهادة العليا إلى هبة أو مكرمة من "القائد الضرورة"، حيث يمكن منحها لمن يريد من الأقارب والأصدقاء والموالين.
لقد أدرك الغرب طوال هذه السنوات العجاف، وعبر أدواته التحسسية، أن الخراب الذي يحققه الحصار كل يوم في العراق كان كافياً لإضعاف المجتمع من الداخل، خاصة وأن القائمين على هذا المجتمع لا يقبلون أن يدركوا نتائج ما يفعلونه على نحو منطقي أو علمي. لذا فقد هزم هذا النظام من داخله قبل إجتياح القوات الأجنبية العراق دون أية مقاومة من جنود لم يعودوا مستعدين للتضحية بأنفسهم من أجل صانع الحروب، واشباله الصغار من المتلذذين بالقصور الأسطورية والحياة الخيالية. لقد أدت المقاطعة وظيفتها كاملة قبل الحرب حيث جاءت الجيوش الأجنبية لتجد جمهوراً منهكاً وجائعاً غير قادر ولا مستعد لحماية الدكتاتور.
إذا ما اتفقنا على أن المقاطعة، خاصة بشكلها الاقتصادي، إنما تشكل واحداً من أهم الأسلحة في النزاعات والخصومات الدولية، فإن علينا في الوقت ذاته الإعتراف بأننا في العالمين العربي والإسلامي لم نتمكن من توظيف هذا السلاح على النحو الأمثل الذي يخدم مصالحنا بالطريقة المجدية المناسبة. فعلى نحو معاكس لما تفعله الدول الغربية، خاصة عبر توظيفها للقرارات الدولية، من فرض حصارات وعمليات مقاطعة محكمة وطويلة الأمد، تميل دولنا إلى البدايات الجادة التي سرعان ما تتفكك وتضمحل بسبب الخلافات البينية وإختلافات المشارب وتضارب المصالح. وللمرء أن يستذكر عدداً من النماذج الناجحة (في بداياتها) والتي لم تتمكن من ليّ رقبة المقابل بسبب عدم التواصل أو الإستمرارية. من هذه النماذج التي تستحق الإسترجاع والإطراء إتفاق الدول العربية الغنية بالبترول على إستعمال النفط سلاحاً إثر حرب أكتوبر في بدايات سبعينيات القرن الماضي. لقد نجحت الدول العربية بسبب التزامها هذا النوع من المقاطعة في دفع دول العالم الصناعي الذي كان منحازاً لإسرائيل إلى واحدة من أشهر أزمات الطاقة في العصر الحديث، وهي الأزمة التي لقنت بعض الدول الغربية درساً في الأهمية الإستراتيجية للنفط العربي الذي بدونه يضطر الوزراء ورؤساء الوزارات في الغرب إلى ركوب الدراجات لمباشرة أعمالهم في مكاتبهم ! بيد أن الثقافة الغربية الشائعة لم تفوت هذه الفرصة للإساءة للعرب وللإقلال من شأنهم، كفاعل أساسي في العالم المعاصر. وهكذا غزت التصويرات الكاريكاتورية الصحافة الغربية على نحو يراد منه الإساءة للعرب، خاصة عبر الصورة النمطية المتمثلة برجل عربي بدين، يرتدي الكوفية والعقال، وهو يحتضن برميلاً من النفط على ظهر ناقته، بينما يقف الرجل الغربي النحيف النحيل وكأنه يستجدي قطرة من محتويات هذا البرميل. حتى في هذه الحال، تمكنت الذهنية الغربية من ليّ الحملة العربية للمقاطعة على النحو الذي يفضي إلى تشويه تقديم العرب أمام الذهنية الغربية السائدة.
أما قصة المقاطعة العربية للشركات التي تتعامل مع الكيان الصهيوني، فهي الأخرى قصة ذات شجون: حيث تمكنت الحكومات العربية، تحت ظل صيغ التضامن العربي المتمثل بجامعة الدول العربية، من التوصل إلى طريقة تتم من خلالها مقاطعة جميع الشركات العالمية التي تتعامل مع إسرائيل. هنا نجح العرب إلى حد لا بأس به في الحفاظ على هذه المقاطعة وفي التلويح بما يسمى ب"القائمة السوداء" التي يحرم من يدخل اسمه فيها من فوائد المتاجرة والتعامل مع الدول العربية. ولكن مرة ثانية، لم تتمكن الدول العربية بالرغم من أشكال التعاون والإتساق من المحافظة على وحدة الصف حيال هذا الموضوع، حتى إذا ما مرت العقود وإذا بالقائمة السوداء ولجنة المقاطعة نفسها تخترق ثم تتلاشى لتغدو اليوم مجرد طلل جامع لغبار الزمان في أرشيفات جامعة الدول العربية بالقاهرة. وهكذا تجسدت مشكلتنا في عواطف "الهبة الأولى" التي سرعان ما تستغرقنا لتستهلك نفسها شيئاً فشيئاً حتى تغدو هواء في شبك.
لست شخصياً ضد فكرة توظيف سلاح المقاطعة العربية لخدمة أهداف قومية أو دينية ، كما تدعو لذلك العديد من الأطراف حيال المنتجات الدانماركية، ولكني أخشى من الخروقات البينية التي تؤول بنا إلى عدم التمكن من التماسك والتلاحم في مقاطعتنا لمنتوجات معينة. هنا تتجسد الخطورة، ليس في فشل خطط المقاطعة للمنتج الأجنبي، ولكن في الفشل على الإتفاق على مبدأ واحد وموقف متماسك مشترك، خاصة وأن العالم الغربي، بعد التجارب المار ذكرها، قد أخذ يتندر حيال عدم قدرتنا على الإتفاق وعلى الوصول إلى موقف واحد يعكس إرادة مشتركة صلبة. وللأسف، فإن هذا ما جرى في مناسبات عدة، حيث كانت شركة الكوكا كولا من الأسماء المحرمة، بينما كانت الوجبات السريعة ماركة "ماكدونالدز" شيئاً من الكفر والإلحاد. ولكن للمرء أن يتيقن من عقدة الهبة الأولى التي تعاني منها مجتمعاتنا المجبولة على العاطفة، حيث لا يحتاج الإنسان لسوى مراقبة جهاز التلفزيون لسويعات كي يرى كم مرة تظهر الدعاية، وبلسان عربي فصيح، لمشروب الكوكا كولا ولوجبات الهمبركر السريعة. إنه لمن الطريف أن تقدم بعض الفضائيات العربية كل ما من شأنه إشاعة هذا المشروب ومثل هذه الوجبات، بإعتبار إنها مملوكة من قبل رساميل وأسماء عربية، وإن مقاطعتها تعني الإساءة لأبناء جلدتنا ! وهكذا ينقلب السحر على الساحر.

* كاتب وباحث أكاديمي عراقي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.